أوروبا لا تريد النفط الروسي

Download

أوروبا لا تريد النفط الروسي

مقابلات
العدد 503- تشرين الأول/أكتوبر 2022

أوروبا لا تريد النفط الروسي

 هل تنجح في إيجاد البديل دون تداعيات إقتصادية و إجتماعية ؟

ليس  من المبالغة القول إن قرار الإتحاد الاوروبي بالإستغناء عن النفط الروسي إبتداء من العام المقبل كجزء من الرد على الحرب الروسية- الاوكرانية، أدخل حيوية إلى العلاقات السياسية والاقتصادية  الدولية وأعاد تجديد تحالفات وزاد الجهود الدبلوماسية لإزالة التوتر في علاقات أخرى، ولعل الدليل الأبرز على ما تقدم هو الحيِّز الذي إحتله هذا الملف في نقاشات إجتماعات دول العشرين التي عُقدت مؤخراً، وفي النشاط الدبلوماسي والسياسي الذي يُسجل لقادة هذه الدول في منطقة الشرق الاوسط ولا سيما في الدول الخليجية المنتجة للنفط، والمباحثات التي ستجري في شهر تموز بين الرئيس الاميركي جو بايدن مع قادة الدول العربية، بحيث سيكون النفط و زيادة الانتاج من الملفات المهمة على طاولة البحث.

إذًا الاتحاد الاوروبي عازم على إيجاد مصادر بديلة للنفط الروسي خلال 6 أشهر ( نهاية العام 2022) وتعويضه من دول أوبيك والولايات المتحدة ونرويج وبريطانيا، وهذا تحد ليس سهلاً لأنه يجب أن يترافق مع جهود تمنع من إرتفاع أسعار النفط عالمياً ولا سيما في دول الاتحاد الاوروبي مما سينعكس ذلك على نسب التضخم فيها وعلى أسعار المواد الغذائية وكل البضائع التي تعتمد على النفط وهذا ما يحصل حالياً.

بلغة الارقام يُظهر تقرير نشره موقع «ستارتفور» (stratfor) الأميركي أن مسؤولين أوروبيين صرحوا بأن حظر النفط سيغطي ما يقرب من 70 بالمئة  من واردات النفط الروسية في المدى القريب، ونحو 90بالمئة  بحلول نهاية العام، كما أن منع شركات الاتحاد الأوروبي من تقديم خدمات التأمين للناقلات الروسية قد يكون له تأثير أكبر على صادرات النفط الروسية من الحظر نفسه، من خلال الحد من قدرة روسيا على بيع النفط إلى الصين والهند ودول أخرى لم تفرض حظراً على النفط.

تحديات و تضخم

ياغي:  روسيا تصدر إلى الاتحاد الاوروبي

 2.5 مليون برميل نفط يومياً فمن أين يمكن تعويض هذا الرقم؟

لكن التحدي الآخر الذي يجب أخذه بالحسبان أيضاً هو هل يمكن للإتحاد الأوروبي الفصل بين إستيراده للنفط والغاز الروسي، وهل ستقبل موسكو بذلك أم أنها ستستخدم ملف الغاز كأداة ضغط، خصوصاً أنه يتم الإعتماد عليه بشكل كبير حياتياً وإنتاجياً في أوروبا ولا سيما في فصل الشتاء؟

الإجابة على الأسئلة التي تعكس التحديات التي تنتظر دول الاتحاد الاوروبي لتنفيذ قرارها، تظهر أن هذا الملف شائك ومؤثر على الكثير من مناحي الحياة فيها، وهذا ما يوافق عليه الخبير النفطي الدكتور ربيع ياغي الذي يسأل عبر مجلة «إتحاد المصارف العربية» روسيا تصدر إلى الاتحاد الاوروبي نحو 2.5 مليون برميل نفط يومياً، فمن أين يمكن تعويض هذا الرقم ؟»، ويعتبر أن «هذا الامر ليس سهلاً ويجب الإتفاق مع دول منتجة للنفط  ولذلك نلاحظ الزيارات المتكررة لمسؤولي الاتحاد الاوروبي على دول الخليج العربي المنتجة للنفط بغرض زيادة الانتاج وممارسة ضغوطات لتعويض الكميات التي يستوردها الاتحاد من روسيا».

 يضيف: «في المقابل إستطاعت روسيا فرض الروبل كعملة لدفع ثمن المستورد وكثيراً من الدول قبلت هذا الشرط مرغمة، وأيضا حاولت ونجحت في تحويل قسم كبير من إنتاجها في الفترة المقبلة والذي يتوجه إلى دول الاتحاد الاوروبي إلى كل من الهند والصين، أي أنها أمنّت لنفسها أسواقاً رديفة تعوّض عن المقاطعة الاوروبية لنفطها من خلال تخفيضات على أسعارها ، وهذا أمر مجدي جداً تجارياً بالنسبة لدول صناعية كبرى كالصين والهند».

من المرجح أن تواجه الأسر والشركات في معظم البلدان الأوروبية إرتفاعاً في أسعار الطاقة

بسبب العقوبات المفروضة على النفط، مما سيؤدي إلى زيادة التكلفة الإجمالية للمعيشة في أوروبا،

وإجبار الحكومات على إبقاء الإنفاق المالي مرتفعاً وزيادة مخاطر الإضطرابات الإجتماعية.

فبعد يوم من إعلان حظر النفط، وصل التضخم إلى مستوى قياسي بلغ 8.1 بالمئة في مايو/أيار الماضي،

مرتفعًا من 7.4 بالمئة  في أبريل/نيسان الذي سبقه

يعتبر ياغي أن «روسيا لن تتأثر كثيراً بقطع علاقاتها النفطية مع دول الاتحاد الاوروبي، لكن هذه الدول لن تتمكن من تعويض النفط الروسي بشكل كلي بل جزئي وبكلفة أكبر وبأسعار عالية لأن عملية النقل مكلفة، بينما من خلال روسيا يمر عبر الانابيب عبر بحر البلطيق»، مشيراً إلى أن «دول الاتحاد الاوروبي إعتبرت أن ملف الطاقة «MENU» أي يمكنها مقاطعة النفط الروسي والابقاء على إستيراد الغاز الروسي لكن من يضمن قبول روسيا بهذا الامر، خصوصاً أن الغاز هو ورقة قوية بيدها ويمكنها عبرها فرض شروطها بسوق النفط والغاز».

ويشرح أن «التداعيات التي نراها في سوق النفط ليست فقط بسبب قرار الإتحاد بمقاطعة النفط الروسي، بل إن الحرب الروسية على أوكرانيا رفعت سعر النفط عالمياً من 80 إلى 120 دولاراً للبرميل وهذا له إنعكاس على كل الدول المستهلكة للمشتقات النفطية وبينها لبنان»، مشيراً إلى أن «هذا الامر سيزيد التضخم وله إنعكاس سلبي على الاقتصاد العالمي وعلى المستهلك في جميع أنحاء العالم وسيترجم عدم إستقرار في السوق النفطي تصاعدياً، خصوصاً ونحن على أبواب الشتاء، كما أن شركة غاز بروم الروسية بدأت بتخفيف صادراتها عبر الانابيب إلى دول الاتحاد الاوروبي».

إستثمارات للإستغناء عن النفط و الغاز الروسيين

غبريل:  الاتحاد الاوروبي أفصح عن خطة

 بقيمة 314 مليار دولار لوقف  إعتماده على الطاقة الروسية

على ضفة الخبراء الاقتصاديين يشرح الخبير الإقتصادي ورئيس مركز الابحاث في بنك بيبلوس نسيب غبريل لمجلة «إتحاد المصارف العربية»، أن «دول الإتحاد الأوروبي  تحاول تخفيف إعتمادها على الغاز والنفط الروسيين وهي  تستورد 25 بالمئة من حاجتها من النفط من روسيا، وهناك إتفاق على وقف إستيراد النفط من خلال البحر على أن يبقى على النفط الذي يستورد في الانابيب وهذا الجزء من النفط سيتوقف»، مشيراً إلى «أن الاتحاد الاوروبي أفصح عن خطة بقيمة 314 مليار دولار كي يوقف إعتماده على الطاقة الروسية، وهذا المشروع يقضي بأن تُقام إستثمارات في دول الاتحاد حتى العام 2030  كي يستغني الإتحاد تماماً عن مصادر الطاقة الروسية».

يضيف: «يعتبر قادة هذه الدول أن هذا الامر يوقف تدفق الأموال إلى روسيا التي تستخدمها في حربها على أوكرانيا، أما البدائل عن النفط الروسي يحاولون تأمينها من النروج ودول الأوبيك والمملكة العربية السعودرية والولايات المتحدة الأميركية على أن ترفع دول أوبيك بلاس إنتاجها تدريجياً وهناك مساعٍ لزيادة صادراتها إلى دول الإتحاد».

ويختم: «علينا الإنتظار لمعرفة النتيجة مع تسجيل ملاحظة أن أسعار النفط تراجعت عن الأرقام العالية التي سجلتها في بداية الأزمة».

بدائل لم تجهز بعد

قطب: الاتحاد الاوروبي لم يحسم أمره  في إيجاد البديل 

ما يعني أن هناك تحدياً كبيراً في تنفيذ هذا القرار

يعتبر الخبير الإقتصادي الدكتور مروان قطب لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أن «هناك تحدياً كبيراً أمام دول الإتحاد الأوروبي خصوصاً في ظل غياب البديل الجاهز لإستبدال النفط والغاز الروسيين ببديل آخر، وهناك طروحات عدة إلا أنها ليست جاهزة بعد»، مشيراً إلى أن «التعجيل في موضوع الإستخراج من حقل كاريش الإسرائيلي هو في سبيل إيجاد بديل وهناك عقبات كثيرة، كما أن الطرف الإيراني يجد في ذلك نفوذاً له للضغط على الإتحاد الأوروبي لإنجاز الإتفاق النووي، والطرف المصري الذي ينتج الغاز المسيل لا يجد مصلحة له في التصدير إلى أوروبا خصوصاً أنه يفضل التعاون مع أسواق صينية ذات إستهلاك أكبر ولعقود طويلة الأمد».

يضيف:» هناك طروحات بالاستيراد من الجزائر إلى أن توتر العلاقات بينها وبين المغرب قد يحول دون مرور الغاز الجزائري في الانابيب التي تمر في المغرب، كما أن هناك طروحات بتصدير الغاز من نيجيريا وهذا الامر قيد الدراسات».

ويختم: «الإتحاد الأوروبي لم يحسم أمره في إيجاد البديل ما يعني أن أمامه تحدٍ كبير في تنفيذ هذا القرار ومرور الأيام سيشكل ضغطاً على دول الإتحاد وعلى أسواق النفط والغاز العالمية».

باسمة عطوي