الأزمة المالية الإقتصادية تشتد «فوبيا» لبنانية تسبق «نصائح» صندوق النقد الدولي – العدد 475

Download

الأزمة المالية الإقتصادية تشتد «فوبيا» لبنانية تسبق «نصائح» صندوق النقد الدولي – العدد 475

مقابلات
العدد 475 - حزيران/يونيو 2020

الأزمة المالية الاقتصادية تشتد

«فوبيا»لبنانية تسبق «نصائح» صندوق النقد

  • قزي: أزمة لبنان أظهرت حاجتنا الدائمة لرعاية خارجية لتسيير أمورنا السياسية والاقتصادية

  • غبريل: الاتفاق مع صندوق النقد الدولييشجع الأطراف الدولية على الاستثمارفي لبنان

 باسمة عطوي

بالرغم من كل الضغوط التي يعيشها الشعب اللبناني نتيجة الأزمة المالية- المصرفية- الاقتصادية التيإنفجرت في تشرين الأول/أكتوبر 2019، إلا أن التفكير بعقل الخبراء الاقتصاديين والماليين “البارد” يظهر أنه بإمكان لبنان من خلال تعاونه مع صندوق النقد الدولي، الخروج منالأزمة القائمة عبر البرامج الاقتصادية والمالية التي توازن بين ضرورات ثلاث هيالانضباط المالي، تحفيز النموّ الاقتصادي، وتحقيق العدالة الاجتماعية -الاقتصادية، بمعنى آخر تقديم المصلحة الوطنية خلال مقاربة الدور المفترض لصندوق النقد،خصوصاً أنهقد أصبح الواسطة للبلدان التي تواجه أزمات مالية ونقدية كي يُتاح لها فرصة الحصول على معونات ماليّة ميسّرة، والمعلوم أنالصندوق ينصح الدول المأزومة بالإنضباط المالي بمعنى تقليص عجز الموازنة أو توازنها، كإحدى الوسائل الرئيسية لإنشاء مناخات تشجّع على الإستقرارالإقتصادي، والمعلوم أيضاً أنه في حالات كثيرة تسبّبت شروطهبإنعكاسات إجتماعية صعبة في البلدان المعنية لم تنجح معالجتها.

 يُستشف مما سبق حقيقتان قاطعتان، الأولى هي أنهلا مفر من لجوء لبنان إلى صندوق النقد إذا أراد الإبقاء على صلات الوصل بينه وبين المؤسسات المالية الدولية، والثانية أنه لا بد من التيقظ خلال المفاوضات الجارية حالياً بين المسؤولين اللبنانيين وممثلي الصندوق،كي لا ندفع جميعاً أثماناً باهظة نتيجة نصائح خاطئة سبق لصندوق النقد أن أسداها لدول طلبت مساعدته، وليس مبالغاً فيه القول إن اللبنانيين يعيشون “فوبيا” مما قد تحمله لنا نصائحوقرارات تفرض عليهم من الصندوق مقابل تلقي المساعدة، وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أن القيمين على صندوق النقد إعترفوا في عام 2018 بأخطاء حصلت بحق بعض الدول وأجروا عملية تقييم شاملة لأدائهم (تم عرض التقييم ومناقشته خلال ندوة في الجامعة الأميركية في بيروت)، لذلك من المفيد البحث عن الآليات التي تحكم عمل صندوق النقد والتغييرات التي طرأت عليها،لأن الهدف منالتفاوض بين لبنان والصندوق هوالوصول إلى أرضية مشتركة توافق بين المصلحة الاقتصادية الوطنية ومتطلبات المجتمع الدولي للدعم المالي.

الأزمات متشابهة

تعود علاقة لبنان مع صندوق النقد الدولي إلى العام 1947تاريخ إنضمام لبنان إليه، ويبدو أن لبنان الرسمي يتوجه إلى المفاوضاتمعصندوقالنقدبخطةموحدةتلقىإجماعالمكوناتالاقتصاديةالرئيسية (بعد الخلاف في التقديرات حول الخسائرالاقتصادية والمالية بين الحكومة ومصرف لبنان)، علماً أن الخطة الإنقاذيةاللبنانية جاهزة منذ سنوات ولا يلزمها إلا قرارسلسلةالقوانينالإصلاحيةالأساسيةالموجودةفيالأدراجوالجاهزةللتنفيذ،مثلقانونالجماركومكافحةالتهريبوقانونمكافحةالتهربالضريبيوقانونالحمايةالاجتماعيةوقانونالشراءالعام، وهذه كلها وضعت عقب المؤتمرات الدولية التي عقدت منذ 2001 لمساعدة لبنان (باريس 1 و2 و3 وسيدر)، وكذلك الآلية المعتمدة من قبل صندوق النقد فإنها أيضاً موجودة، إذ يوضح الخبير الاقتصادي دان قزي أن «الأزمات المالية العالمية تتشابه، وكلها لها علاقة بأن الدين العام بلغ مستويات أعلى من اللازم وبأن البلدالمأزوم يتداول بعملة غير عملته، بمعنى آخر المرض موحد ولذلك من الطبيعي أن يوحد خبراء الصندوق الحلول التي يتم طرحها”.

ويضيف: «في لبنان المشكلة معقدة أكثر فهي أزمة مصرفية وجيوسياسية وإقتصادية، وأولى نصائح صندوق النقد هو أن يتم تحرير سعر صرف الليرة وتخفيض حجم القطاع العام وزيادة نسبة الضرائب على عدد من المواد والخدمات، ولا شك أن شروط صندوق النقد هي شروط قاسية ولكن لا خيار للبنان غيرها لأن السعر الحقيقي للدولار اليوم يفوق 4000ليرة لبنانية، وصندوق النقد لن يعطينا الدعم المالي من دون تنفيذ شروطه التي قد تجعلنا نتخلى عن جزء من السيادة الوطنية، وللأسف فإن عدم استقلالية القرار اللبناني أوصلتنا إلى هذه الحال، وتبين لنا أن بلدنا لا يستطيع أن يستمر من دون رعاية خارجية على أمورنا السيادية والاقتصادية».

ثلاثة شروط

من جهته يشرح الخبير الاقتصادي نسيب غبريل آلية عمل صندوق النقد المعتمدة بالقول: «”النمط المعتمد من صندوق النقد غير جديد وهو معتمد في السابق ويتضمن 3 شروط لكل إتفاق تمويلي بينه وبين الدول وهي رفع الدعم عن المواد الأساسية،وزيادة الضرائب وتحرير سعر صرف العملة».

 يضيف: «ما تغير هو أن مسؤولي الصندوق إكتشفوا أن هذه الوصفة لا تصح على كل البلدان المأزومة، وبأن هناك خصوصية إجتماعية وبيئية لكل بلد على حدة وقد أدت هذه المقاربة في بعض الأحيان إلى ضرر في عدة بلدان، ولذلك تم تعديل خطة عمل الصندوق بعد تقييم جرى في العام 2018 وتم نشره وتضمن تحديد نقاط الضعف في عمل الصندوق وخططه وتمت دراسة مكونات الوفود التي تزور البلدان المأزومة وأين نجحتوكيفية دراستهاالأوضاع،وخلصوا إلى ضرورة بذل جهود أكثر تجاه الدول الفقيرة التي تطلب المساعدةلأن هذا هو صلب مهمتهم،بعدما تبين لهم أن خبراء الصندوق يفضلون التعاون مع دول كبرى مثل روسيا والصين، مع العلم أن الصندوق يعمل بناء على طلب الدول التي تضع خططها الإنقاذية والإصلاحية بنفسها وتقوم فرقه المختصة بتعديلها بعد نقاش مع مسؤولي البلد الطالب للمساعدة، وبالتالي الصندوق لا يهبط بخططه على أي بلد بل يقدم المقترحات للحكومات وتتم المفاوضات على أساسها، وبالتالي كل الدول تملك هامشاً للتفاوض ويمكن للدولة اللبنانية أن تظهر أثناء التفاوض أنها لا يمكن أن تزيد الضريبة على القيمة المضافة في الوقت الحالي، وأن تؤجل زيادة الضريبة على الأرباح في الشركات لأنها تضر بالقطاع الخاص الذي يحتاجه لبنان لكي يتمكن من الوقوف على قدميه مجدداً، والصحيح أيضاً أن الصندوق يحتاج من الدول الضمانات الكافية بأنه سيستعيد أمواله، خصوصاً أنه لا يعطي هذه الأموال دفعة واحدة بل على مراحل وبعد التأكد من تنفيذ الإصلاحاتوالاطلاع على نسب النمو التي تم تحقيقها وهذا ما تم مع مصر مثلاً».

 هامش لبنان

والسؤال الذي يطرح هنا هل يملك لبنان هامشاً واسعاً لإدخال تعديلات على نصائح وخطط صندوق النقد، خصوصاً أن أزمته معقدة وثلاثية الأبعاد أي مصرفية ومالية وإقتصادية، يجيب قزي بالقول: «إستفاد صندوق النقد من تجاربه بعد أنفرض شروطاً غير ملائمة لبعض الدول، أعتقد أن مسؤولي الصندوق باتوا أكثر حساسية تجاه الطبقات الشعبية التي تتأثر سريعاً بالتغييرات الاقتصادية، علماً أن صندوق النقد لن يمنح لبنان أكثر من 3 أو 4 مليارات دولار، لكنه سيفتح الباب أمام إستثمارات سيدر وسيعيد الثقة إلى هيكلية اليوروبوند وحاملي سنداتها، علماً أن شروط صندوق النقد ستحمل للبنان الكثير من البطالة لأن الاقتصاد اللبناني هو إقتصاد ريعي قائم على الاستهلاك، لكن أكثر ما يفيدنا من التعاون مع صندوق النقد هو برامج المساعدة للطبقات المتضررة وهذا يساعد على عدم حصول مجاعة وكسب الوقت لإعادة بناء الاقتصاد».

ويضيف: «الاختلاف بالأرقام بين الحكومة ومصرف لبنان أمر خطير، وما يحاول مصرف لبنان القيام به هو تأجيل الخسارة لكن الخسارة وقعت والبيان الصادر عن صندوق النقد الدولي هو أقرب إلى أرقام الحكومةوفي كلا الحالتين لا نملك هامشاًللإختيار، وأهمية التعاون مع صندوق النقدتكمن بأنه يقول للمجتمع الدولي «لبنان تحت رعايتي ساعدوه لعدم وقوع الانهيار»، أما على المدى الطويل فعلينا نحن كلبنانيين عدم الإتكال على المغترب اللبنانيليضع ودائعه في المصارف اللبنانية، بل الإتكال على دماغه وإبداعاته لتأسيس أعمال في لبنان تساهم في تأسيس إقتصاد منتج وتشغل اليد العاملة اللبنانية في قطاعات جديدة مثل إقتصاد المعرفة».

حضور لبنانيين في مؤسسات مالية دولية

من المعروف أيضاً أن هناك العديد من الأسماء اللبنانية اللامعةالتي تعمل في مؤسسات مالية عالمية فهل يمكن أن يشكل ذلك نقطة إيجابية أثناء التفاوض، يجيب غبريل: «لا يجب أن يستند لبنان على اللبنانيين الموجودين في المؤسسات الدولية ويشغلون مناصب هامة، لأن الهدف ليس فقط ضخ سيولة في المصارف اللبنانية بل البرهان على مصداقيتناكدولة لبنانية في تطبيق البرامج الإصلاحية والتي لم تنفذ منذ العام 2001 وحتى الآن، إذ دأبت الحكومات اللبنانية المتعاقبة على التعهد بالإصلاحات من دون تطبيقها إلا من خلال زيادة الضرائب، وبالتالي الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يعطي صورة عن الإنضباط في تطبيق الإصلاحات، وأن الحكومة اللبنانية مصرّة هذه المرة على الالتزام بالمهل وتحقيق الأهداف المرسومةوالتسلسل الزمني للتنفيذ، مما يشجع الأطراف الدولية الأخرى على وضع سيولة في لبنان وصناديق الاستثمار العالمية على المجيء إلى لبنان وهذا ما حصل في مصر مثلاً، وبالتالي دور اللبنانيين في المؤسسات المالية العالمية يأتي بعد أن نعيد النظر بالاقتصاداللبناني وزيادة العوامل التي تجذب الاستثمارات، لكن للأسف هناك بعض الشخصياتتحاول تسويق نفسها حالياً في المؤسسات الدولية للحلول في أماكن قد تصبحشاغرة في الدولةاللبنانية».

من جهته يلفت قزي إلى أن «الشخصيات اللبنانية التي تعمل في المؤسسات المالية الدولية، مجبرة على النأي بنفسها عن المفاوضات الجارية حالياً بين لبنان وصندوق النقد، لكن شطارتنا كلبنانيين لاحقاً أن نبرهن للصندوق أننا نستحق المساعدة التي ستعطى لنا كدين وبأنه بإمكاننا سدادها».

أسباب الأزمة المالية اللبنانية

يُرجع الخبراء أسباب الأزمة المالية – النقدية الحالية إلى ثلاثةأسباب:

  • عدم الانضباط المالي في ما يتعلق بموازنات الدولة السنوية وتحديداً في الأعوام التي تلت الانتخابات النيابية في أواخر عام 1992،وقد بدأ ينمو عجز الموازنة منذ ذلك الحين إلى أن بلغ ما يفوق 11.6 بالمئةمن الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018 رغم محاولات بين الحين والآخر لضبطه من دون نجاح يذكر. ولذا، كان هناك ارتفاع متواصل في الدين العام وصل إلى مستويات عالية جداً ألقت بثقلها على ديناميكية الاقتصاد الوطني وكبّلت خيارات السياسات المالية.
  • عدم التقيّد، أو بالأحرى، عدم الاهتمام الجدّي بأي تصوّر اقتصادي – اجتماعي، لإعمار لبنان ونموّه والموازنة بالطبع هي أحد مكوّنات هذا التصوّر، علماً بأن أفكاراً كثيرة قد طُرحت في هذا المجال، إلا أنها لم تلقَ الاهتمام الجديمن قبل السلطة. فكانت خطوات سياسات إعادة الإعمار غير مرتبطة عضوياً بسياسات نقدية ومالية واضحة المعالم ومدروسة بدقّة ومسؤولية.
  • نشوء سلطة سياسية لم تكن في تكوينها قادرة عموماً على الارتقاء إلى المستويات المطلوبة في أدائها حتى بشهادة أهل الحكم،فكان الإعوجاج في الحكم وإنتشار الفساد والطعن في المصلحة العامة مراراً وتكراراً خدمة لمصالح خاصة.

صندوق النقد الدولي

صندوق النقد الدولي هو وكالة متخصصة من وكالات منظومة الأمم المتحدة، أنشئ بموجب معاهدة دولية في عام 1945 للعمل على تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي. ويقع مقر الصندوق في واشنطن العاصمة، ويديره أعضاؤه الذين يشملون جميع بلدان العالم تقريباً بعددهم البالغ 184 بلداً.

وصندوق النقد الدولي هو المؤسسة المركزية في النظام النقدي الدولي – أي نظام المدفوعات الدولية وأسعار صرف العملات الذي يسمح بإجراء المعاملات التجارية بين البلدان المختلفة.

ويستهدف الصندوق منع وقوع الأزمات في النظام عن طريق تشجيع البلدان المختلفة على اعتماد سياسات اقتصادية سليمة، كما أنه – كما يتضح من اسمه – صندوق يمكن أن يستفيد من موارده الأعضاء الذين يحتاجون إلى التمويل المؤقت لمعالجة ما يتعرضون له من مشكلات في ميزان المدفوعات.

ويعمل صندوق النقد الدولي على تحسين الأحوال السائدة عالمياً من خلال التوسع المتوازن في التجارة العالمية، تحقيق استقرار أسعار الصرف،تجنب التخفيض التنافسي لقيم العملات،إجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات.

تتضمن الأهداف القانونية لصندوق النقد الدولي تيسير التوسع والنمو المتوازن في التجارة الدولية، وتحقيق استقرار أسعار الصرف، وتجنب التخفيض التنافسي لقيمة العملات، وإجراء تصحيح منظم لاختلالات موازين المدفوعات التي تتعرض لها البلدان.

ولتحقيق هذه الأهداف، يقوم الصندوق بمراقبة التطورات والسياسات الاقتصادية والمالية في البلدان الأعضاء وعلى المستوى العالمي، وتقديم المشورة بشأن السياسات لأعضائه استناداً إلى الخبرة التي اكتسبها طوال أكثر من خمسين عاماً. وإقراض البلدان الأعضاء التي تمر بمشكلات في موازين مدفوعاتها، ليس فقط لإمدادها بالتمويل المؤقت وإنما أيضاً لدعم سياسات التصحيح والإصلاح الرامية إلى حل مشكلاتها الأساسية.

صندوق النقد الدولي والبنك الدولي

يتكامل عمل صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي – التي تضم المؤسسة الدولية للتمويل (IFC) والمؤسسة الدولية للتنمية (IDA) . فبينما يركز صندوق النقد الدولي في المقام الأول على أداء الاقتصاد الكلي وسياسات الاقتصاد الكلي والقطاع المالي، ينصب اهتمام البنك الدولي على القضايا الأطول أجلاً المتعلقة بالتنمية وتخفيف حدة الفقر. وتضم أنشطة البنك الدولي تقديم القروض إلى البلدان النامية وبلدان التحول الاقتصادي لتمويل مشاريع البنية التحتية وإصلاح قطاعات بعينها في الاقتصاد والإصلاحات الهيكلية الأوسع نطاقاً. أما صندوق النقد الدولي فلا يقدم التمويل لقطاعات أو مشاريع بعينها، وإنما لغرض تقديم دعم عام لميزان المدفوعات والاحتياطيات الدولية في البلد المعني، في الوقت الذي يقوم فيه ذلك البلد باتخاذ إجراءات على صعيد السياسات لمواجهة ما يمر به من مصاعب.

.