إقفال قناة السويس كبّد الاقتصاد العالمي 9.6 مليارات دولار يومياً

Download

إقفال قناة السويس كبّد الاقتصاد العالمي 9.6 مليارات دولار يومياً

مقابلات
العدد 487 - حزيران/يونيو 2021

إقفال قناة السويس كبّد الاقتصاد العالمي 9.6 مليارات دولار يومياً

وصندوق النقد الدولي يتوقع إرتفاع إيراداتها

لا تقتصر أهمية قناة السويس على أنها ممر مائي يربط شرق الكرة الأرضية بغربها،

بل أيضا بتأثيرها الجيوبوليتيكي على التجارة العالمية والسياسات الإقتصادية التي ترسمها الدول الكبرى،

 ولعل إقفالها القسري لمدة 5 أيام (من 23 آذار /مارس 2021 ولغاية 29 منه) بعد حادث سفينة «إيفر غيفين»،

خلّف أصداءً دولية مدوية، بعدما أدى تزامنه مع جائحة كورونا إلى إرتفاع أسعار المحروقات،

وإضطراب سلسلة التبادل التجاري حول العالم، وتكبيد الإقتصاد العالمي نحو 9.6 مليارات دولار يومياً.

لا شك في أن الحادثة أعادت الكلام عن إيجاد بديل عنها، وهو ليس الطرح الأول من نوعه، بل يتكرر مع كل إقفال للقناة، سواء لأسباب الحرب (الحرب بين مصر وإسرائيل) أو بسبب حوادث السفن. والحق، أنه ما أن شاع خبر الحادثة في آذار/ مارس 2021 حتى توالت الأخبار عن طرح دول تتمتع بإقتصادات عملاقة  لبدائل عن قناة السويس وعلى رأسها الصين وروسيا، ولكن كل هذه البدائل لا تمنع  من ظهور حقيقة  مدعّمة جغرافياً ولوجستياً وهي أن قناة السويس، لا تزال أفضل رابط ملاحي بين الشرق والغرب يعبره نحو 15 % من حركة الشحن العالمية، ويدعمه خط أنابيب «سوميد» بطول 320 كيلومتراً، ليربط خليج السويس بالبحر المتوسط، وينقل 80 % من النفط المتجه من دول الخليج إلى أوروبا، وأنها تمكنت من التأقلم مع التطور المتلاحق فى أحجام سفن الحاويات، وهذا ما دفع  صندوق النقد الدولي إلى توقع  إرتفاع إيراداتها خلال الأعوام المقبلة، كما توقعت مؤسسة «موديز» إستقرار تلك الإيرادات رغم جائحة «كوفيدــ19»، مستبعدة أية تأثيرات سلبية على مستخدمي القناة، ولا سيما مصدّري النفط، مع غياب الإضطرابات الممتدة، مؤكدة ثبات التصنيف الإئتماني لمصر عند B2، مع نظرة مستقبلية مستقرة.

السويس بعيون الخبراء

الدكتور محمود الجباعي

قناة السويس رقم صعب نظراً إلى قدرتها الاستيعابية ومكانتها الجغرافية

كل ما سبق من أرقام يدعو إلى البحث عن أهمية قناة السويس التجارية على لسان خبراء، وعن إمكانية إيجاد بدائل عنها كما طرحت العديد من الدول. وفي هذا السياق، يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور محمود الجباعي لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أن «قناة السويس تُعد من أهم الممرات البحرية في العالم حيث تحتل حوالي 11 % من حجم التجارة العالمية والدولية نظراً إلى موقعها الجغرافي الإستراتيجي في البحر الاحمر وربطها بينه وبين البحر المتوسط».

 يضيف الجباعي: «قناة السويس هي ممر مائي ضخم جداً، حيث تمر فيه السفن التجارية من كل أنحاء العالم لنقل كل المواد التجارية والسلع، وأبرزها النفط الذي ينتقل من منطقة الخليج العربي إلى دول العالم الاخرى»، لافتاً إلى أن «تعطل قناة السويس له تأثيرات خطيرة جداً على الإقتصاد العالمي، كما شهدنا في الفترة الأخيرة، حين حصل حادث إقفال القناة من خلال جنوح إحدى البواخر مما أثر على أسعار النفط العالمية وأدى إلى إرتفاعها».

ويوضح الجباعي أن «قناة السويس هي ممر مائي ضخم يعود بمليارات الدولارات سنوياً على الدولة المصرية كـ «ترانزيت»، كما أنها تختصر الوقت والمسافات، وتخفّض كلفة الإنتاج على الدول العربية والاوروبية والصين، لذلك هي ممر تجاري ضخم جداً وإقتصادي ذات مردود ربحي كبير لمصر، والاكثر وفرة لشركات النقل العالمية».

 لكن، هل من  بديل لقناة السويس؟ يجيب الجباعي: «من الصعب جداً أن نجد بديلاً لقناة السويس من الناحية الجغرافية واللوجستية. علماً أن دولة إسرائيل تحاول الايحاء دائماً بأن هناك بديلاً عن القناة، وأن لها القدرة على حمل عبء معين عنها، ونحن نعرف أن إسرائيل  تسعى دائماً إلى تقديم البديل عندما تحصل أي إنتكاسة تجارية في العالم العربي، وهذا ما حصل مثلاً بعد إنفجار مرفأ بيروت، حيث قدمت مرفأ حيفا كبديل، وهذا ما تحاوله مع قناة السويس لكسب المزيد من الأموال في التجارة العالمية».

ويختم الجباعي: «في الميزان الإقتصادي والإستراتيجي، ونظراً إلى موقع قناة السويس الجغرافي، نجد أنه من الصعب جداً إيجاد بديل عنها، إذ تتمتع  بقدرة إستيعابية ومكانة جغرافية، ما يجعلها رقماً صعباً في الإقتصاد العالمي».

أهمية قناة السويس بالأرقام

العميد إلياس حنا:

طرح قناة بن غوريون بديلاً عن قناة السويس أمر بعيد الأمد وله عواقب كبيرة

يشرح الخبير العسكري العميد إلياس حنا أهمية قناة السويس وإمكانية إيجاد بديل عنها من زاوية أخرى، فيقول لمجلة «إتحاد المصارف العربية»: «نلاحظ أن الرحلة من سنغافورة إلى هولندا عبر قناة السويس، تستغرق مسافة 15 ألف كيلومتر، ويلزمها 34 يوماً، أما عبر ممر رأس الرجاء الصالح، فالمسافة هي 22 ألف كيلومتر، ويلزمها 43 يوماً».

يضيف العميد حنا: «إنطلاقاً من هذه الرقام، يُمكننا تقدير أهمية القناة في التجارة البحرية العالمية، لكن، لا شك في أن هناك خطر المنافسة الذي تواجهه القناة من إتجاهات عدة، ويُمكن أن يُشكل تهديداً على الأمن القومي المصري، حيث تسعى العديد من الدول أن تكون محطة نقل بحرية أساسية بديلاً عنها، الأولى من البحر المتوسط أي تركيا، ومن الغرب أي ليبيا، ومن الشرق البحر الأحمر، والاكثر خطورة هو خطر الأمن المائي الإثيوبي، بسبب سد النهضة»، لافتاً إلى أنه بعد «حادثة السفينة «إيفر غيفين» عاد الحديث عن بدائل عنها،  منها قناة بن غوريون في صحراء النقب، لكن هذا الأمر بعيد الأمد، وله عواقب كبيرة، وبديل آخر هو نفق يمر بالأراضي الروسية، ويرتبط بذوبان ثلوج القطب الشمالي، من دون المرور بقناة السويس، فضلاً عن طريق الحرير الصينية التي تصل الصين بأوروبا».

ويشدِّد حنا على «أهمية البحار في التجارة العالمية. ففي منطقة الشرق الاوسط يحتل بحر قزوين،  وبحر عُمان والخليج، والبحر الأحمر والمتوسط، أهمية كبرى، حيث يكفي أن ندرك أن 99 % من حجم التجارة الإسرائيلية هي عبر البحر المتوسط والبحر الاحمر، ما يعني أهمية النقاط، خنق الملاحة البحرية في المنطقة، أي هرمز، والمندب، وقناة السويس، وقد شكل إغلاقها حدثاً جللاً لمدة 6 أيام، وهذا ما كلَّف مليارات الدولارات لكل سفينة ومالكها، ومستوردي البضائع، وشركات التأمين، والصراع القضائي مع الدولة المصرية، لكن الأهم أن الإغلاق كان سلمياً وليس من خلال حرب».l

باسمة عطوي

 

بعد حادثة إغلاق قناة السويس الأخيرة، عمد العديد من الدول إلى طرح بديل عنها، فجاءت الإقتراحات كالآتي:

  • أعادت الصين تسويق مبادرة «الحزام والطريق» من مسارات بحرية وقطارات فائقة السرعة.
  • إقترحت روسيا (التي تُعد أكبر مورد لمنتجات النفط الخام عبر قناة السويس، بواقع 546 ألف برميل يومياً) طريقين: أحدهما، بري يقطع أراضيها إلى فلاديفوستوك، ليرسل الشحنات إلى أوروبا عبر 35 قطار حاويات فائق السرعة أسبوعياً، والآخر بحري يُسمّى «طريق البحر الشمالي NSR»، ويمخر القطب الشمالي، مستغلاً تنامي الإحترار الكوني، وإنخفاض كثافة الجليد القطبي، وإنكماش تكاليف الشحن مع تعاظم أحجام السفن، وتراجع أسعار النفط، وإنخفاض أسعار الوقود.
  • جدّدت إيران مطالبتها لموسكو بإستكمال البُنى التحتية لممر شمال ــ جنوب، ليربط المحيط الهندي بالخليج العربي، مع بحر قزوين، مروراً بإيران، قبل التوجه إلى سان بطرسبرغ الروسية، ليختصر الزمن حتى 20 يوماً والتكاليف بنسبة 30 %.
  • أقر الرئيس التركي رجا الطيب أردوغان مشروع قناة إسطنبول، لربط البحر الأسود ببحر مرمرة، بطول 45 كيلومتراً، وتكلفة 9.2 مليارات دولار، معتبراً أنها «ستحمي مضيق البوسفور من الحوادث، عبر تخفيف أعباء الملاحة عنه كأحد أكثر الممرات الملاحية البحرية إزدحاماً».
  • أعادت إسرائيل الترويج لقناة «بن غوريون» أو «البحر الميت» بغية الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط.