الأوقات صعبة وخطيرة.. العولمة الثانية على طريق العولمة الأولى- العدد 474

Download

الأوقات صعبة وخطيرة.. العولمة الثانية على طريق العولمة الأولى- العدد 474

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 474 - أيار/مايو 2020

الأوقات صعبة.. وخطيرة

التاريخ يعيد نفسه .. العولمة الثانية على طريق العولمة الأولى

كيف سيغير كوفيد – 19 العالم؟ نحن لا نعلم. لكن هناك نتيجة واحدة واضحة: زيادة التدهور الملحوظ في العلاقات بين القوتين العظميين. من المؤكد أن هذا ستكون له عواقب على المدى الطويل.

يعكس عالم اليوم أصداء قوية من أوائل القرن الـ 20 عندما أدت المنافسة بين قوة راسخة وأخرى صاعدة إلى حرب. أدى ذلك بدوره إلى انهيار حقبة العولمة الأولى اليوم، أصبحت عولمتنا الثانية معرضة للخطر.

لكن هذا ليس سوى جزء مما هو معرض للخطر في ظل تبني القوتين العظميين منافسة شديدة.

أنظر في الأحداث الأخيرة، دونالد ترامب يلوم فيروس ووهان الصيني على الأثر المدمر لكوفيد – 19 في بلاده، من أجل صرف الانتباه عن إخفاقاته. من جانبها، تفرض الصين التي تخضع للحكم الشمولي لشي جينبينغ تشريعات أمنية صارمة على هونج كونج، في انتهاك لالتزامات وردت في معاهدة خاصة بهذه المقاطعة. وما لا يقل أهمية عن ذلك، أن الإدارة الأمريكية أصدرت نهجاً استراتيجياً جديداً لجمهورية الصين الشعبية، مسترشدة بما تسميه الواقعية المبدئية. هذا يضع خطاً تحت التهديد الذي تشكله الصين على الأمن القومي للولايات المتحدة ومصالحها الاقتصادية.

مطلع القرن الـ 20 أيضاً كان عصراً للعولمة والتنافس الجامح بين القوى العظمى، حينما تراجعت قوة الاقتصاد النسبي للمملكة المتحدة وارتفعت قوة الاقتصاد النسبي لألمانيا وروسيا والولايات المتحدة. على الرغم من أن صعود الولايات المتحدة كان أكثر أهمية، إلا أن القرب جعل المنافسة مصيرية بين ألمانيا التي كانت مصممة على الاستمتاع بمكانتها تحت الشمس، والمملكة المتحدة التي عدت ألمانيا تهديداً قاتلاً لاستقلالها.

دراسة رائعة أجراها ماركوس برونرماير وهارولد جيمس من جامعة برينستون وراش دوشي من معهد بروكينجز، تجادل بأن «المنافسة بين الصين والولايات المتحدة في القرن الـ 21 تشبه بشكل غريب المنافسة بين ألمانيا وبريطانيا العظمى في القرن الـ 19». حدثت المنافستان في عصر العولمة الاقتصادية والابتكار التكنولوجي السريع. أظهرت كلتاهما حكماً شمولياً صاعداً مع اقتصاد محمي من الدولة يتحدى ديمقراطية راسخة تتبع نظام السوق الحرة. علاوة على ذلك، أظهرت كلتا المنافستين «بلدين وقعا في شرك الترابط العميق يستخدمان ببراعة تهديدات التعرفة الجمركية، ووضع المعايير، وسرقة التكنولوجيا، والقوة المالية، والاستثمار في البنية التحتية».

لن يقبل المتأخرون، مثل ألمانيا آنذاك أو الصين الآن، ببساطة الحرمان الدائم. ينطبق الأمر نفسه على الولايات المتحدة في القرن الـ 19. طور ألكسندر هاميلتون (أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة) حجة الصناعات الوليدة من أجل الحماية. انتقلت المملكة المتحدة إلى التجارة الحرة، في حين ظلت الولايات المتحدة شديدة الحمائية. سعت المملكة المتحدة إلى حماية ملكيتها الفكرية، بينما حاولت الولايات المتحدة سرقتها. التنافس من هذا النوع أمر لا مفر منه دائماً.

النزاع الذي بدأ عام 1914 انتهى أخيراً عام 1945، تاركاً أوروبا وشرق آسيا والاقتصاد العالمي في حالة دمار. تطلَّب الأمر دخول قوى عظمى جديدة إلى الساحة العالمية، في المقام الأول، الولايات المتحدة، لاستعادة الاستقرار والسلام العالمي، وإن لم يصل ذلك إلى حد الكمال.

في دراسة أخرى ممتازة يظهر موريس أوبستفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، أن الأمر استغرق 60 عاماً قبل عودة التكامل الاقتصادي إلى مستوياته عام 1913 مقارنة بالناتج العالمي. ثم ذهبت العولمة إلى أبعد من ذلك بكثير، قبل الأزمة المالية العالمية عام 2008. في تلك الأثناء، أدت أيضاً إلى انخفاض كبير في التفاوت العالمي والفقر الجماعي.

تزايد حدة الخلافات بين الصين والولايات المتحدة، وإضعاف العولمة، كانا واضحين منذ الأزمة المالية العالمية. لكن كوفيد – 19 عجَّل بهذه الاتجاهات. هذه الجائحة تدفع الدول إلى الإنغلاق على نفسها. يزداد الطلب على الاكتفاء الذاتي. هذا صحيح، خاصة في المنتجات المتعلقة بالصحة. لكن سلاسل التوريد الأخرى يجري كسرها أيضاً. الانهيارات الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، والانتعاش المقيد بالجائحة تجعل بعض القادة، خاصة الشعبويين والقوميين، سعداء بإلقاء اللوم على الأجانب. العجز الأمريكي المتصور يضعف صدقية الولايات المتحدة ويشجع الصين الشمولية. في الوقت الذي تنسحب فيه الولايات المتحدة من المنظمات والمعاهدات الدولية، وتسلك فيه الصين مسارها الخاص، فإن نسيج التعاون يتمزق. حتى إن النزاع المسلح يصبح أمراً ممكن الحدوث.

بحسب ما جادل لاري سمرز، فإن كوفيد – 19 يبدو كأنه لحظة مفصلية في التاريخ. هذا ليس لأنه يغير الاتجاهات، بل لأنه يجعلها أسرع. من المنطقي أن نراهن على أن العالم الذي يظهر على الجانب الآخر من الجائحة سيكون أقل تعاوناً وانفتاحاً من العالم الذي دخل فيها. هذا هو ما ستأخذنا إليه الاتجاهات الحالية.

لكن ذلك لا يجعل هذا أمراً مرغوباً فيه. عندما ننظر إلى أخطاء الماضي المروعة، لا بد أن نتفاجأ كيف بدا للمسؤولين آنئذ أن الانجراف نحو الصراع والانهيار الاقتصادي لا مفر منه؟ لا بد أيضاً أن نرى أن النزعة القومية العمياء وتخيل العظمة لم تنتجا توازناً أنيقاً للقوة، بل كارثة بدلاً من ذلك. ومن تلك الكارثة ظهر عالم التعاون المؤسسي. لم يفقد هذا النوع من العالم شيئاً من أهميته. فقط أصبح أكثر هشاشة بكثير.

قبل كل شيء، يجب ألا ننسى كيف انتهت منافسة القوى العظمى الجامحة بشكل طبيعي (وإن لم تكن دائماً كذلك). مع ذلك، أصبح الاقتصاد العالمي اليوم أكثر تكاملاً من أي وقت مضى، وبالتالي يجب أن تكون تكاليف تفكيك العولمة أكبر تبعاً لذلك. علينا أن نتذكر أيضاً أن الأسلحة المتاحة الآن أكثر تدميراً بكثير مما كانت عليه قبل قرن. هذه المرة أيضاً، لا توجد قوى خارجية قادرة على إنقاذ الصين والولايات المتحدة من أنفسهما. ولعل الأهم من ذلك أننا نحتاج إلى مستوى أعلى بكثير من التعاون العالمي أكثر من أي وقت مضى، إذا أردنا إدارة المشاعات العالمية لدينا.

هذه أوقات صعبة وخطيرة. نحن بحاجة إلى الارتقاء إلى مستوى الحدث، لكننا لا نفعل ذلك. هذه حقيقة ينبغي أن ندركها.

 مارتن وولف من لندن