الإقتصاد الإفتراضي ودور الميتافيرس في تحفيزه

Download

الإقتصاد الإفتراضي ودور الميتافيرس في تحفيزه

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 503- تشرين الأول/أكتوبر 2022

الإقتصاد الإفتراضي ودور الميتافيرس في تحفيزه

نُلقي في هذه الدراسة، نظرة شاملة حول الإقتصاد الإفتراضي، إذ بعد لمحة موجزة حول نمو الإقتصاد الرقمي والإقتصاد الإفتراضي، نعرض المبادئ الإقتصادية الأساسية التي تُسهل إستيعاب مفهوم الإقتصاد الإفتراضي.

التحوّل إلى الإقتصاد الرقمي والإقتصاد الإفتراضي

شهد بداية القرن الـ 21 تسارعاً في التحوّل نحو الإقتصاد الرقمي والإقتصاد الإفتراضي. لا يُقتصر التحوّل الرقمي على رقمنة العمليات التجارية التقليدية فحسب، بل يشمل إنشاء المنصّات والتقنيات الرقميّة كأساس لنموذج الأعمال، والأصول الرئيسية هي المعلومات (قواعد البيانات)، والخوارزميات لمعالجة قواعد البيانات، ومهارات الموظفين في العمل مع البيانات. علاوة على ذلك، فإن المنتجات والخدمات المنتجة رقمية يتم تقديمها عبر الإنترنت، على مدار الساعة طوال أيام الأُسبوع (24/7). رغم أن المعلومات تلعب دائماً دوراً مهماً في المجتمع والأعمال، إلاَّ أن مدى إستخدامها ودورها في التطوير الناجح للشركات يتزايدان. وقد أدى النمو الكبير للتكنولوجيا الرقمية إلى زيادة إهتمامات وتوقعات المساهمين والمستثمرين. ونتيجة لذلك، فإن أسهم شركات التكنولوجيا وسوق الأوراق المالية بالكامل ينمو بشكل مطّرد.

إلى جانب هذه التطورات، هناك إنتقال من هيمنة الأصول الملموسة tangible assets في الإقتصاد الواقعي إلى الأصول غير الملموسة intangible assets في الإقتصاد الإفتراضي. فمنذ العام 1975 حتى العام 2015، إنقلب هيكل أصول الشركات المدرجة في مؤشر الأسهم «ستاندر أند بورز» S&P، لـ 500 شركة رأساً على عقب. ففي العام 2015، بدأت الأصول غير الملموسة (الأصول الإفتراضية) بالهيمنة الكاملة، حيث إستحوذت على 87 % من الأصول للشركات المدرجة في مؤشر الأسهم.

ماهية الإقتصاد الإفتراضي

الإقتصاد الإفتراضي هو إقتصاد موجود في عالم إفتراضي، حيث يُمكن للمستخدمين تبادل الأصول والمنتجات والخدمات الإفتراضية أو الحقيقية في إطار لعبة على الإنترنت أو من خلال منصة رقمية. يُمكن للمستخدمين المشاركة في الإقتصادات الإفتراضية للترفيه أو لتحقيق منفعة إقتصادية حقيقية.

ظهرت الإقتصادات الإفتراضية أولاً في الألعاب المتعددة المستخدمة على الإنترنت MUD (Multi-User Dungeon) في وقت مبكر من أواخر السبعينيات من القرن الماضي. واليوم توجد أكبر الإقتصادات الإفتراضية على الألعاب على الإنترنت التي يقوم فيها اللاعبون بأدوار متعددة MMORPG massively multi player online role-playing games.

يُمكن أن يقوم أي إقتصاد إفتراضي على نظام أساسي يُمكّن من إنفاق أموال حقيقية على الأصول والمنتجات والخدمات والتفاعلات الرقمية التي ينشئها المستخدم ضمن الإقتصاد الإفتراضي.

التفاعل بين الإقتصاد الحقيقي والإفتراضي

ثمة تداخل متزايد بين الإقتصاد الإفتراضي والإقتصاد الحقيقي. غالباً ما يتم تداول الأصول الموجودة في الإقتصادات الإفتراضية في العالم الحقيقي بإستخدام أموال حقيقية. عادةً يتم إجراء هذه المعاملات على مواقع المزادات عبر الإنترنت، وُيشار إليها بإسم «معاملات الأموال الحقيقية Real Money Transactions RMTs».

تقوم العديد من المنصات بربط السلع الإفتراضية بأموال العالم الحقيقي. ومع ذلك، فإن بعض منصات الألعاب تثبط بل وتحظّر تبادل أموال العالم الحقيقي مقابل سلع إفتراضية، لأنه يُعتقد أنها ضارة بأهداف اللعب.

الموارد في الإقتصاد الإفتراضي خصائص الموارد في الإقتصاد الإفتراضي هي:

• المنافسة: إن حيازة مورد يُقتصر على شخص واحد أو عدد قليل من الأشخاص داخل العالم الإفتراضي.

• المثابرة: تستمر الموارد الإفتراضية طوال الفترة التي يدخل بها المستخدم إلى العالم الإفتراضي. في بعض الحالات، يكون المورد موجوداً للعرض العام حتى عندما لا يتم تسجيل دخول مالكه إلى العالم الإفتراضي.

• الإتصال البيني: قد تؤثر الموارد أو تتأثر بأشخاص آخرين وأشياء أخرى. تختلف قيمة المورد وفقاً لقدرة الشخص على إستخدامها لإنشاء أو تجربة تأثير معين.

• الأسواق الثانوية: يُمكن إنشاء موارد إفتراضية، وتداولها، وشراؤها، وبيعها.

• القيمة المضافة من قبل المستخدمين: يُمكن للمستخدمين تعزيز قيمة الموارد الإفتراضية من خلال تخصيص الموارد وتحسينها.

تعريف الإقتصاد الرقمي

ينبغي أن نُعرّف مصطلح «الإقتصاد الرقمي» على النحو المحدد من قبل مختلف الكيانات العالمية:

• تعريف منظمة التعاون والتنمية في الميدان الإقتصادي OECD (2013): «الإقتصاد الرقمي يُمكّن ويُنفذ تجارة السلع والخدمات من خلال التجارة الإلكترونية على الإنترنت».

• تعريف المفوضية الأوروبية European Commission (2013): «الإقتصاد الرقمي هو إقتصاد يعتمد على التقنيات الرقمية (يسمّى أحيانًا إقتصاد الإنترنت)».

• تعريف جمعية الكومبيوتر البريطانية British Computer Society (2014): «يشير الإقتصاد الرقمي إلى إقتصاد قائم على التقنيات الرقمية، رغم أننا ندرك بشكل متزايد أنه يُساعد في إدارة الأعمال من خلال الأسواق القائمة على الإنترنت وشبكة الويب العالمية».

• البرلمان الأوروبي (2015): «الإقتصاد الرقمي هو هيكل معقّد من مستويات عدة / طبقات مرتبطة ببعضها البعض بواسطة عدد لا نهائي من العقد، تتزايد بشكل مستمر. المنصات مكدّسة على بعضها البعض مما يسمح بطرق متعددة الوصول إلى المستخدمين النهائيين، ويجعل من الصعب إستبعاد لاعبين معينين، مثل المنافسين».

• مجلس العموم House of Commons (2016): «يشير الإقتصاد الرقمي إلى الوصول الرقمي للسلع والخدمات، وإستخدام التكنولوجيا الرقمية لمساعدة الشركات».

• فريق الإقتصاد الرقمي لمجموعة العشرين G20 Digital Economy Task Force DETF (2016): «الإقتصاد الرقمي هو مجموعة واسعة من الأنشطة الإقتصادية التي تشمل إستخدام المعلومات والمعرفة الرقمية كعامل رئيسي للإنتاج، وشبكات المعلومات الحديثة كنشاط مهم والإستخدام الفعال لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات (ICT) كمحرّك مهم لنمو الإنتاجية والتحسين الهيكلي الإقتصادي».

الإقتصاد الإفتراضي والإقتصاد الرقمي

الإقتصاد الإفتراضي هو مفهوم متعدّد الأوجه وأكثر غموضاً من الإقتصاد الرقمي. الإقتصاد الإفتراضي له تاريخ طويل من التطور ومرتبط بشكل وثيق مع التكنولوجيا الرقمية.

وفقاً للتقرير البحثي للبنك الدولي وإنفوديف Infodev، هناك ثلاثة مناهج لتعريف الإقتصاد الإفتراضي. يُعتبر النهج الأول الإقتصاد الإفتراضي كنشاط مضاربة يعتمد على إستخدام رأس المال النقدي. ويعتبر النهج الثاني الإقتصاد الإفتراضي على أنه مستوى أعلى من الإقتصاد الرقمي. ويعتبر النهج الثالث الإقتصاد الإفتراضي جزءاً من الإقتصاد الرقمي في شكل عوالم إفتراضية عبر الإنترنت.

في النهج الأول، يرتبط تعريف الإقتصاد الإفتراضي إرتباطاً وثيقاً بالشكل النقدي لرأس المال.

وفقًا للنهج الثاني، يُعدّ الإقتصاد الإفتراضي جزءاً من المستويات الثلاثة المترابطة: البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات (ICT)، والإقتصاد الإفتراضي والإقتصاد الرقمي.

في التسلسل الهرمي للمستويات الثلاثة، يكون الإقتصاد الإفتراضي في أعلى المستوى، ويعتمد على الإقتصاد الرقمي والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات.

في النهج الثالث، أدى إنتشار الخدمات الرقمية من التجارة الإلكترونية إلى خدمات الشبكات الإجتماعية في البلدان المتقدمة والنامية إلى ظهور إحتياجات ومشاكل رقمية جديدة. فالإرتفاع في الطلب والعرض لتلبية الإحتياجات الرقمية، والأسواق التي يلتقي فيها العرض والطلب، تشكل معاً الإقتصاد الإفتراضي.

الإقتصادات الإفتراضية للشركات

هناك العديد من الفوائد للشركات التي تنشئ إقتصاداً إفتراضياً لكي يشارك المستهلكون فيه، منها:

• إعطاء المستخدمين فرصاً للكسب: أصبحت الإقتصادات الإفتراضية شائعة بشكل متزايد، لأنها تعطي مستخدميها فرصاً للكسب. يُمكن للمستخدمين التفاعل بطرق جديدة، وخلق قيمة وكسب أموال حقيقية على منصات الإقتصاد الإفتراضي.

• مشاركة المستخدم ونمو النظام الأساسي: تشهد تطبيقات الإقتصادات الإفتراضية نمواً مرتفعاً لأنها تُحفّز مشاركة المستخدمين وبالتالي الإحتفاظ بهم.

• التفاعلات التعاونية: تسمح بعض منصات الإقتصادات الإفتراضية للمعلنين الخارجيين ومقدمي خدمات الأعمال بالمشاركة في بيئاتهم. غالباً ما تقوم الشركات ومقدمو الخدمات في البيئات الإفتراضية بتطوير علاقات تعاونية بدلاً من العلاقات العدائية مع المستخدمين.

الإقتصاد الإفتراضي والميتافرس

يتم ضخ مبالغ ضخمة من المال في تطوير الميتافرس Metaverse، عالم بديل، حيث يُمكن العمل واللعب ومقابلة الناس من دون مغادرة المنزل.

هو تقنية إقتصاد إفتراضي يُمكن إستخدامها في بعدة طرق مختلفة. إنها إحدى اللبنات الأساسية للويب 3.0 (الإنترنت اللامركزي القائم على blockchain)، كوسيلة لتمكين إنشاء المحتوى وتحقيق الدخل، وتسجيل الملكية ونقلها، وإنشاء أصول إستثمارية جديدة.

تستخدم الرموز غير القابلة للإستبدال NFT في الميتافرس Metaverse لبناء إقتصاد إفتراضي يُعطي فرصاً لكسب القيمة، وفرصاً للإستثمار مثل تداول العقارات والعناصر الرقمية في المساحات الإفتراضية، وخدمات التجارة الإلكترونية المبتكرة، والعديد من الخدمات الأخرى في سوق الميتافرس Metaverse المستقبلية.

تُستخدم الرموز غير القابلة للإستبدال NFT في الميتافرس Metaverse لأغراض مختلفة منها:

• إثبات الهوية والأصالة.

• التوافقية.

• بناء البنية التحتية للإقتصاد الإفتراضي.

• التمويل اللامركزي DeFi.

• تمويل الألعاب GameFi.

النظرة المستقبلية والتوقعات المستقبلية للإقتصادات الإفتراضية

أصبح التحول الرقمي اليوم، المصدر الرئيسي للنمو الإقتصادي. فمن دون المكوّنات الإفتراضية والرقمية، من المستحيل بالفعل التفكير في الإقتصاد اليوم. في الوقت نفسه، فإن حدود هذه المفاهيم غير واضحة وسيتطوّر العالم المختلط بشكل أكبر، حيث ستُحدد الإقتصادات الإفتراضية والرقمية والحقيقية بعضها البعض بعمق.

هناك توجهان محتملان في المستقبل هما:

• التوجّه الأول هو التحوّل نحو الإفتراضية ورقمنة الإقتصاد المادي.

• التوجه الثاني هو تجسيد الإقتصاد الإفتراضي.

ويتجلّى واقع الإقتصاد الإفتراضي والرقمي عندما يكون المستهلكون النهائيون للسلع الإقتصادية (السلع والخدمات الرقمية والمادية) إما أشخاصاً أو مؤسسات.

في الخلاصة، يُوفّر الإقتصاد الإفتراضي القائم على الميتافيرس Metaverse إمكانات ومجموعات واسعة من تدفقات الإيرادات، مع توقّع بعض التقديرات أنه يُمكن أن يصبح سوقاً بقيمة 800 مليار دولار في غضون عامين فقط، وأنه يُمكن أن يُساهم بثلاثة تريليونات دولار في الإقتصاد العالمي في العقد المقبل.

الدكتورة سهى معاد