الإقتصاد الأخضر نموذج التنمية الإقتصادية المستدامة لإنشاء بيئة نظيفة

Download

الإقتصاد الأخضر نموذج التنمية الإقتصادية المستدامة لإنشاء بيئة نظيفة

الندوات والمؤتمرات
العدد 426

– تراجع في الظروف البيئية والسكانية في البلدان النامية نتيجة الحروب
– البلدان العربية أكثر حاجة إلى «البنوك الخضراء»

ينبثق الإقتصاد الأخضر عن تحسّن الوضع الإقتصادي، والحد من المخاطر ونُدرة الحياة البيئية، والذي يؤدي إلى تحسين المساواة بين البشر وتحقيق الرفاه الاجتماعي. فالإقتصاد الأخضر هو نموذج للتنمية الاقتصادية على أساس التنمية المستدامة والمعرفة، وهو نوع من الوسائل المنظمة لإنشاء مجتمع وبيئة نظيفة ترفع من المستوى الاقتصادي وتدفع المجتمع نحو حياة أفضل، وتحافظ على موازنة البيئة من جميع أشكال التنوع البيئي. في المقابل، يتجه مستثمرون في البنوك الخضراء والداعمة للبيئة والطاقة المتجددة نحو الأسواق الناشئة، بهدف تأسيس بنك أخضر في بلد صناعي ناشئ خلال عام 2016. علماً أن البنوك الخضراء هي هيئات عامة أُنشئت بالشراكة مع القطاع الخاص لزيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة، وهي ظاهرة جديدة نسبياً، حققت نجاحات في المملكة المتحدة وأُستراليا واليابان وماليزيا وولايات أميركية عدة. يُذكر أن مؤشرات التنمية العربية لا تزال ترصد نماذج متدنية حيال التنمية المستدامة أو الإقتصاد الأخضر، فالفقر لا يزال يهيمن على 65 مليون شخص في البلدان العربية، في ظل إنعدام الأمن الاقتصادي والإرتفاع المقلق لمعدلات البطالة التي بلغت 14,8% من السكان، وهي تصل إلى 27,3% في صفوف الشباب.
رغم مزج مفهوم الإقتصاد الأخضر مع مفهوم الاقتصاد البيئي واحتكار كلمة «الأخضر» من الأحزاب التي تُدافع عن البيئة، إلا أنّ الاقتصاد الأخضر في مفهومه الدولي قد يُشكل خطة خلاص للإقتصادات العالمية، بينها القوانين العربية، إذا ما تمّ سنّ القوانين اللازمة. فمفهوم الإقتصاد الأخضر هو حديث نسبياً لكنه طرح نفسه بقوة في سياق سياسات التنمية للبلدان المُتطورة إقتصادياً كما والبلدان الناشئة. وقامت دول أجنبية بإدخال الإقتصاد الأخضر ضمن استراتيجياتها الاقتصادية، كما أنّ بعض الدول العربية أخذت هذا المفهوم على محمل الجد وبدأت العمل على إدخاله في سياساتها عبر إيجاد هامش مُشترك بينه وبين التنمية المستدامة، والحدّ من الفقر وتخفيض المخاطر البيئية.

مُقومات الإقتصاد الأخضر

يُعرّف الإقتصاد الأخضر على أنه النشاط الإقتصادي الذي يهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة مع مراعاة الحدّ من المخاطر البيئية وندرة الموارد البيئية. ونظراً إلى طبيعة تعريفه يرتبط الإقتصاد الأخضر على نحو وثيق بالاقتصاد البيئي، لكنه يتميز بتركيزه على التطبيق السياسي أكثر من الاقتصاد البيئي.
في هذا السياق، إنّ ما يشهده العالم العربي في الوقت الراهن من تراجع في الظروف البيئية والسكانية نتيجة الحروب ونمط المعيشة اللذين يقضيان على مقومات الإقتصاد ويؤديان إلى تراجع في الإنماء البشري والإجتماعي، يفرض على المجتمعات إعتماد ثقافة الإقتصاد الأخضر. علماً أن هذه الإلزامية تأتي من مبدأ أن الإقتصاد الأخضر يتميز بالتقييم المباشر لرأس المال الطبيعي والخدمات البيئية واللذين يتآكلان نتيجة الحروب ونمط المعيشة في العالم العربي.
في نظرة إلى البيانات التاريخية، يُلاحظ أن المناطق العربية جميعها تتصحّر مع مرور الوقت. وقد أثبتت الدراسات أنه في خلال الـ50 عاماً الماضية، زادت نسبة التصحر 3 أضعاف مما كانت عليه قبل 50 عاماً. وهذا يعني أنّ نمط المعيشة الذي يعتمده سكان العالم العربي وسكان العالم على نحو أوسع يتضارب مع ما تستطيع أن تُقدمه الطبيعة من موارد أولية وإستيعاب مخلّفات الاستهلاك المُفرط في كل شيء تقريباً.

التوعية أساس

إنّ الوصول إلى اقتصاد أخضر يتطلب تعاوناً بين القطاعين العام والخاص. وهذا التعاون يشمل على سبيل الذكر لا الحصر التشريعات، وتوجيه الاستثمار نحو الصناعات والتكنولوجيا الخضراء، والعمل على تعزيز الوعي حول أهمية البيئة المستدامة في تعزيز سمعة الشركات ورفع إنتاجيتها وتشجيعها على التزام مسؤوليتها الاجتماعية.


فعلى سبيل المثال، إنّ التدوير في النفايات يسدّ 3 حاجات أساسية في المجتمعات الإنسانية: أولاً يُقلل من نسبة الفقر المعروف بآفة المجتمعات وذلك بحكم أنّ من يعمل في هذا القطاع هم من الأشخاص الذين لا يمتلكون قدرات علمية عالية، أي الطبقة الفقيرة في الإجمال. ثانياً إنّ عملية التدوير تُقلل الكلفة على الصناعات وخصوصاً أنّ المواد المُدوّرة تُباع بسعر أقل من سعر المواد الأولية وتالياً فإنها تؤمن ربحاً إضافياً للشركات. ثالثاً إنّ التدوير يُخفف من الضرر على البيئة ويسمح بتفادي خسارة الثروة الشجرية التي هي أساسية للإنسان. فتدوير الأوراق مثلاً يسمح بتوفير عشرات الأطنان من الخشب الآتي من الأشجار وتالياً يسمح بالحفاظ على بيئة خضراء.

السنوات الخمس المقبلة

يتجه مستثمرون في البنوك الخضراء والداعمة للبيئة والطاقة المتجددة نحو الأسواق الناشئة، بهدف تأسيس بنك أخضر في بلد صناعي ناشئ خلال هذا العام.
في هذا السياق، يوضح المدير التنفيذي في التحالف من أجل الرأسمال الأخضر the Coalition for Green Capital جيفري تشوب Jeffrey Schub وهي مؤسسة غير ربحية مقرها واشنطن، تهدف إلى إنشاء بنوك خضراء على مستوى الولايات المتحدة، فضلاً عن المستوى الفيدرالي أو العالمي: «أن تركيزنا يتجه بنسبة 100% على الإقتصادات والأسواق الناشئة».
يضيف: «إن الهدف من هذه الشبكة هو الحصول على المزيد من رؤوس الأموال والاستثمارات في الطاقة النظيفة، ونأمل مستقبلاً في أننا سنتمكن من التعرف والعمل مع البلدان المستهدفة لتطوير مثل هذه البنوك».

استهداف الأسواق الناشئة

أشار تشوب إلى «أن تشيلي، الهند، أو المكسيك من الدول المحتملة لتعميم هذه التجربة، وحتى الآن، فإن معظم البنوك الخضراء موجودة في البلدان المتقدمة مثل أستراليا واليابان والولايات المتحدة، واختصاصها الإستثمار على المستوى الإقليمي أو الوطني فقط».
وتابع: «إنما هناك استثناءان في مجالات الإستثمار هذه، هما بنك التقنية الخضراء في ماليزيا Green Tech Malaysia وبنك الاستثمار الأخضر في المملكة المتحدة UK’s Green Investment Bank، وهذا الأخير يمتلك صندوقاً خاصاً لتمويل استثمارات مختصة بالمناخ في المملكة المتحدة UK Climate Investments، ويتجه المصرفان للإستثمار في محطات الطاقة المتجددة ومشاريع كفاءة الطاقة في البلدان النامية، وهذا الصندوق هو مشروع مشترك بين بنك الاستثمار الأخضر ودائرة شؤون الطاقة، وتغير المناخ في المملكة المتحدةUK Department for Energy and Climate Change، ويصل تمويله الى 200 مليون جنيه استرليني للإنفاق على مشاريع في أسواق مثل الهند وكينيا ورواندا وجنوب أفريقيا وتنزانيا».
ولفت تشوب إلى أنه «مع اكتساب مفهوم البنك الاخضر السرعة، فهناك المزيد من الخطوات في هذا الاتجاه آخذة في الظهور»، وقال: «نحن في صدد التفكير في كيفية جعل البنوك الخضراء أقرب إلى الأسواق الناشئة، وبعد مؤتمر باريس، فإن هناك شعوراً متنامياً حول كيفية إمكاننا تحقيق ذلك».

رفع مستوى البنوك الخضراء

من الجدير ذكره أنه تم بناء اللُبنات الرئيسية لهذا المشروع في محادثات باريس لتغير المناخ COP21، بعد إعلان مجموعة من 6 بنوك خضراء، فضلاً عن مؤسستين غير ربحيتين تشكيل شبكة أسموها شبكة البنك الأخضر the Green Bank Network، بهدف زيادة عدد هيئات تمويل الطاقة المتجددة في كافة أنحاء العالم.
أما الشركاء المؤسسون لهذه المبادرة في الطاقة النظيفة، فهم: من بريطانيا بنك المملكة المتحدة الأخضر للاستثمار في المملكة المتحدة the UK Green Investment Bank، ومن الولايات المتحدة بنك كونكتيكت الأخضر the Connecticut Green Bank، وبنك نيويورك الأخضر NY Green Bank، ومن اليابان الصندوق الأخضر، ومن ماليزيا شركة التقنية الماليزية الخضراء، ومن أستراليا مؤسسة التمويل الطاقة النظيفة، وتنوي الشبكة التوسع على نحو سريع.
وقد عينت هذه البنوك مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية the Natural Resources Defense Council (NRDC)، والتحالف من أجل الرأسمال الأخضر (CGC) the Coalition for Green Capital، وهو يتشكل من الخبراء في تطوير المصارف الخضراء، وقد وافقت مؤسسة Climate Works على توفير التمويل الأولي.
أما المتحدث بإسم مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية الذي يعمل جنباً إلى جنب مع التحالف من أجل الرأسمال الأخضر، فلفت إلى «أن البنوك الخضراء تدعم الإستثمارات الخاصة في مختلف الدول مما يساعدها على الوفاء بالتزاماتها»، مشيراً إلى «أن شبكة البنوك ستزيد من التأثير العالمي لهذه المصارف الخضراء من خلال تمكينها من التعاون على نحو أكثر فاعلية في ما بينها، والمشاركة في الخبرات المصرفية، فضلاً عن الإعلان عن الإنجازات ورفع مستوى البنوك الخضراء في كافة أنحاء العالم».
وتعمل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD) Economic Co-operation and Development) على استخدام قدراتها في عقد الاجتماعات لتسهيل تبادل الخبرات بين البنوك الخضراء والبلدان المهتمة في تأسيس بنوك.
وأفاد مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية NRDC «لقد أصبحت البنوك الخضراء بطريقة متزايدة الطريقة المفضلة لجمع رؤوس الأموال بهدف الاستثمار في الطاقة المتجددة. وفي العام 2014، تم إعلان أن البنوك الخضراء، تتوقع في شكل جماعي جمع أكثر من 40 مليار دولار من رؤوس الأموال للاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، إضافة إلى كفاءة استخدام الطاقة النظيفة على مدى السنوات الخمس المقبلة».

رأي آخر

مع ذلك، يرى الرئيس التنفيذي لشركة سينديكاتوم للموارد المستدامة Sindicatum Sustainable Resources وهي شركة مطورة لمشاريع في الطاقة النظيفة: أسعد رزوق، «أن هذا المفهوم يعد أقل كفاءة من تبني البنوك الموجودة حالياً، سياسات الاستثمار في الطاقة المتجددة».
يضيف أنه «على كافة البنوك أن تكون خضراء، وأن يكون جميع التمويل موجهاً نحو المشاريع الداعمة للمناخ، فبرأيي الشخصي، على السندات أن تكون سندات خضراء، أما تقسيم وتقطيع المؤسسات المالية فلا يجلب أي فائدة، ولماذا لا يتم بدلاً من ذلك استخدام المؤسسات العديدة الموجودة لدينا بالفعل؟».
وفي كل الأحوال، يشكل قطاع الطاقة المتجددة فرصة جاذبة للإستثمار للبنوك والأفراد، ويشهد هذا القطاع نمواً في البلدان النامية والأسواق الناشئة، وخصوصاً بعد إتفاق مؤتمر باريس COP21، بهدف التخفيف من الإنبعاثات والتوصل إلى مشاريع محلية مستدامة تعتمد على الطاقة النظيفة، وقادرة على تلبية الطلب على الطاقة وعلى نحو متزايد ومن مصادر محلية من دون الحاجة للاعتماد على الطاقة الأحفورية.

«عيون» المصارف لا ترى اللون الأخضر

يومياً، تتدفق المعلومات والأرقام والإحصاءات حول نمو الاستثمار في مفهوم «الصناديق الخضراء» أو «الصناديق الأخلاقية»، التي تقوم بإختصار على الاستثمار بأسهم الشركات التي تلتزم معايير مسؤولة ومستدامة أو أنشطة لها طابع الاستدامة، وتتميز بكون أعمالها التشغيلية «صديقة للبيئة».
ليست مبالغة القول، إن معظم المصارف السعودية والعربية ترتدي «نظارة سوداء» تجاه هذه الصناديق الاستثمارية، مكتفية بالأداء التقليدي لصناديقها التي تطرحها بين وقت وآخر، رغم رفع تلك المصارف شعارات جذابة تخاطب الحواس وتعزف على وتر اهتمامها بالإستدامة وإصدار تقاريرها غير المالية لتقول إن لديها نشاطاً مرتفعاً في مجال الاستدامة.
الصواب حقاً، أن تجاهل مصارفنا العربية في أعمالها الداخلية ومنتجاتها الذاتية، مما يشكل قوة ضغط لدفع الشركات على تحسين أنشطتها تجاه البيئة والموارد الطبيعية والتنمية البشرية من خلال فتح صناديق استثمارية ذات عائدات مشجعة هو مربط الفرس في هذا السباق اليومي على فتح الصناديق التقليدية، الأمر الذي يجعل المصارف عنصراً أساسياً في الإهدار البيئي والتلوث المناخي، وتدهور مستوى الصحة العامة للأفراد نتيجة عدم محاولتها فعل أي شيء من أجل المستقبل!
العجيب في الأمر أن عائدات الصناديق الخضراء في العالم تتفوق في كثير من الأحيان على الصناديق التقليدية، فعلى سبيل المثال قدرت The Global Climate Prosperity Scoreboard أن ثمة 1.248 تريليون دولار، تم استثمارها في القطاعات الخضراء منذ عام 2007 إلى 2010، وتتوقع المفوضية الأوروبية تضاعف حجم سوق الخدمات الخضراء والمنتجات والتقنيات المتعلقة بها عالمياً إلى 2.2 تريليون دولار في حلول عام 2020، ولكل 20 يورو عائدات يتم استثمارها في الصناديق الخضراء في الاتحاد الأوروبي، أضف إلى ذلك نمو الاقتصاد الأخضر في بريطانيا بنسبة 5% في كل من 2014 و2015، ورغم ذلك تتجه كثير من المصارف المحلية والعربية لسياسة ذر الرماد في العيون بتبني تبرعات نقدية أو عينية محدودة في أنشطة خيرية تحت اسم خدمة المجتمع رغم أنها أنشطة لا تتسم بالاستدامة ولا بتحقيق الحد الأدنى من مسؤولية المصارف تجاه أصحاب المصالح وفي مقدمهم المجتمع المحلي.
في المحصلة، إنّ التحول إلى الاقتصاد الأخضر، بما يتلاءم مع خصائص وأولويات التنمية للعالم العربي، أصبح ضرورة اقتصادية وبيئية ملزمة، إذ إنّ المفاهيم المرتبطة بالإقتصاد الأخضر لم تعد مجرد خيارات مطروحة، بل أصبحت أمراً ملزماً في العالم العربي في ضوء التراجع المشهود في الظروف البيئية التي يواجهها الاقتصاد العربي، في مقابل تنامي حاجات التنمية والسكان وتوفير فرص العمل.