إقتصادات دول المنطقة أمام تحديات جديدة – العدد 470

Download

إقتصادات دول المنطقة أمام تحديات جديدة – العدد 470

مقابلات
العدد 470 كانون الثاني/يناير 2020

مع تصاعد التوترات بين أميركا وإيران

إقتصادات دول المنطقة أمام تحديات جديدة

حمل العام 2020 إلى دول المنطقة تحديات جديدة مع تصاعد التوترات السياسية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران على خلفية مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني على أرض العراق، علماً أن هذا الكباش الحاصل وتأثيراته ليس جديداً أو وليد اللحظة بل يمتد إلى سنوات خلت، إلا أن قرع طبول الحرب في المنطقة مع بداية العام وضع جميع الدول أمام تحد إقتصادي لا يمكن التكهن بنتائجه خصوصاً أن العديد منها يعاني من نزف إقتصادي ومالي (لبنان وسوريا والعراق)، إذ إن هذه الدول لا تزال تحت تأثير «السنوات العجاف» التي تمر على شعوبها إما بسبب الحرب (سوريا والعراق) أو بسبب الفساد وسوء الإدارة (لبنان).

وأول المؤشرات الاقتصادية الصعبة التي عاشتها المنطقة العربية عقب مقتل سليماني، هو إرتفاع سعر برميل النفط الخام وتصاعد قلق المستثمرين من الانعكاسات المحتملة للتوتر في الشرق الأوسط على إمدادات الذهب الأسود، مما دفعهم إلى التوجّه إلى الخيارات الأكثر أماناً ومن بينها العملات والذهب الذي ارتفع سعره بمعدل 1.4 في المئة، وتراجعت العملات العالية الخطورة ومن بينها الدولار، أما الأسهم فتراوحت بين الصعود والهبوط.

وفي لغة الأرقام تضمن تقرير البنك الدولي، الذي صدر نهاية العام 2019 حول النمو لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والأخطار الاقتصادية المحدقة بها لعامي 2020 و2021 (على المدى المتوسط)، نمواً للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي فيها بنسبة 2.6 في المئة العام 2020 و2.9 في المئة في العام التالي، وذلك بسبب زيادة الاستثمار في البنية التحتية في دول مجلس التعاون الخليجي، وفي المتوسط يتوقع البنك أن يصل النمو في دول مجلس التعاون إلى 2.2 في المئة عام 2020 و2.7 في المئة عام 2021.

بالنسبة إلى العراق، يتوقع البنك الدولي أن يستمر النمو الاقتصادي في العراق عام 2020، حيث يبلغ ذروته عند 5.1 في المئة قبل أن يتراجع إلى 2.7 في المئة عام 2021 (هذه الأرقام قد تتغير مع إستمرار الاحتجاجات الشعبية على الفساد)، وفي مصر من المتوقع أن يستمر نمو الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 6 في المئة عام 2021 مدفوعاً بتحسّن الطلب المحلي ونمو الصادرات، لكن البنك الدولي يعتقد أن ارتفاع الدين العام في مصر لا يزال يشكل مصدر قلق، على الرغم من أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من المتوقع أن تنخفض إلى 85 في المئة بنهاية السنة المالية 2020-2021، نزولاً من 97.3 في المئة في نهاية السنة المالية 2018-2019.

فائض إنتاج النفط سيمنع إرتفاع أسعاره

كل ذلك يعني أن مقتل سليماني ليس مجرد قرار سياسي  -  عسكري بل له أبعاد إقتصادية مالية عالمية وإقليمية أيضاً، لأن الطرفين يملكان أوراقاً ذات كلفة إقتصادية ككلفة وجود القوات الأميركية في العراق وإنعاكسه على أسعار النفط والذهب والعملات في الأسواق العالمية، وسيؤدي ذلك إلى إرتفاع كلفة التأمين على السفن التي تمر في مضيق هرمز (20 في المئة من النفط العالمي يمر في المضيق) وزيادة بيع الاسلحة في المنطقة، لذلك من المفيد البحث عن تداعيات الكباش الأميركي – الإيراني الحاصل على إقتصادات دول المنطقة وعن ماهيته وأشكاله، في ظل تصريحات القادة السياسيين بأن على الاطراف المعنية الحوار لتجنيب المنطقة ما هو أسوأ عسكرياً وإقتصادياً وبشرياً على السواء.

فائض إنتاج النفط والغاز سيمنع إرتفاع الأسعار

وفي هذا الإطار يجمع الخبراء السياسيون على أن الخوف من حصول حرب في المنطقة تراجع إلى حد كبير ولو أن التوترات السياسية ستستمر، وهذا ما سيؤدي إلى بقاء إقتصادات دول المنطقة على ما هي عليه قبل مقتل سليماني سواء لجهة نموها أو تعثرها، إذ يقول وزير المالية السابق جورج قرم إن «أسعار النفط شبه مستقرة ويبدو أن هناك فائضاً في إنتاج النفط والغاز عالمياً، والسياسة الأميركية في المنطقة هي سياسة مقايضة لأن هذه الإدارة تطلب ثمناً نقدياً لوجودها في الخليج، وأعتقد أن دول الخليج ستستمر على وضعها الاقتصادي الحالي وأرى أن حرب أنابيب الغاز تلوح في أفق المنطقة، فنحن نعيش في منطقة تعاني من نزاعات بين دولها من جهة وبين هذه الدول وبين تركيا، وهذا يعني إزدياد أعداد النازحين وهذا وضع غير صحي يزيد من الأعباء الاقتصادية على الدول العربية».

من جهته يرى الخبير الاقتصادي والمالي نسيب غبريل أن «التوتر الحاصل بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران أدى إلى إرتفاع أسعار النفط، لكن سرعان ما إستقرت الامور بعد ضبط النفس السياسي الذي حصل وإعلان الاطراف المعنية بأنها لا تريد الحرب، وفي كل الاحوال فإن إرتفاع أسعار النفط عالمياً له تأثير إيجابي على إقتصادات الدول المنتجة للنفط وتأثير سلبي على دول عربية أخرى مثل لبنان والاردن وعلى زيادة الاعباء على ميزان مدفوعاتها وعجز موازناتها».

ويضيف: «من الواضح أن دول الخليج لا تريد التصعيد العسكري في المنطقة، وكل دولة عربية لها وضعها الخاص في التأثر من التوتر السياسي والضربات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، ففي العراق لن يتأثر إنتاج النفط خصوصاً مع وجود قواعد عسكرية أميركية على أراضيها، إنما في لبنان والاردن ومصر سينعكس التوتر الإقليمي تراجعاً في الميزان التجاري والمالية العامة نتيجة التباطؤ الاقتصادي وضعف تحويلات المغتربين إلى بلدهم الأم».

يوافق الخبير الاقتصادي الدكتور إيلي يشوعي على كلام غبريل، معتبراً أن «النزاعات المسلحة والحروب التي تدمر هي التي تؤثر على أسعار النفط، بالإضافة إلى العوائق التي توضع على إنتقال النفط مثل مضيق هرمز وهذا لم يحصل، وبالتالي التوترات السياسية الحاصلة ليس لها تأثير كبير على إقتصادات دول المنطقة إلى الآن لأن الحروب هي الخطر الاكبر على أسعار النفط، والاستقرار الاقتصادي لدول المنطقة سيبقى على حاله ولن يحصل تغيير كبير».

إقتصاد لبنان إلى مزيد من التأزم؟

وإذا كان لبنان هو من الدول التي تتأثر بما يحصل في المنطقة، فهل سيزيد مقتل سليماني من تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعانيها منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019؟

 يجيب قرم: «الظروف الإقليمية والدولية تؤثر سلباً وتزيد عمق حالة شبه الانهيار الاقتصادي، ومما لا شك فيه أن الظروف الإقليمية ليست بعيدة عن كل ما يحصل في لبنان، فأنا أستهجن وضع المصارف اللبنانية التي أصبحت شبه منهارة وهذا يستدعي برأيي المطالبة بلجنة تحقيق لتبيان ما جرى خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً أن هذه المصارف كانت مزدهرة وتتمتع بوضع مالي متين».

يضيف: «لا شك أن هناك سوء إدارة داخلي لكن هذا لا يكفي لشرح كل التطورات الداخلية التي حصلت في لبنان، وأرى أن هناك عوامل خارجية زادت الضغوط على الاقتصاد اللبناني وعلى دور المصارف، ولا ننس أن رئيسي الجامعة الأميركية واليسوعية في بيروت هما من طلبا من طلابهم النزول إلى الشارع، وما نحتاج إليه هو خطة شاملة وتغيير في أساليب المصرف المركزي اللبناني الذي تعدى دوره المصرفي،

وما يحصل اليوم أن الشعب اللبناني يدفع ثمن الخطة المتبعة منذ ثلاثة عقود والممارسات الخاطئة مالياً ونقدياً في ظل وجود عملة قوية قيد التداول هي الدولار الأميركي، ولا يجب أن ننسى أن ما قتل النمو الاقتصادي في السنوات الثلاث الأخيرة، هو أن الدولة لجأت إلى سياسات التقشف بينما كان المطلوب العكس تماماً وتكريس سياسات تنشيط الوضع الاقتصادي المتراجع. ونحن بحاجة إلى حكومة منفتحة الآراء وغير خاضعة للنفوذ الفكري لصندوق النقد الدولي. ويجب أن يكون لدينا برنامج بديل تكون فيه أولويات السياسة الاقتصادية هادفة نحو إعادة تنشيط النموّ الاقتصادي، ودعم المؤسّسات الإنتاجية وتجنّب الإفلاسات في القطاع الخاص ودعمه إذا اقتضى الأمر، ويجب أن يترافق هذا الأمر مع خفض الفوائد على الدين العام وإعادة جدولته، علماً بأنّ هناك تصوّرات عديدة بهذا الشأن. عملياً، نحتاج إلى نوع من حكومة إنقاذ يمكنها أن تتبنّى هذا البرنامج لوقف الكارثة التي نشهدها. ليس هناك دولة تترك اقتصادها في حالة انهيار تام».

ويعتبر قرم «أن لبنان لا يحتاج إلى أيّ دعم مالي من أحد، والاعتياد على التسوّل من الخارج ليس أمراً سليماً، بل يكمن الأمر في المواجهة الصحيحة. فعندما يخرج البلد من حالة حرب، يجب أن تكون معدلات النمو بفعل إعادة الإعمار 10 في المئة و12 في المئة، أما النتائج فكانت عبارة عن لا شيء، الناس كانوا يذهبون إلى التوظيف في سندات الخزينة من خلال لعبة قذرة إنطوت على استدانة الدولارات بفوائد منخفضة وتوظيفها بفوائد خيالية في السندات بالليرة».

ويضيف: «ما يجب أن نقوم به مختلف تماماً، إن إنشاء صندوق لدعم وتسهيل إعادة فتح المؤسسات التي أفلست ومنع المزيد من البطالة الناتجة عن الإغلاق، يجب أن تكون أولويات أيّ برنامج بديل. الاتّجاه العام يكمن في إعادة تنشيط الإنتاج المحلي وإعادة النظر بكل اتفاقات التبادل التجاري التي وُقّعت سابقاً والتي أدّت إلى شلّ القدرات الإنتاجية في لبنان. ويجب إعادة النظر بالنظام النقدي بكامله، وبكل الأمور التي تعدّ من أساسيات النظام الريعي القديم الذي دمّر البلد، إذا لم يكن هناك تغيير في الفئة الحاكمة لا شيء يمكن أن يتغيّر، يجب إحترام المبادئ الأساسية لاقتصاد ليبرالي. اقتصاد لبنان ليس ليبرالياً، بل هو موجه عبر شخصيات سياسية».

غبريل ويشوعي: الطبقة السياسية تهرب من مسؤولياتها

يعتبر كل من غبريل ويشوعي أن محاولات السياسيين اللبنانيين تفسير الأزمة الاقتصادية الحالية التي تعصف بلبنان بأن سببها خارجي هو أمر غير دقيق ومحاولة للهروب من تحمل المسؤولية، إذ يشرح غبريل أن «في لبنان عوامل محلية تؤدي إلى تفاقم الوضع الاقتصادي، والمسؤولون السياسيون يحاولون إلصاق تقصيرهم بالتطورات الخارجية بهدف عدم تحمل المسؤولية وهذا ما يحصل منذ عشر سنوات على الاقل، والاولوية بالنسبة للبنان هي التركيز على الاصلاحات الداخلية حتى يقتنع المجتمع الدولي والدول العربية بمساعدتنا وتطبيق مقررات مؤتمر سيدر».

من جهته يرى يشوعي أنه «لا يمكن تغطية أخطاء الداخل اللبناني بالظروف الإقليمية والعمليات العسكرية التي تحصل في المنطقة لأنه ليس هناك قرار بنشوب حرب فيها، صحيح أن عدم الاستقرار في لبنان وسوريا والعراق له أبعاد إقليمية، لكن السبب الاساسي للأزمة الاقتصادية في لبنان هو داخلي أكثر منه خارجي لأن الحكومات المتعاقبة إنتهجت سياسة التبذير وسوء إدارة القطاع المصرفي وزيادة الضرائب، وبنت نموذجاً إقتصادياً تبين أنه نموذج فاشل لأنه لم يضمن إجتذاب رساميل من الخارج بل إتكل على تحويلات المغتربين، علماً أن الاستثمارات الخارجية تتأثر بعوامل خارجية وتتراجع مع كل أزمة».

ويضيف: «ما حصل في لبنان أننا لم نعمل على بناء إقتصاد حقيقي ولم نحسن إستعمال الودائع في المصارف، بل تم التعامل معها بكثير من الزبائنية بدل من تحويلها إلى قروض مفيدة لبناء إقتصاد حقيقي، كما أن الدولة لم تقم بدورها في إنجاز ملفات مهمة مثل الكهرباء والمياه والنفايات وكل هذه الملفات تستنزف المال العام، دفترياً لبنان يملك 150 مليار دولار في المصارف لكن التعامل مع هذه المبالغ كان في غاية السوء، ولم يتم بناء قطاعات إقتصادية حقيقية من قبل المصارف والمصرف المركزي، لذلك نحن في أزمة سيولة وهي تعم القطاعين العام والخاص».ا

باسمة عطوي