الإقتصاد العالمي في ظل كورونا

Download

الإقتصاد العالمي في ظل كورونا

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 483 شباط/فبراير 2021

الإقتصاد العالمي في ظل كورونا:

 إنكماش وكساد شبيه بما حصل بعد الحرب العالمية الثانية

بات مألوفاً منذ آذار/مارس العام 2020 أن نشاهد على شاشات التلفزة، وصفحات الجرائد والمواقع الإكترونية صوراً لعمال يُطالبون بأجورهم المستحقة أثناء الإغلاق الكامل للقطاعات الاقتصادية بسبب تفشي وباء كورونا في أكثر من بلد في العالم، إذ تسبب فيروس covid 19  أو «كورونا» بإنهيار النشاط الإقتصادي العالمي، رغم تدابير الدعم والتحفيز الإقتصادي التي إتخذتها العديد من الدول المتقدمة والنامية، لدرجة أن الخبراء والاقتصاديين إعتبروا أن «الكساد الإقتصادي» الذي خلّفه وباء كورونا هو أشد حدة من الكساد الإقتصادي الذي أصاب العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
في لغة الارقام يقول المختصون: إن الإنكماش في الإقتصاد العالمي خلال العام 2020 بلغ نسبة 5.2 %، في حين أن إقتصادات الدول المتقدمة سجلت إنكماشاً بلغ 7 % جرَّاء الإضطرابات الشديدة التي أصابت جانبي الطلب والعرض المحليين والتجارة، والتمويل. أما إقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية فسجلت إنكماشاً نسبته 2.5 % في العام 2020، وهو أول إنكماش لها كمجموعة منذ 60 عاماً على الأقل. ونتيجة لذلك من المتوقع أن ينخفض متوسط نصيب الفرد من الدخل بنسبة 3.6 % متسبباً في سقوط ملايين من الناس في براثن الفقر المدقع هذا العام.
في المقابل فإن نجاح اللقاح في محاصرة فيروس «كورونا» خلال العام 2021 في إقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية، يعني إنعاش الإقتصاد العالمي بنسبة 4.2 % وذلك بواقع 3.9 % في الإقتصادات المتقدمة و4.6 %  في إقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية.

 

وهبه: كورونا كبّدت 28 تريليون دولار خسائر

في الإنتاج والديون العالمية ستتفاقم على نحو أكثر

تغيّرات وخسائر

كل ما سبق يدعو إلى البحث عن التغيُّرات التي طرأت على الإقتصاد العالمي في زمن «كورونا»، والخسائر التي سبّبها ولا سيما في قطاع النفط، وعمّا إذا ستستمر القواعد الجديدة للعمل والإنتاج (العمل من داخل المنازل) التي أرساها بعيداً عن أشكال الإنتاج التقليدية، وماذا ينتظر العالم في العام 2021؟

في هذا الإطار، يوضح الدكتور محمد وهبه (أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية) لمجلة «إتحاد المصارف العربية»: «أن إنتشار فيروس كورونا أحدث زلزالاً إقتصادياً، ترتبت عليه خسائر مالية ضخمة في كل دول العالم، وقد ترافق مع عمليات إغلاق وتقييد حركة غير مسبوقة، حيث تشير منظمة السياحة العالمية، التي تضم في عضويتها 217 دولة، إلى إغلاق 83 % من دول العالم حدودها، من بينها 175 دولة أغلقت الحدود بصورة كلية مما سبب زيادة كبيرة في نسبة العاطلين عن العمل، وقد تزاوج الإنكماش وخفض الإنتاج ليُشكل أزمة متعددة الأطراف طالت مجمل دول العالم»، مشيراً إلى «أن إنتشار الفيروس أظهر فعلياً أن العالم قرية صغيرة متواصلة، وأن أي أزمة جوهرية متنقلة، تتمازج في النظام العالمي الحر لتؤثر على العالم أجمع، كما أن التجربة أبرزت وبغض النظر عن نظرية المؤامرة، أن الحروب المقبلة والأقل كلفة هي الحروب البيولوجية والتي قد تكون تأثيراتها كارثية على صعيد الإقتصاد، الذي يكون من الأهداف الرئيسية للحروب».

ويضيف د. وهبه: «بعد عام على إنطلاق هذه الجائحة، برز العديد من المتغيرات، وإن كانت متفاوتة بين الإقتصادات، ففي حين حاولت الإقتصادات المتقدمة دعم القطاعات المتأثرة من سياحة ومصارف وبطالة، فإقتصادات الأسواق الصاعدة والبلدان النامية كانت أقل إستعداداً لمواجهة أي ركود عالمي، لا سيما وأن هذه البلدان تعاني ضعف أنظمتها الصحية، وتعتمد إعتماداً كبيراً على صادرات السلع الأولية، وتشهد مستويات مرتفعة من الديون السيادية وديون الشركات، وقد عمّقت هذه الأزمة عوائق القطاعات الإقتصادية في هذه البلدان».

ويعطي وهبه مثالاً على التغيُّر الحاصل بالقول: «لقد عجّلت هذه الأزمة بتوقيع الإتفاقية التجارية بين خمس عشرة دولة في آسيا، ومنطقة المحيط الهادي بعنوان «الشراكة الإقتصادية الإقليمية الشاملة» بعد ثماني سنوات من المفاوضات، وشاركت فيها الصين واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ليشمل ثلث الإقتصاد العالمي بهدف زيادة إنسيابية حركة البضائع وخفض الرسوم الجمركية والتي سوف تؤدي قطعاً إلى تعزيز دور الصين على الصعيد الدولي».

 والسؤال الذي يطرح هنا بعد هذه التغيُّرات التي طرأت على الإقتصاد العالمي ما هي خسائر «الكورونا» وفي أي قطاعات؟ يجيب وهبه: «لقد فرضت جائحة كورونا ثقلها إقتصادياً بعد عام من إنطلاقتها، فغيّرت أنماط العمل ومفاهيم سابقة عدة. ورغم تكيّف بعض المجتمعات مع فكرة العمل من ُبعد، إلاّ أن النتيجة كانت في تباطؤ الاقتصاد العالمي، وضرب مقومات العرض والطلب في آن واحد، بسبب فرض قيود الحجر الصحي وحالة الذعر لدى المستهلك».

يضيف وهبه: «يُتوقع أن ينخفض النمو إلى سالب 4.4 % في العام 2020، وعلى مدى السنوات الخمس المقبلة، وقد تكلف الأزمة ما يقدر بنحو 28 تريليون دولار من الخسائر في الإنتاج، مع إستمرار الضغوطات لفترة طويلة وسط وجود درجة مرتفعة من الشكوك في ظل وجود توقعات بحدوث موجات أخرى من العدوى بالفيروس، ما سيؤدي إلى زيادة الإنفاق على مكافحة الوباء، وتقييد أسعار الفائدة والظروف المالية ما يجعل الديون العالمية تتفاقم أكثر وأكثر، رغم إيجابية إنخفاض التلوُّث في العالم وإنخفاض النتروجين المؤثرين على البيئة».

يلفت وهبه إلى «أن العديد من القطاعات تأثرت بهذه الجائحة كالسياحة والطاقة وقطاع النقل الجوي، وبسبب الفيروس وتداعياته والمتمثلة في توقف الحركة الجوية، فقد خسرت منطقة الشرق الأوسط نحو 1.7 مليون وظيفة في قطاع النقل الجوي والقطاعات المرتبطة به خلال العام 2020، ويُمثل هذا الرقم نحو نصف عدد الوظائف المرتبطة بقطاع النقل الجوي في المنطقة والبالغ عددها 3.3 ملايين»، مشيراً إلى «أن الأزمة خلقت جيشاً من العاطلين، ومن المتوقع أن يرتفع عددهم إلى 80 مليون عاطل في الدول المتقدمة بناء على دراسة صادرة عن منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية، والتي توقعت أيضاً أن تظل نسبة البطالة مرتفعة قرابة 10 % حتى نهاية العام 2021 هذا بخلاف الدول النامية التي تعاني بصورة أكبر من الدول المتقدمة إقتصادياً».

 ويشير وهبه إلى أنه «بحسب ما ذكر صندوق النقد الدولي، فإن التدابير المالية التي أعلنتها العديد من حكومات العالم والتي تبلغ حالياً حوالي 11 تريليون دولار، ساعدت في تخفيف التأثيرات السيئة التي تعرضت لها الشركات والعمال بسبب الوباء الذي تسبب في إغلاق المصانع والشركات معظم الشهور الماضية، وحظر حركة الناس، ما أدى إلى هبوط الطلب وضعف الحركة الشرائية».

في المقابل يشرح وهبه جانباً آخر لتداعيات «الكورونا» فإلى «جانب أن الفيروس أضر بقطاعات إقتصادية بشدة، إلا أنه أفاد قطاعات أخرى، وأبرزها القطاعات التي تعتمد على التكنولوجيا والتصنيع التكنولوجي والمنتجات الصحية والملكية الفكرية للتكنولوجيا وشركات إدارة التواصل الاجتماعي والتجارة الإلكترونية».

«كورونا» وسوق النفط

بناء على كل ما تقدم فالقطاعات الأكثر تضرراً خلال إنتشار فيروس «كورونا» في العام 2020 كانت السياحة والطيران والخدمات البحرية والنفط، وهو ما إنعكس سلباً على دول كثيرة تعتمد في إقتصادها على هذه الموارد، وبالتالي من المشروع السؤال عما ينتظر سوق النفط خلال العام 2021؟

 

الأنسي: أسعار النفط لن تسجل هبوطاً

نتيجة التفاهم بين بلدان «أوبك بلاس»

 

في هذا الاطار يشرح الخبير الإقتصادي المختص في شؤون النفط فؤاد الأنسي لـ «مجلة إتحاد المصارف العربية” «أن هناك عدداً من المتغيرات التي ستحصل في العام 2021  والتي ستؤثر على أسعار النفط، وأبرزها تسلم الإدارة الاميركية الجديدة  لمقاليد الحكم في الولايات المتحدة الاميركية، لكن سياستها العامة تجاه القضايا الكبرى في العالم ولا سيما الإقتصادية منها، لا يمكن أن تتوضح  قبل الجزء الثاني من العام أي تموز/يوليو 2021».

يضيف الأنسي: «المتغير الثاني هو إستمرار «الكورونا»، بمعنى أن الجائحة ستستمر في العام 2021 رغم وجود اللقاحات، لأن اللقاح المضاد للفيروس سيبدأ تطبيقه خلال هذا العام، وبعض البلدان ستبدأ باللقاحات في آذار المقبل، ونحن لا نعرف ما هي نتيجة هذه اللقاحات، وإلى أي مدى ستخلق نوعاً من «مناعة القطيع» في العالم ونسبتها، وهذا يتوقف على عدد اللقاحات التي ستتوزع، لأنه ليس المهم أن تُوزع اللقاحات على الدول الغنية، بل على كل دول العالم، حيث تتركز اليد العاملة وإلانتاج، وإلا ستستمر الجائحة»، لافتاً إلى أن «المتغير الثالث هو وضع الشرق الاوسط السياسي في ظل سياسة التطبيع الحاصلة بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، وعمّا إذا سيستمر هذا التطبيع أم سيتوقف؟ وما هي سياسة الادارة الأميركية في هذا الاطار؟».

يتابع الأنسي: «برأيي، وفي ظل كل هذه المتغيرات الموجودة في العام 2021 وُيضاف إليها الإنتخابات التي ستجري  في كل من إيران وسوريا، كلها عناصر لا تسمح بوضع أي تصور واضح  للإقتصاد العالمي في العام 2021، وبرأيي أي صورة واضحة للإقتصاد العالمي والنمو لن تظهر إلا في أواخر العام 2021 ، أي أن هذا العام سيكون إستمراراً للأوضاع الإقتصادية التي عشناها في العام  2020».

في المقابل يشرح الأنسي «ليس من الضروري أن يستمر التباطؤ الإقتصادي في العالم والذي شهدناه في العام 2020، إذ  يُمكن أن يقف عند حدود معينة، ولكن بالتأكيد لن نشهد عمليات نمو كبيرة في البلدان الغنية مثلاً، لأن كورونا الموجودة حالياً تؤثر على كل النشاطات الاقتصادية في العالم، أي قطاعات السياحة والسفر والتبادل التجاري بين الدول»، مشيراً إلى «أن كل هذه القطاعات هي الممول والمحرك للنشاط النفطي في العالم، ولكن ما يحمي أسعار النفط من الهبوط بحدة بسبب «كورونا» هو التفاهم الحاصل بين منظمة أوبيك والدول الاخرى المنتجة للنفط، وأبرزها روسيا أو ما يُعرف بـ «أوبيك بلاس».

ويلفت الانسي إلى أنه «منذ منتصف العام 2020 ورغم تداعيات «كورونا» على الإقتصاد العالمي، إلا أن أسعار النفط لا تزال تُراوح بين 40 دولاراً و50 دولاراً للبرميل الواحد، ولم يُسجل هبوطاً كما حصل في السابق، وهذا نتيجة التفاهم الذي حصل بين بلدان «أوبك بلاس».

ماذا عن النفط الليبي الذي يُمكن أن يكون عاملاً منافساً للعديد من الدول المنتجة للنفط؟ يجيب الأنسي: «لا بد أولاً من رصد الوضع السياسي الليبي، وعمّا إذا كان سيستقر أم لا، في الوقت الراهن، هو وضع متأرجح تماماً كما يحصل في العراق وسوريا ولبنان من دون حصول إستقرار، صحيح أنه يتم وضع خطط للإستقرار، لكن لم ينجح أي منها إلى الآن، وأحياناً لا تطبق، وبالتالي لا يُمكن الحديث عن تأثير النفط الليبي على السوق النفطية في العالم، قبل حصول إستقرار سياسي عالمي»، لافتاً إلى «أن النفط الليبي هو نفط مميز لسببين: الأول هو نفط خفيف ويُعطي مواد ممتازة، وثانياً إنه قريب من مراكز الإستهلاك الأوروبي، وبالتالي هو عنصر مؤثر في سوق النفط العالمية. لكن لا يُمكن الرهان عليه قبل حصول إستقرار في ليبيا، ولا أتوقع حصول تغيّرات مهمة في سوق النفط العالمية قبل أيلول/سبتمبر 2021».

ويختم الأنسي بالقول:  «كما أنه ليس من مصلحة الولايات المتحدة الاميركية زيادة إنتاجها  من النفط الصخري، طالما أن سعر برميل النفط أقل من 50 دولاراً بسبب إرتفاع كلفة إنتاجه».

قواعد إقتصادية جديدة

* دفعت أزمة «الكورونا» الوباء الملايين من الناس، إلى الفقر المدقع والمعاناة من إنعدام الأمن الغذائي والصحي (خط الفقر الدولي البالغ 1.90 دولار للفرد يومياً)، والذين كان تعدادهم قبل بدء الجائحة في حدود 643 مليون شخص، ويُمكن أن يزيد عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع في العام 2020 بنحو 100 مليون شخص، عمّا كان متوقعاً قبل الأزمة، ومن المرجح أن تستمر معدلات الفقر المدقع في الزيادة في العام 2021، ومن المحتمل أن تزيد في السنوات التي تليها.

* تم تغيير النمط التشغيلي والإجراءات في الشركات لتحافظ على إستمراريتها، وقد تم تعزيز العيش في المناطق الريفية والتوظيف في مجال الزراعة، وتوجهت الإستثمارات نحو قطاع الزراعة وقطاع التكنولوجيا، لتعزير بيئة ممارسة أنشطة الأعمال، وقد تم تكييف القطاعات من خلال ربط المشترين بمستثمري القطاع الخاص، لتحسين فرص الحصول على الخدمات المالية، فضلاً عن التوجه في قطاع التعليم عن بُعد.

باسمة عطوي