إتجاهات التضخم عالمياً ومحلياً

Download

إتجاهات التضخم عالمياً ومحلياً

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 492 - تشرين الثاني/نوفمبر 2021

إتجاهات التضخم عالمياً ومحلياً

 

الدكتور محمود أبو العيون

أستاذ الإقتصاد في جامعة الزقازيق

ومحافظ البنك المركزي الأسبق

في قراءة للتقرير نصف السنوي الذي قدمه بنك الإحتياطي الفيدرالي للكونغرس الأميركي في 9/7/2021 عن الأوضاع الإقتصادية الأميركية خلال النصف الأول من العام 2021 ومتطلبات السياسة النقدية، تبيّن لي أن مسار التعافي الإقتصادي الأميركي قد شهد خلال النصف الأول من العام 2021 تحسناً في أعداد فرص العمل التي خلقتها قوى السوق الأميركية، حيث إنخفض معدل البطالة من 6.7% في ديسمبر/كانون الأول 2020 إلى 5.9%  في يونيو/حزيران 2021، ورغم هذا التحسن النسبي، ظل المعروض من قوة العمل يقل عن الطلب، مما تسبّب في إرتفاع نسبي في متوسطات الأجور.

كما تبيّن من التقرير أيضاً أن الإقتصاد الأميركي قد شهد خلال النصف الأول من العام 2021 نمواً ملحوظاً بلغ 6.4% بسبب زيادة الإنفاق الخاص والإستثمار الممولين من زيادة مستويات الإئتمان منخفض التكلفة، بسبب إقتراب مستويات أسعار الفائدة من حدودها الدنيا التاريخية.

ورغم هذا التحسن في مؤشرات البطالة والنمو، كانت الضغوط التضخمية واضحة، حيث إرتفع معدّل تغيُّر مؤشر أسعار المستهلكين من 1.2% في ديسمبر/كانون الأول 2020 إلى 3.9 % في نهاية مايو/أيار 2021، وإرتفع مؤشر التضخم الأساسي حتى بلغ 3.4% في التاريخ عينه. وقد أكد التقرير أنه من المحتمل إرتفاع معدل التضخم مستقبلاً بسبب إستمرار مشاكل سلاسل التوريد التي تواجه مختلف قطاعات الإنتاج وتقلّل من إمكانات زيادة الإنتاج لمواجهة الطلب المتزايد.

وفي إجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة FOMC (لجنة السياسة النقدية الأميركية) في 22 سبتمبر/أيلول 2021 أكدت اللجنة أن تعافي الاقتصاد الأميركي مرهون بسلوكيات وباء «كوفيد-19»، ورغم ذلك أعادت اللجنة التأكيد على هدفها الرامي إلى تحقيق أعلى مستوى من التوظيف لقوة العمل الأميركية، وإلى ضمان إستقرار الأسعار. وفي ما يتعلق بالأسعار، أشارت اللجنة إلى أنها ستستمر في العمل على تحقيق هدفها لتحقيق معدل «معتدل» للتضخم السنوي يفوق 2% «لفترة لم تحددها»، وأن تظل توقعات معدل التضخم في الأجل الأطول حول 2 % أيضاً.

وجاء تقرير صندوق النقد الدولي الصادر هذا الشهر عن «آفاق الإقتصاد العالمي» مؤكداً أن «عدم التأكد» في شأن مستقبل تعافي إقتصادات العالمين المتقدم والنامي، هو الشيء الوحيد المؤكد. فقد زادت معدلات عدم التأكد بسبب سرعة إنتشار سلالة «دلتا» ومخاطر ظهور سلالات متحورة جديدة، مما ترك صنّاع السياسات الإقتصادية يقفون حائرين أمام الإختيار بين بدائل السياسات التي تحقق التعافي الإقتصادي. فزخم التعافي أصابه الضعف بسبب إستمرار الجائحة، وبسبب مشاكل سلاسل التوريد التي تُقيّد الإنتاج، وفي الوقت ذاته، إرتفعت معدلات التضخم بدرجة ملحوظة، وخصوصاً في الولايات المتحدة وبعض إقتصادات الأسواق الصاعدة بعد تسارع معدّلات الطلب، وبطء إستجابة العرض.

واقع الأمر، أن توقعات التضخم، وإن كانت تتسم بعدم التأكد أيضاً، إلاّ أن الإتجاه التصاعدي للتضخم يبدو شبه مؤكد. فضغوط جانب الطلب واضحة بسبب إستمرار تطبيق الدول سياسات التيسير الكمّي التي تتيح سيولة كبيرة في الأسواق، المصحوب بإنخفاض تكلفة الحصول على التمويل المصرفي وخصوصاً في البلدان المتقدمة، والميسر أيضاً بسبب تعويضات البطالة السخية في بعض البلدان، مما يصبّ في النهاية في زيادة القوة الشرائية، والطلب الذي لا تقابله زيادة في المعروض بسبب مشاكل سلاسل التوريد التي أشرنا إليها.

ومن المتوقع أن تظل ضغوط جانب التكلفة على التضخم قائمة لفترة طويلة مستقبلاً. فنحن نشهد حالياً إرتفاعاً كبيراً في أسعار البترول والغاز بشكل غير مسبوق، فقد تجاوز سعر البرميل من البترول الخام حاجز 80 دولاراً للبرميل للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات. وشهدنا إرتفاعاً في أسعار عقود الغاز الطبيعي لأكثر من الضعف خلال العام 2021، ناهيك عن إرتفاع أسعار النحاس والألومنيوم وعدد كبير من المعادن عالمياً خلال هذا العام. وكل هذا يُمكن أن ينتقل بسهولة للضغط على أسعار السلع والخدمات. لذلك كله، ستظل توقعات التضخم عالمياً مرتفعة، ومن المرجح في رأينا، أن تستمر مخاطر تسارع التضخم قائمة.

أما محلياً فقد إرتفع المعدل السنوي للتضخم العام خلال سبتمبر/أيلول 2021 لأعلى معدّل له، متخطياً حاجز 6 % للمرة الأولى منذ يناير/كانون الثاني 2020، بسبب إرتفاع أسعار السلع الغذائية لحوالي 10.6 %، وإرتفاع معدل التضخم الأساسي إلى 8.4 %. فإرتفع المعدل السنوي للتضخم العام في إجمالي الجمهورية ليسجل 8% في سبتمبر/أيلول 2021، وفق تقرير البنك المركزي المصري الشهري عن معدلات التضخم.

ومعنى ذلك أن الضغوط التضخمية في مصر تأخذ منحى الإرتفاع، وربما يزيد من تلك الضغوط إرتفاع أسعار المحروقات، وبعض المواد البترولية إستجابة لإتجاهات إرتفاع أسعار البترول والمواد البترولية عالمياً، وإرتفاع أسعار بعض المواد الأولية التي تستوردها مصر من الخارج. ولا يُمكن أن نتجاهل أيضاً سلوكيات بعض تجار تجزئة بعض السلع المعمرة (كالسيارات على سبيل المثال لا الحصر) التي ترفع أسعار البيع بسبب إختناقات توافر الواردات التي ذكرنا أنها بسبب مشاكل سلاسل التوريد عالمياً.

فما هو العمل؟ وما هي توجهات السياسات الاقتصادية لمواجهة الضغوط التضخمية المحتملة؟

من غير الممكن، بل من غير المقبول ضغط أو كبت أو حتى تأجيل الإنفاق الإستثماري الحالي لتحديث البنية التحتية لإقتصاد مصر، فنحن في أشدّ الحاجة لبنية تحتية قوية تستوعب الزيادة السكانية السنوية، وتُوفر الأساسيات الضرورية لجذب الإستثمارين المحلي والأجنبي.

ومن غير الممكن أيضاً أو المقبول، العودة لسياسة «الخدمات المجانية»، ولعلّي أستحضر هنا رؤية القيادة السياسية بأن تقدم الخدمات بتكلفتها للمواطن ولا يوجد شيء «ببلاش». فقد إنتهينا من كل ذلك إلى غير رجعة، رغم ما قد يُسببه ذلك من أعباء مالية على ميزانيات بعض المواطنين، ورغم وجود بعض المغالاة في تلك التكلفة من بعض الجهات.

كذلك من غير الممكن، منع تسلل إرتفاع الأسعار العالمية إلى أسعارنا المحلية لإتباعنا سياسة الإقتصاد الحر المفتوح غير المشوّه بتسعيرة جبرية كما كنا في الماضي.

ولا أرى مجالاً – في ظل توجهات التضخم المتوقعة – لأن يُخفّض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة، رغم الرغبة في حفز الأنشطة الإقتصادية الإنتاجية الممولة من القطاع المصرفي المصري. (ثبّت «المركزي» سعر الفائدة فعلاً بعد كتابة المقال)،

لكن هل يُمكن أن تركز السياسة المالية على إعمال قدر من التقشف في بعض مجالات الإنفاق الجاري غير الأساسي؟ وهل يُمكن التخفيف التدريجي من سياسة التيسير التي تُوفرها مبادرات البنك المركزي كأداة من أدوات السياسة النقدية التوسعية المطبقة حالياً للخروج من براثن وتوابع وباء «كوفيد-19» بهدف الحدّ من تضخم الطلب، والتأثير في توجهات التضخم المستقبلية مع الحفاظ على الهدف التضخمي المستقر؟

مجرد أسئلة ربما قد يُساهم أحدهم من المهتمين في الشأن الإقتصادي في طرح رؤاهم فيها.