الإقتصاد المقبل في أوروبا إعادة ترتيب جيوسياسة الإتحاد الأوروبي – العدد 475

Download

الإقتصاد المقبل في أوروبا إعادة ترتيب جيوسياسة الإتحاد الأوروبي – العدد 475

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 475 - حزيران/يونيو 2020

 الاقتصاد المقبل في أوروبا

إعادة ترتيب جيوسياسة الاتحاد الأوروبي

هل لا يزال نظام الإتحاد الأوروبي صالحاً ومستمراً في ظل مستجدات النظام الاقتصادي الأوروبي؟

منذ تأسيسه وحتى اليوم لا يزال الاتحاد الأوروبي يتعرض لهزات تارة سياسية وطوراً مالية وأخرى نقدية، ومؤخراً كونية صحية، وبدأ الأوروبيون يتساءلون ما هو الممكن عمله للحفاظ على ما تبقى من قوة اقتصادية ضاربة تحفظ ماء وجه 27 دولة بعد  إنسحاب بريطانيا وما تمثله من وزن اقتصادي  وتجاري ومالي، وأيضاً ما تبقى من عضوية التكتل الاقتصادي والسياسي الأوروبي الذي بدأ مساره منذ عام 1951، والذي تم بناؤه على أسس وأهداف استراتيجية تضمن الحقوق الأساسية للأوروبيين وتدعم المسارين الاقتصادي والإجتماعي، كما تلعب هذه الأهداف دوراً في تعزيز مكانة أوروبا بين القوى الكبرى.

وعلى الرغم من كل الأزمات والمطبات التي عبرتها طائرة الاتحاد الأوروبي، فلا شك أن أوروبا اليوم أمام فرصة جيوسياسية إستراتيجية فرضتها التطورات الكونية نتيجة وباء صحي عالمي وما أفرزه هذا الوباء من تداعيات على اقتصادات كبرى دول العالم،  ومن وجهة نظرنا، وبعد المشهد الكوني الذي باتت معالمه أكثر من واضحة على أقوى اقتصادين في العالم وهما: الأميركي والصيني (إضافة إلى اقتصادات العالم ككل) بدرجات متفاوتة، فالاتحاد الأوروبي ورغم معاناته من تداعيات الوباء، ممكن أن يغتنم فرصة سقوط القطبين الصيني والأميركي في مطب كورونا ويعيد تركيبة عجلته وإحداث خرق في القرار الدولي من خلال اعتماد سياسات حكومية تنموية تعيد للحكومات القدرة على مواكبة متطلبات الأيام القادمة أمام المواطنين في ظل تحديات جديدة  فرضتها التطورات الأخيرة.

الإتحاد الأوروبي، ومنذ تأسيسه جابه تحديات كثيرة كتحديد أهداف لتأسيسه ونجاح هذه الأهداف وزيادة عدد الدول المنتسبة إلى عضويته في ظل ضمان حقوق أساسية وحقوق سياسية ومدنية وتقوية دور أوروبا في العالم وبلورة مواقف سياسية وأمنية موحدة ودعم مواقع الاتحاد مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية.

لقد انطلقت الرحلة الأوروبية باتفاق ست دول: ألمانيا – هولندا – إيطاليا – بلجيكا – لوكسمبورغ وفرنسا عام 1951، على تشكيل تكتل للفحم والصلب كنواة رئيسية لتأسيس مجموعة اقتصادية ومن ثم الاتحاد الأوروبي بعدما أصبح إسم المجموعة (المجموعة الاقتصادية الأوروبية)، وأصبح للإتحاد الأوروبي رئاسة وبرلمان ومفوضية تنبثق عنها إدارات ومجالس ومحاكم وأجهزة، وبات الإتحاد الأوروبي يخضع لرئاسة دورية بين أعضائه ولمدة ستة أشهر.

بعد نحو 70 عاماً على رحلة كتلةٍ من عدة دول ماذا تحقق لهذه المجموعة الأوروبية، وأين أخفقت وكيف عالجت مشاكلها، وما هي التطلُّعات للخروج من عنق زجاجة «كوفيد 19» التي أجبرت الدول حول العالم على إعادة خلط الأوراق نحو استراتيجيات مختلفة؟

قبل التوقف عند هذه النقاط نعرض نبذة تاريخية ملخصة لأبرز محطات قطار الإتحاد الأوروبي، الذي بدأ يسير على الفحم وانتهى بالسير على الكهرباء، لكنه تعرّض عدة مرات للخروج عن السكة، وأحياناً استغرقت عودته إلى السير أشهراً وسنوات.

1950 –      وزير الخارجية الفرنسي روبير شومان يقترح تأسيس مجموعة أوروبية من ست دول للصلب والفحم (فرنسا – بلجيكا – لوكسمبورغ – إيطاليا – ألمانيا – هولندا).

1951 –      إطلاق هذه المجموعة رسمياً.

1957 –      التوقيع على معاهدة روما.

1962 –      إنطلاقة العمل بالسياسة الزراعية المشتركة.

1965 – 1966 – أزمة فراغ مع غياب فرنسا عن مقعدها في مجلس الإتحاد الأوروبي.

1968 –      إتمام مشروع الاتحاد الجمركي.

1973 –      بريطانيا وإيرلندا والدانمارك تنضم إلى دول المجموعة الأوروبية.

1979 –      إنتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي للمرة الأولى من قبل الأوروبيين في إقتراع.

1981 –      اليونان تنضم إلى المجموعة الأوروبية.

1986 –      إسبانيا والبرتغال تنضمان إلى المجموعة.

1992 –      التوقيع على معاهدة ماستريخت.

1995 –      النمسا وفنلندا والسويد تنضم إلى عضوية الاتحاد.

1999 –      إطلاق مشروع اليورو وإدراج العملة الأوروبية الموحدة في أسواق المال.

2002 –      إعتماد اليورو عملة تعامل بين مواطني منطقة العملة الموحدة.

2004 –      عشر دول من أوروبا الوسطى والشرقية، قبرص ومالطا تلتحق بعضوية الإتحاد.

2007 –      دخول رومانيا وبلغاريا إلى عضوية الإتحاد والتوقيع على معاهدة لشبونة.

2008 –      إندلاع الأزمة المالية العالمية ووصول تداعياتها إلى أوروبا وسقوط اليونان عام 2010 وأزمة اليورو.

2013 –      كرواتيا تنضم إلى عضوية الإتحاد.

2016 –      استفتاء بريطاني شعبي على خروج المملكة المتحدة من عضوية الإتحاد.

2020 –      خروج بريطانيا رسمياً من عضوية الإتحاد الأوروبي.

 تأرجح الإتحاد الأوروبي بين الشمال والجنوب نتيجة أزمة عام 2010

على وقع الأزمات التي تسببت بخلافات بين القادة الأوروبيين حول كيفية معالجتها والتضحيات المترتبة على ذلك، برزت إنقسامات في المواقف وأصبحت أوروبا معسكرين الشمال يتحكم بالجنوب، حيث إن بلدان جنوب أوروبا الأساسية واجهت أعنف عاصفة هبت رياحها من الولايات المتحدة على إقتصادات هذه المنطقة من أوروبا أكثر من غيرها، واشتعل فتيلها في اليونان الحلقة الأضعف في منطقة اليورو، والجميع يتذكر المراحل التي مرّ بها هذه البلد عشية وقوعه وخلال عمليات الإنقاذ التي جرت له.

فأزمة اليونان كانت كافية لتعرِّي حقيقة صلابة الوحدة الأوروبية أو ضعفها، بغض النظر عن أن أثينا أخفت حقائق عن اقتصادها كي تدخل منطقة اليورو، وبرزت مواقف متباعدة بين دول الجنوب وألمانيا بشكل خاص إلى جانب هولندا إلى حدٍ ما مع فرض شروط لمساعدة اليونان، الأمر الذي طرح علامات استفهام عديدة حول صدقية الاتحاد الأوروبي، وتراوحت الملاحظات بين ضرورة الوقوف إلى جانب اليونان  ظالمة كانت أم مظلومة للحفاظ على ماء الوجه، وبين من يرى مثل ألمانيا أن إنقاذ اليونان بأي ثمن غير وارد، وقد يشجع دولاً في المستقبل قد تقع في مستنقع الديون على المطالبة بحزمٍ إنقاذية على حساب منطقة اليورو، إضافة إلى قروض من المؤسسات الدولية والبنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية.

إلى ذلك، فإن تردّد دول الشمال في العملية الحسابية لإسعاف اليونان يعكس  خوف تكتل الشمال من أن يضعف هو بالذات مع مرور الزمن، وهو الذي أدى دخوله في منطقة اليورو إلى تقوية المنطقة وساهم في تخفيض معدل البطالة الوسطي فيها، حيث تتمتع أسواق العمل في شمال اليورو بظروف أفضل من نظيرتها لدى إسبانيا وإيطاليا واليونان والبرتغال، وأدّت أزمة المال العالمية وتداعياتها على أوروبا إلى التباعد بين معدلَي البطالة في المنطقتين، ناهيك عن حجم ديون متباعد مع خرق قواعد ماستريخت المالية، حيث إن أغلب دول الجنوب خرقتها وهي نسبة 3 في المئة من الناتج المحلي كحد أقصى لعجز الموازنة، و60 في المئة كحد أقصى من الناتج كحجم ديون.

الأزمة غيَّرت أيضاً في المشهد المصرفي في اليونان وأيضاً في إسبانيا وقبرص والبرتغال وإيطاليا وتأثرت سياسة القروض واضطر البنك المركزي الأوروبي إلى إعتماد سياسات تضمن حماية القطاع المصرفي الأوروبي، كما أن إتّساع رقعة الأزمة من اليونان إلى إسبانيا أدّى إلى البحث جدياً في إطلاق إتحاد مصرفي أوروبي وآلية استقرار  أوروبية لمواكبة العجز في هذه الدولة أو تلك في منطقة اليورو، كما دخل صندوق النقد الدولي على الخط وفرض شروطه ضمن إصلاحات للدولة المتعثرة (ورأينا ماذا حصل في اليونان) من احتجاجات، لكن الحكومات المتعاقبة بعد الأزمة نجحت إلى حد بعيد في تحمُّل الشروط والبدء بالإصلاحات .

فتيل الأزمة لم ينطفىء في اليونان بل امتد إلى إسبانيا في العام 2012 مع بروز أزمة السوق العقارية وتأثر قطاع البنوك بها واستفحال معدلات البطالة إلى 26 في المئة، كما اهتزت أعمدة روما الإيطالية بتداعيات الأزمة وتعرّت بنوك الاقتصاد الثالث في منطقة اليورو بعد ألمانيا وفرنسا وأصبحت أغلب أصول البنوك الإيطالية هالكة وارتفعت نسبة ديون هذا البلد إلى أكثر من 130 في المئة من الناتج، ودخلت دول جنوب أوروبا في فوضى اقتصادية ومالية أحرجت دول الشمال أمام المجتمع الدولي الذي يراقب إتحاداً أوروبياً قام على أسس  التضامن والمساعدة وكان ذلك أول إمتحان، فعلى هذا المستوى تم تخطيه في مرحلة ما وفي مكان ما، لكن الثقة اهتزت، والحديث تردد كثيراً في أروقة السياسيين وأصحاب القرار عن خروج هذه الدولة أو تلك من عضوية المنطقة نتيجة التراخي في احترام تطبيق المعايير من جهة ونتيجة الصفقات والمغامرات المالية في الأسواق في مجتمع لم يعد قادراً على تحمل الالتزام بالعقود.

مشكلة منطقة اليورو منذ تأسيسها حتى اليوم يكمن جزء كبير منها في عدم تأسيس وحدة مالية على غرار وحدة نقدية شهد فيها اليورو  النور كعملة للتداول حلّت محل 19 عملة وطنية حتى اليوم.

فأزمات اليونان إلى قبرص فإسبانيا وإيطاليا وإلى حدٍ ما فرنسا تنبع في معظمها من الحرية في إعتماد سياسة موازنة وطنية منفردة بمعزل عن المفوضية الأوروبية وتتحكم فيها الحكومات المحلية لكل دولة، الأمر الذي أدّى في مكان ما إلى فلتان بالمصاريف الحكومية، وبالتالي إلى عجز يفوق نسبة الـ3 في المئة من الناتج الوطني والمسموح بها. وهذا يعتبر من أهم المآخذ على مشروع منطقة اليورو ووصف بالخطوة الناقصة.

فدول الجنوب تجمع ما بينها نقاط مشتركة عديدة، نذكر منها:

  • إعتماد سياسات تقشفية نتيجة معاناتها المالية.
  • خروقات مالية (دين عام وعجز).
  • تفاوت وتأخر في التنافسية بين بلد وآخر.
  • أسعار فائدة متدنية تسببت في قروض كثيرة وحركة استهلاك فوق العادة.
  • تراكم العجز الخارجي تسبب بارتفاع حجم الديون.
  • قلة الادّخار في هذه الدول تسببت في عجز ميزان الحسابات الجارية في دول جنوب أوروبا.
  • مثلها مثل دول الشمال وباقي دول اليورو/ هذه الدول لا تملك قرار العملة الذي أصبح في يد البنك المركزي في فرانكفورت، وبالتالي غير قادرة على تمويل عجزها بضخ نقدي.

في مرحلة التخبط ومحاولات الخروج من مستنقع الأزمات التي حلَّت بجزء كبير من منطقة اليورو، ولا سيما في الجنوب، أصبحت هذه الدول غير قادرة على الفور أن تنفتح على الخارج وتستعيد دورها ما قبل الأزمة، وباتت تركز بشكل أكبر على سوق الاستهلاك الداخلي وعلى حوافز التشجيع من أجل ذلك، كي تستعيد الثقة المحلية قبل الدولية بعد الوقوع في كوارث متتالية.

فمع مرور الوقت واستفادة هذه الدول من آلية الاستقرار الأوروبية وقروض المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي والاستفادة من سياسة التيسير الكمي التي اتبعها البنك الأوروبي (شراء ديون الحكومات والشركات

 وأصول متهالكة مقابل سيولة) استعاد الاتحاد الأوروبي حلقة كان ممكن له أن يفقدها لو فلتت الأمور من يده نتيجة اعتراض ألمانيا والمؤيدين لها في الشمال على مساعدة الجنوب قبل أن تتوسط فرنسا في محاولة تقريب وجهات النظر، فتفادى الإتحاد الأوروبي حينها صدمة لم يكن بحاجة إليها، وكانت كرّت السبحة لو تركنا اليونان تخرج من عضوية منطقة اليورو وتزعزت البنية الأوروبية التي قامت على استراتيجية معينة دعمتها إجراءات جيوسياسية رسمت تعاطي الإتحاد مع شركائه.

BREXIT أزمة أخرى يتعرض لها النظام الاقتصادي الأوروبي

وتشكل امتحاناً له وتساؤلات حول أهمية وحدة الإتحاد

عشية استفتاء حزيران/يونيو 2016 حول بقاء أم خروج بريطانيا من الوحدة الأوروبية، تصاعدت حدة الخلافات بين بريطانيا والمفوضية الأوروبية من جهة وداخل الفرقاء السياسيين البريطانيين داخل المملكة المتحدة.

بريطانيا بدأت تتأفف من سياسة المفوضية الأوروبية وأخذت تطالب بتبسيط التعامل معها وفرض الشروط نتيجة ضغط داخلي من قبل فريق يرفض الوصاية الأوروبية ونتيجة خلاف بشأن إيرلندا. فنضجت فكرة الانسحاب من عضوية الإتحاد الأوروبي وبدأ التلويح بالأمر إن لم تستجب المفوضية لأمنيات بريطانيا. هنا أيضاً  وجدت المفوضية الأوروبية نفسها في الموقف نفسه الذي تواجدت ألمانيا أمامه من أزمة اليونان، إما ترك اليونان لمصيرها كي لا تتكرر تجربتها لدى دولة أخرى، وإما إنقاذها.

وفي الحالة البريطانية ستجد المفوضية نفسها أيضاً أمام ضغوط دولة أخرى ترغب في شروط ميسّرة وإما تلوِّح بالانسحاب.

إنطلاقاً من هنا نشب الصراع في أيام حكومة كاميرون والذي تكفَّل بنفسه تنظيم استفتاء صيف 2016  لمعرفة موقف البريطانيين من الخروج أم البقاء في عضوية الإتحاد على أن يتبع ذلك تفاوض مع المفوضية تحدده نسبة الاقتراع بـ«نعم أو لا»، ففازت الـ«نعم» للخروج بأكثر من 50 في المئة، وانطلقت رحلة الافتراق والتحضير له، علماً أن محاولات كثيرة تمت لإعادة النظر في التفاوض وتقريب وجهات النظر لكن باءت جميعها بالفشل.

فبعد حكومة كاميرون جاءت حكومة برئاسة جونسون أحد العرابين لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي وروّج له عندما كان وزيراً في حكومة كاميرون، ووعد مناصريه والفئة الراغبة في الانفصال بحدوث خروج بلاده من عضوية الاتحاد في موعده، وبذلك تكون بريطانيا في حلّ من المفوضية الأوروبية والعيش تحت شروطها، علماً أن بريطانيا تشكل نسبة 14 في المئة من ناتج الاتحاد الأوروبي وتعتبر القوة الضاربة الثانية بعد ألمانيا.

وهذا الأمر أضعف من قوة الإتحاد الأوروبي الاستراتيجية ومن جيوسياسته أمام القوى الكبرى الأخرى في العالم وبالأخص العملاقين الأميركي والصيني.

فلا شك أن أزمة بريكست أضعفت من مكانة الإتحاد الأوروبي سياسياً واقتصادياً وتجارياً، فأصبحت بريطانيا مضطرة لتوقيع إتفاقيات ثنائية مع شركائها، بعدما كانت التعاملات تتم ضمن وحدة الإتحاد الأوروبي  وقوانينه، كما أصبحت لندن كمركز تجاري مالي عالمي داخل الإتحاد الأوروبي تشهد نزوح شركات وبنوك إلى عواصم أوروبية أخرى منافسة للندن وبدأت بالمنافسة غداة الاستفتاء البريطاني على الخروج وباتت مظاهر الإنفصال تتعزز قبل البحث عن فرص للم الشمل. هنا أيضاً، تبيَّن أن وحدة الاتحاد الأوروبي ضعيفة أمام الهزات السياسية والاقتصادية نتيجة أسباب داخلية هذه المرة.

الإتحاد الأوروبي خسر بدوره، كما أشرنا، 14 في المئة من ناتجه الداخلي بانفصال بريطانيا عنه رسمياً مطلع العام 2020 وأصبح التركيز على شركاء آخرين داخل الإتحاد لتعويض هذا الفرق والتطلع إلى بناء شراكات جديدة بعدما أدّت بريكست إلى إضعاف دينامية الإتحاد الأوروبي إن كان في مجال المساحة أو السكان، فالاقتصاد والاستراتيجية. فكيف لكل هذه المسائل بأن لا يكون لها تداعيات على قدرة الإتحاد الأوروبي على صعيد العالم، ناهيك عن أنها فتحت شهية دول أخرى ترغب في استعادة سيادتها.

أمام موضوع خروج بريطانيا من عضوية الإتحاد الأوروبي قد لا نرى تداعيات هذا الخروج طويلة المدى اليوم، إنما على الإتحاد الأوروبي الإسراع في وضع استراتيجيته البديلة من دون تأخر.

أزمة من نوع آخر وبتداعيات مختلفة كلياً تشكل امتحاناً

ليس للنظام الاقتصادي الأوروبي فقط، بل للعالم أجمع.

كوفيد 19 أو وباء كورونا المستجد أو الفيروس المتحول لنسمه بهذه الأسماء المتنوعة لكن جميعها مفعولها واحد على البشر والاقتصاد في كافة أنحاء العالم، حيث كشف الوباء قدرة بعض الدول على تحمُّله وعدم قدرة دول كثيرة حول العالم، لا سيما الأقوى منها، على عدم تحمُّل تبعاته فتكشفت عيوب سياسية كثيرة وأخرى اقتصادية ومالية ومصرفية وبيَّنت هشاشة قطاعات عديدة.

وما يهمنا في الموضوع الآن هو الجانب الأوروبي الذي نخرت الفيروس عظام إتحاده وهدّدت أحد أعمدته، وكأن أزمات اليورو وبريكست لا تكفيه، لكن ما هو مؤكد هذه المرة هو التوجّه الذي ستتخذه دول الاتحاد في حماية اقتصاداتها المالية والتطلع إلى نماذج ربما جديدة وربما مكملة لما هي عليه اليوم، إلى جانب الإجراءات التحفيزية، ناهيك عن أن معالجة تداعيات الكورونا ستستنزف قدرات أوروبية كثيرة وقد تعيدنا إلى خرق المحرّمات من جديد كعجز موازنة، وحجم ديون، وسياسات تقشف غير مسبوقة، نتيجة حجم الكارثة، مع تفاوت نسب الانكماش في اقتصادات أوروبا ونذكر منها نسبة انكماش تفوق الـ11 في المئة لفرنسا، لا سيما عندما لفت الرئيس إيمانويل ماكرون في كلمة للشعب إلى أن كورونا كشفت عيوب فرنسا وأوروبا عموماً، كاشفاً عن حاجة فرنسا إلى نموذج اقتصادي جديد وأقوى يكون الحل للأزمة المالية الخانقة التي نجمت عن تفشي وباء الكورونا، كما لفت إلى ضرورة زيادة العمل وزيادة الإنتاج حتى لا نعتمد على الآخرين، حسب قوله.

ألمانيا التي عانت الركود مطلع العام وتراجع الناتج الصناعي لديها، أصابتها كورونا في اقتصادها وتتوقع فصولاً قاتمة في المرحلة المقبلة.

في الإجمال، الدول الأوروبية، كباقي دول العالم، لكن كل دولة بحسب قدرتها، أعلنت عن برامج تحفيزية لاقتصاداتها ولمساعدة المواطنين، بدءاً من دعم مادي مروراً بضمانات وصولاً إلى دعم الشركات والمؤسسات والقطاعات الحكومية وضمان قروضها ودفع رواتب موظفين مكثوا في بيوتهم نتيجة الوباء ودعم شركات اضطرت لدفع عدد من موظفيها نحو البطالة الجزئية.

أما على صعيد منطقة اليورو (19 دولة من أصل 27 في الإتحاد الأوروبي)، فقد أعرب البنك المركزي الأوروبي عن إعادة تفعيل آلية الدعم وضخ مئات المليارات من أجل احتواء الأزمة.

المفوضية الأوروبية بدورها أعلنت عن برنامج إنقاذ لمساعدة الدول المتضررة.

فإذا قارنا بين أزمة اليورو والكورونا، نلاحظ أن الأزمة المالية في منطقة العملة الموحدة أدّت إلى التوافق، وبعد جهد جهيد على معالجة موحدة للأزمة وبشكل صارم من خلال اعتماد آلية الاستقرار الأوروبية وإمكانية تدخلها إلى جانب الدولة المتأزمة ومن خلال دور البنك المركزي الأوروبي الذي لم يتأخر في معالجة المشاكل بل كان في الخطوط الأمامية، في حين أن دوره يأتي بالأخير كما تقول التجارب، بينما أزمة كوفيد 19 تتطلب تضامن وتضافر جهود كافة أعضاء الإتحاد بمن فيهم أعضاء اليورو. وهذا التضامن يجب أن يكون أكبر وبأضعاف تلك الفترة، لمواجهة الكارثة التي ستترك لا محال بصماتها على جدران أوروبا وغير أوروبا وبدأت هذه البصمات في الظهور من اليوم.

أهمية الوصول إلى تضافر القوى بين الأوروبيين في مواجهة كوفيد 19 تكمن في تفادي خروج المالية الأوروبية عن السكة من جديد، ولا سيما بين دول الجنوب، والتي قد تعيدنا إلى سياسة التقشف وإدخال مجتمعات أوروبا في حالة اقتصادية اجتماعية صعبة للغاية، وتضع الإتحاد الأوروبي أمام تحدٍ كان قد خرج منه إلى حدٍ بعيد وبصعوبة. أضف إلى ذلك، فكرة سندات الكورونا (Corona Bonds) والتي تذهب أبعد من فكرة إنشاء آلية الاستقرار الأوروبية في عز أزمة اليونان، فتقضي فكرة سندات كورونا بإدراج سندات ديون مشتركة بين دول منطقة اليورو وليس سندات محلية، هذا الطرح لاقى في البداية إعتراض ألمانيا، في إشارة إلى أن إيطاليا قد تكون المستفيد الأول من هذه السندات، حيث تعرضت لأكبر قدر من التداعيات بشرياً واقتصادياً. وعلى الصعيد الإيطالي أثار الموقف الأوروبي والألماني بشكل خاص استياء قسم كبير من الايطاليين الذين باتوا يطالبون بالخروج من التكتل الأوروبي بعدما اعتبروه أنه يسحب بساط المساعدة من تحت إيطاليا وهي ثالث اقتصاد في عضويته وفي منطقة اليورو.

وعليه، فقد أصبحت الحالة الإيطالية على لسان الكثيرين في الإتحاد الأوروبي، وبدأت الريبة من تكرار بريكست البريطانية في إيطاليا، وعندها على الإتحاد الأوروبي السلام.

في الوقت ذاته، فإن خروج أي دولة من عضوية الإتحاد الأوروبي يتطلب من هذه الدولة القيام بمجازفة من غير الواضح نهايتها، كما هو الحال اليوم بالنسبة لبريطانيا التي ترسم خريطة طريق طويل المسار حتى تعود لما قبل العام 1973، لكن ما يميِّزها عن إيطاليا في حال خرجت يوماً ما من الإتحاد الأوروبي أن بريطانيا لا تحتاج للعودة إلى عملتها لأنها لم تتخل عنها، وهذا ربما كان من حسن حظها أنها احتفظت بالجنيه الإسترليني لأن تكلفة العودة إلى العملة الوطنية واستعادة ثقة المجتمع الدولي بها ولا سيما الشركاء التجاريين سيأخذ الكثير من الوقت.

على أية حال، وأمام التطورات التي يشهدها الإتحاد الأوروبي منذ عشر سنوات وأكثر أصبح من الضروري إعادة النظر في النظام الاقتصادي الحالي والتطلع إلى إدخال مجالات جديدة أو نماذج جديدة وتفاهمات بين كافة أعضاء إتحاد أوروبا، والتوصل إلى أرضية إتفاقات تضمن معالجة أي كارثة قد تحل من جديد على دولة ما من دول الإتحاد أو عليها جميعاً كما هو الحال اليوم.

هذه النماذج ستتكشف لاحقاً حين تستفيق كل دولة من كبوتها نتيجة النعاس القوي الذي تسببته كورونا، لأن التحفيزات الحالية ليست إلا طريقة للتعامل مع حالات طارئة. والمطلوب هو البحث عن نظام اقتصادي جديد وموحد يدخل في معايير الإتحاد الأوروبي ككل وبالأخص معايير ماستريخت التي حدّدت أداء منطقة اليورو. وكما قلنا في بداية هذا الموضوع، فإن أمام أوروبا اليوم فرصة لا تفوَّت لتعيد ترتيب صفوفها، حيث إن العملاقين الأميركي والصيني يبحث كل منهما عن مخرج من تداعيات الأزمة الصحية الكونية ليتحدى الآخر من جديد. فأوروبا بإمكانها أن تسرع في البحث عن استراتيجية جديدة وجيوسياسية فرضتها التطورات الأخيرة لتحفظ ما تبقى لها من ماء الوجه.

وحتى ذلك الحين سنشهد قريباً مشاهد إقفال مؤسسات كثيرة وتسريح أرقام خيالية من الموظفين، كما وسنشهد ارتفاعاً في حجم الديون وعجز موازنات غير مسبوق وأموراً أخرى…

فلا بد أن يبحث الأوروبيون عن أوروبا المستقبل الجديد، لتكون قطباً عالمياً يحمي نفسه من جهة ويقف بوجه قيام أي نظام يعتمد على قوة عالمية واحدة تتحكم بالعالم أو أي «تنافس بين قوتين».

مازن حمود

محلل اقتصادي ومالي/باريس