أوروبا تعاني أزمة طاقة

Download

أوروبا تعاني أزمة طاقة

مقابلات
العدد 495 شباط/فبراير 2022

أوروبا تعاني أزمة طاقة

 على وقع خفض عملاق الغاز الروسي «غازبروم» 

إمدادات الغاز إلى بلدان الإتحاد الأوروبي

طبولُ الحرب تدقُّ بين روسيا وأوكرانيا، والعالم  كله يترقبُّ التطورات التي ستحصل، ولا سيما لما سيكون لها تأثير على الوضع الإقتصادي العالمي، وعلى سوق الغاز وأسعاره، ولا سيما في دول الإتحاد الاوروبي، حيث يٌعتبر الغاز الروسي الشريان الأساسي الذي يُؤمّن الإستمرارية لإقتصادات هذه الدول، ووجوه الحياة فيها. فهل يُمكن للغاز القطري والمصري والجزائري أن يكون بديلاً؟

تعيشُ قارة أوروبا أزمة طاقة على وقع خفض عملاق الغاز الروسي «غازبروم»، إمدادات الغاز إلى بلدان الإتحاد الأوروبي في أكتوبر / تشرين الأول 2021، ما أدى إلى قفزة في أسعار الطاقة، وخصوصاً أن روسيا تزود أوروبا بقرابة 40 % من إحتياجاتها من الغاز. علماً أن هناك خط أنابيب الغاز الروسي «نورد ستريم 2» البالغ طوله 1200 كيلومتر الذي يربط روسيا بألمانيا. وكان من المفترض أن يبدأ تشغيل الخط في سبتمبر/ أيلول 2021، لكن لم يتم التشغيل بعد إنتظاراً لموافقة الهيئات التنظيمية في ألمانيا والإتحاد الأوروبي، لذلك تُقلص روسيا من ضخها للغاز عبر «نورد ستريم1» بإنتظار البت في هذا الملف، الذي له أبعاد جيوسياسية وإقتصادية على السواء.

في البُعد الجيوسياسي للملف، تجني بولندا وأوكرانيا الكثير من الأموال، نظير عائدات رسوم العبور التي تدفعها شركة غازبروم، مقابل مرور الغاز الروسي عبر أراضيهما إلى أوروبا الغربية، عبر ما يعرف بأنبوب «نورد ستريم 1»، لكن التدفق المباشر للغاز عبره توقف في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2021، وأتى ذلك بعد إنتهاء عقد «غازبروم» طويل الأجل مع بولندا لنقل الغاز في العام 2020، ومنذ ذلك الحين، تحجز الشركة سعة خط الأنابيب من خلال المزادات، مما أدى إلى تقليص حجم الغاز الروسي، الذي يُضخ إلى الدول الأوروبية.

 في لغة الأرقام، يبلغ مخزون الغاز في أوروبا في الوقت الحالي، نحو  47 %  من السعة الكاملة، وهذا الأمر يُمثل مشكلة  بحسب الخبراء، إذ إنه من المفترض أن يصل المخزون في الوقت الحالي إلى 60 %، في حين أنه في يناير/ كانون الثاني للسنوات الماضية، كان مخزون الإتحاد الأوروبي من الغاز يُراوح بين 60 % وحتى أكثر من 85 % من سعة الخزانات.

ومنذ بداية العام 2021، إرتفع سعر الغاز في أوروبا بأكثر من 3 مرات ونصف المرة، وفي 20 سبتمبر/ أيلول الماضي، تجاوزت تكلفة الوقود 900 دولار لكل ألف متر مكعب، ونتيجة لذلك، إضطرت السلطات في عدد من الدول الأوروبية إلى تعويض المستهلكين. وكانت السويد آخر دولة أعلنت دعم الغاز لسكانها، وخصّصت 6 مليارات كراون (661 مليون دولار) لدعم الأسر الأكثر تضرّراً من إرتفاع فواتير إستهلاك الطاقة.

ويُحذّر خبراء قطاع الطاقة من إحتمالات حدوث أزمة في الإمدادات خلال الشتاء المقبل، مع إستئناف الأنشطة الإقتصادية التي كانت قد توقفت بسبب جائحة كورونا، مما سيؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة عموماً.

ورغم محاولات شركات الطاقة الأميركية، زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال بنسبة تصل إلى نحو 20 %، لتصل إلى 13.9 مليار قدم مكعب يومياً في حلول نهاية العام، إلا أنّ هذه الإمدادات لن تسد إحتياجات أوروبا من الطاقة، لإنقاذها في حالة قيام روسيا بوقف تزويد أوروبا بالغاز.

الغاز الروسي شريان يمدُّ أوروبا بالحياة

أمام كل هذه المعطيات التي سبق ورودها، لا بد من إلقاء الضوء على أهمية الغاز الروسي بالنسبة إلى دول أوروبا، وعمّا إذا سيكون الغاز الطبيعي المُسال قادراً على سدّ فجوة الغاز الروسي بشكل كامل على المدى القصير، من خلال  توفير فائض غاز من قبل مصدّرين مثل الولايات المتحدة وقطر، وهل يتناسب الغاز المُسال مع البنية التحتية للتوزيع في أوروبا؟

الجواب على هذا السؤال يأتي من زوايا عدة، إذ يشرح الخبير النفطي ربيع ياغي لمجلة «إتحاد المصارف العربية»، قائلاً: إن «روسيا هي أكبر مصدّر للغاز الطبيعي بواسطة شبكة أنابيب ممتدة من الحقول الروسية إلى شتّى أنحاء أوروبا، وأولها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا»، مشيراً إلى أن «أوروبا تستهلك 120 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، ما يعني أن روسيا هي  المصدّر الأساسي  للطاقة في أوروبا، التي تؤمّن لها ما بين  50 مليار متر مكعب أو 60 ملياراً من الغاز الطبيعي، أي مقدار نحو 50 %».

ويعتبر ياغي أنه «لا بديل عن روسيا، رغم أن الولايات المتحدة  والقوى الأُخرى، تُحاول توصيل الغاز إلى دول الاتحاد الاوروبي بشكل مُسال من الولايات المتحدة، عبر شحنات متتالية، يصل عددها ما بين 25 و30 شحنة غاز مُسال شهرياً، لكنها لا تكفي، وهي مؤقتة ولا تعطي النتيجة المطلوبة، لأنه لا يُمكن منافسة الغاز الروسي، كونه يأتي إلى أوروبا عبر شبكة أنابيب  بعيداً عن النقل البحري».

يُضيف ياغي: «صحيح أن قطر هي أكبر مسيّل للغاز بعد أُوستراليا، لكنه لا يُمكنها تغطية الغاز الروسي أو تكون بديلاً عنها، وستبقى روسيا في المديين المنظور والبعيد هي المورد الأساسي  لدول أوروبا بالغاز، وخصوصاً أنه لتجنّب المرور الغاز الروسي عبر أوكرانيا، أُنشئ خط «نورد ستريم 2» الذي يربط عبر بحر البلطيق روسيا بألمانيا بطاقة 15 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز، لكن لم يبدأ العمل به إلى الآن، والولايات المتحدة تُحاول جهدها لإيقاف عمله حتى تضغط بشكل أكبر على روسيا».

 ويختم ياغي: «إن أي مصادر أخرى، لن تُؤثر على الامدادات الروسية، بل ستكون حلولاً مؤقتة وبسيطة، لأن كميات الغاز التي تضخها روسيا نحو أوروبا، لا يُمكن منافستها من ناحية السعر والكمية، وستبقى روسيا المورد الأساسي للغاز لدول الإتحاد الأوروبي».

إمكانات الدول العربية

من جهته يشرح الخبير الإقتصادي الدكتور محمد وهبه لمجلة «إتحاد المصارف العربية» تأثير الغاز الروسي على إقتصادات الإتحاد الاوروبي، وعمّا إذا يُمكن أن يُشكل تهديداً لحركتها ونموها في حال إيقاف ضخه، فيقول: «إن ملف الغاز الروسي، في ما يتعلق بالإتحاد الأوروبي، يتخطى الإقتصاد، ولعلّ الأزمة بين بيلاروسيا ودول أوروبية حول المهاجرين، والعقوبات الأوروبية على مينسك، والأزمة الأوكرانية، والتدخل الأميركي المباشر، إضافة إلى أزمة إرتفاع أسعار الغاز في أوروبا، تشرح إتجاه الوضع الجيوسياسي للموضوع وإرتباطاته العضوية بالإقتصاد».

ويلفت د. وهبه إلى أنه «منذ بداية العام 2021، إرتفع سعر الغاز في أوروبا بأكثر من 3 مرات ونصف المرة، كما في 20 أيلول/ سبتمبر 2021، وتجاوزت تكلفة الوقود 900 دولار لكل ألف متر مكعب، نتيجة ذلك، إضطرت السلطات في عدد من الدول الأوروبية إلى تعويض المستهلكين»، لافتاً إلى أن «أضرار الإقتصادات الأوروبية قد تشمل موردي التكنولوجيا والمقرضين لمصدّري السلع، والمصنّعين المعتمدين على المواد الخام، ما قد يزيد من تعقيدات الروابط التجارية والضغوط التضخمية، ويحدّ من نشاط مجموعة واسعة من الشركات الأوروبية».

ويوضح وهبه أن «أوروبا تخشى أن تتضرّر إقتصادياً إذا تم فرض عقوبات شديدة على روسيا، ويعتبر الإتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لروسيا، إذ إنها تمثِّل 37 % من إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي مع العالم في أوائل العام 2020»، معتبراً أنه «من دون زيادة في حجم إستيراد كميات كبيرة سواء من الغاز الطبيعي أو الغاز الطبيعي المسال، فإن أوروبا سوف تواجه سيناريو أسوأ يتمثل في تفاقم أزمة تعويض أي نقص مؤقت في الإمدادات الروسية».

دور الغاز القطري والمصري

السؤال الذي يُطرح هنا، هل يُمكن للغاز القطري والمصري أن يُشكل بديلاً؟ وما هي البدائل؟ يجيب د. وهبه: «قد يوجد فعلياً، إن أمام أوروبا مصادر أخرى للغاز، فمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مليئة بالغاز الطبيعي. وشكلت الجزائر وقطر بالفعل 8 % و5 % توالياً من واردات أوروبا من الغاز الطبيعي في العام 2019»، مشيراً إلى «أن المشكلة تكمن في المنافسين في آسيا وأميركا اللاتينية، التي على أوروبا مواجهتهم، وكون معظم الغاز الآسيوي يتم شراؤه بموجب عقود طويلة الأجل مرتبطة بسعر النفط، تجد أوروبا نفسها أكثر عرضة لإرتفاع الأسعار اليوم».

ويضيف د. وهبه: «في هذا المجال أيضاً، تبرز تساؤلات عديدة عن قدرة الدول الأوروبية على الإستغناء عن الغاز الروسي كعامل سياسي ضاغطٍ عليها، وهل يُوجد بدائل فعلية، مع الإشارة إلى أن إحتياطات الغاز في روسيا هي الأكبر في العالم، وقد تكفي لأكثر من 100 عام، وتمثل إمدادات الطاقة من الغاز في أوروبا، التي ترد من روسيا والنرويج والجزائر بنحو 80 %، لكن إعتماد الدول الأوروبية على الغاز الروسي بشكلٍ أكبر، يعود بشكلٍ أساسي إلى عوائق لوجستية، تحول دون قدرة بعض الدول الأوروبية على إستخراج الغاز».

 ويلفت وهبه إلى أنه «في إحصاءات العام 2020، كانت روسيا أكبر مورد للغاز إلى أوروبا، وبلغت حصتها نحو 43 % من إجمالي واردات الإتحاد الأوروبي، وفي النصف الأول من العام 2021، إحتلت روسيا نحو 44 % من واردات الغاز الأوروبية، فيما إرتفعت واردات «الغاز الطبيعي المسال» قليلاً، ولكنها بقيت دون 23 %، وتوزعت أيضاً بين أميركا وروسيا ودولٍ أخرى»، معتبراً أن «تلك الأرقام تشير إلى أنّ القارة الأوروبية تعتمد بنسبٍ قليلة على «الغاز الطبيعي المسال» عموماً، وإن استوردته، فروسيا ونيجيريا تنافسان أميركا في هذا المجال، بحيث تبقى حصة الواردات الأميركية من مجمل النسب أقل من 10 %، وفي بعض الأحيان أقل من 5 %».

 ويرى وهبه أن «هناك عوامل عديدة تمنع الولايات المتحدة من منافسة الغاز الروسي المتجه إلى أوروبا، أبرزها السعر، فالغاز الروسي أرخص من الغاز الطبيعي المسال الذي تورّده أميركا إلى القارة الأوروبية، ولا سيّما أن كلفة الغاز الروسي الذي يتمّ نقله عبر الأنابيب إلى أوروبا مباشرة أقل بكثير من الغاز الأميركي المُسال الذي يتم نقله على متن السفن، ويحتاج إلى موانئ خاصة»، مشيراً إلى أن «كلفة إستخراجه وتحويله إلى غاز مُسال، ومن ثم توريده، لا تتناسب مع الأسعار المحلية الأوروبية، ويُمكن أن تعود بخسائر على الشركات الأميركية»، ويلفت إلى أن «أوروبا لديها القدرة على معالجة الغاز السائل الخام التي يتم إستيراده أو إعادة تحويله إلى غاز طبيعي، إلا أن هناك صعوبة في وصول هذا الغاز في نهاية المطاف إلى المستهلكين، نظراً إلى أن البنية التحتية للتوزيع ليست مصمّمة لإستيعاب هذا التحول الكبير إلى الغاز الطبيعي المُسال».

 ويشرح وهبة أن «الإستهلاك المحلي المتزايد من الغاز الطبيعي في الشرق الأوسط، والذي نما بمتوسط 4.6 % سنوياً على مدار العقد الماضي، لا يترك مجالاً أقل للتصدير».

ماذا عن قدرة الدول العربية على سدّ حاجات أوروبا من الغاز؟ يجيب وهبة: «تمتلك قطر أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، ورغم ذلك، لا يُمكنها تلبية إحتياجات العالم كله في الوقت عينه، ولا سيما في ظل تطلّع أوروبا بأسرها إلى الدولة الخليجية، كمصدر بديل للغاز الروسي، وعند إجراء مقارنة، يظهر بشكل واضح، أن قطر ستضطر إلى توجيه إجمالي صادراتها من الغاز المُسال إلى أوروبا في محاولة لتعويض الغاز الروسي، أي أنها ستضطر إلى التخلي عن السوق الآسيوية الواعدة. وحتى تعويض 40 مليار متر مكعب من الغاز المتدفق حالياً عبر أوكرانيا، فهي خطوة سياسية غير عادية، ستُغرق العديد من المشترين الحاليين للغاز القطري في أزمة».

 يُضيف وهبه: «قد يُمكن لمصر الإستفادة من الأزمة على حساب الإكتفاء الذاتي الذي حققته من الغاز الطبيعي، ليُصبح لديها قدرة تصديرية، فقد صدّرت في العام 2021 شحنات الغاز المُسال إلى أوروبا، وهي تقع في الترتيب الـ 11 عالمياً بين أكبر الدول المنتجة للغاز الطبيعي، وتالياً يُمكنها أن تكون مستفيدة من إرتفاع أسعار الغاز على المستوى العالمي، ولا سيما في ظل وجود علاقات سياسية ودبلوماسية مع دول الإتحاد الأوروبي، والتي تنعكس على العلاقات الإقتصادية والتجارية»، موضحاً أن «مشكلة مصر تكمن في أنها تعاني عجزاً في الإنتاج النفطي، مقارنة بإستهلاكها الداخلي. وبالنسبة إلى الغاز الطبيعي، فقد تم تزويد معظم المحطات الكهربائية بالغاز، مما يعني إستهلاكاً داخلياً عالياً ومتزايداً سنوياً للغاز، مما يدعو إلى ضرورة إكتشاف حقول غاز جديدة لتعويض ما يتم إستهلاكه، ولتلبية زيادة الإستهلاك السنوي».

ويُوضح وهبه أن «الجزائر، التي تُعد ثالث أكبر مزود للغاز لدول الاتحاد الأوروبي بعد روسيا والنرويج، فقد صدّرت العام الماضي عن طريق خطوط أنابيب ممتدة عبر البحر المتوسط إلى إسبانيا وإيطاليا، فضلاً عن محطة للغاز الطبيعي المُسال، بنحو 34 مليار متر مكعب من الغاز إلى دول الإتحاد الأوروبي، أي ما نسبته 8 % من إجمالي واردات القارة، وفقاً للمكتب الإحصائي للإتحاد الأوروبي. وبعد أن عززت الجزائر قدرتها الإنتاجية، فإنها على إستعداد لزيادة الصادرات إلى القارة الأوروبية، إلا أن ذلك لن يعوض إلا نسبة لا تتخطى 15 %  من الغاز الروسي».

 ويختم وهبه قائلاً: «إن قطع كامل إمدادات الغاز الروسي إلى قارة أوروبا، هو بعيد الإحتمال، وسيكون له آثاره الإقتصادية السلبية والشاملة على الجانبين الروسي والأوروبي في آن واحد».

باسمة عطوي

ياغي: كميّات الغاز التي تضخها روسيا  نحو أوروبا لا يُمكن منافستها من ناحية السعر والكمية

وهبه: قطر ستضطر لتوجيه إجمالي  صادراتها إلى أوروبا لتعويض الغاز الروسي والتخلّي عن السوق الآسيوية