الاحتياطي الصافي والاحتياطي الإلزامي ليسا وجهَين لعملة واحدة

Download

الاحتياطي الصافي والاحتياطي الإلزامي ليسا وجهَين لعملة واحدة

Article
(الجمهورية)-19/03/2021

*د. جو سرّوع

إعتمد لبنان منذ العام 1997 سياسة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية في مقابل العملات الأجنبية مدعوماً بنسب فوائد عالية، نجحت في تعقيم السيولة في الليرة اللبنانية من جهة، وجذب الودائع بالعملات الأجنبية وتحديداً الدولار إلى القطاع المصرفي من الخارج والداخل، على خلفية النمو الذي حققه الاقتصاد الوطني على امتداد مراحل عملية إعادة الإعمار والتطوير، وارتداداتها الإيجابية على القطاع المصرفي خصوصاً، والقطاعات الاقتصادية عموماً.

فلقد نمت الودائع من نحو 9 مليارات دولار عام 1993 إلى نحو 170 ملياراً في نهاية العام 2018، أي ما يساوي ثلاثة أضعاف ونصف الدخل الوطني، علماً أنّ الجزء الأكبر من هذه الودائع هو بالعملات الأجنبية وتحديداً الدولار. وعليه، فاقت القدرة التمويلية للمصارف من الودائع وخطوط ائتمان مُنحت لها من المؤسسات المالية العالمية، مثل مؤسسة التمويل الدولية الذراع التمويلية للقطاع الخاص في البنك الدولي والبنك الأوروبي للاستثمار EUROPEAN INVESTMENT BANK (EIB) وغيرهما، بكثير حاجات تمويل القطاعين العام والخاص على المديين القصير والمتوسط وكذلك المدى الطويل.

 وعليه، عمدت المصارف إلى توظيف جزء من فائض السيولة لديها مع مراسليها من المصارف حول العالم غب الطلب، وذلك لتسيير وتسهيل ضرورياتها التشغيلية – إصدار اعتمادات مستندية وكفالات عالمية… وجزء مع مصرف لبنان وجزء آخر في سندات لبنان السيادية بالدولار. وعليه، تكون المصارف قد وفّرت بالإضافة إلى تمويل القطاع الخاص، الدعم الكافي لسياسة التثبيت النقدي وتمويل القطاع العام مباشرة ومن خلال المصرف المركزي، وكذلك الدعم بصورة عامة.

المعروف في الاقتصادات الحرة مثل لبنان، أن الدعم المجتمعي يكون في إنشاء شبكة أمان شاملة وصلبة ومستدامة وصيانتها وتطويرها. في حين اقتصرت خدمات لبنان الاجتماعية عموماً على الشأنين الصحي والتعليمي، بحيث لم ترق كماً أو نوعاً إلى المستوى الذي يكفل كرامة المواطن، ولم تلبّ حاجته إلى هذه الخدمات. كما اعتمد لبنان سياسة دعم الرغيف، وموّل تاريخياً العجز في الحساب الجاري وفي الموازنة، والعجز المتمادي في مؤسسة كهرباء لبنان.

ساعدت سياسة تثبيت العملة الوطنية وعمودها الفقري النمو في الودائع والنمو النسبي في الاقتصاد على الحفاظ على بعض الثبات الاجتماعي ولو في حده الأدنى، في غياب شبكة أمان اجتماعي أُشبعت قولاً وأَمْسَكت فعلاً.

 النمو المؤثر الأخير الذي حققه اقتصاد لبنان كان في السنوات 2008 و2009 و2010، ليسجل على مدى هذه الأعوام مجتمعة 24 في المئة، من دون أن ينتج هذا النمو أي فائض أولي مؤثر في الموازنة، من شأنه أن يُستعمل في تخفيف الدين، بل بالعكس ترسّخت حلقة المالية العامة المُفرغة المتمثلة بتنامي الدين العام والعجز في الموازنة، وبالتالي ترسيخ ائتلاف منظومة الهدر والفساد والتهرّب الضريبي واستباحة حق الدولة في مواردها، ما حال دون التوزيع العادل للثروة، وبالتالي غياب العدالة الاجتماعية الذي أنتج تداعيات ساهمت في انحلال الطبقة الوسطى وعلى فئات المجتمع الفقيرة والأكثر فقراً والمعدمة، والذي تمظهر بوقاحة بإعادة هندسة اجتماعية بين الذين لديهم فائض التخمة، والذين ليس في وسعهم إلا القلق والغضب وعدم التأكد والحسرة والإحباط والجوع.

خرج لبنان من السنين السمان الأخيرة إلى بداية سنين عجاف بدءاً من العام 2011، بداية الحرب في سوريا والتي لم تتمّ فصولاً إلى الآن، واتسمت هذه السنين بالإضافة إلى الوهن الاقتصادي والمالي والانهيار المرحلي النقدي والاجتماعي بالتغذية التصاعدية للاقتصاد السوري بكل مكوّناته وحتى النقدية، في ظل نمو تراجعي في الاقتصاد الوطني والودائع في المصارف، والعجز المتنامي في الحساب الجاري، ومحاولة ردم هذا العجز بهندسات مالية مُكلفة أثارت جدلاً وانسحبت سلباً على سيولة المصارف لدى البنوك المراسلة. وتبيّن لاحقاً أنّ هذه الهندسات المالية وعلى امتداد تاريخها وتنوّعها، إنما كانت كسباً للوقت في انتظار إصلاح اقتصادي ومالي مرتجى، فتمادى في عصيانه محوّلاً ما كان مسألة فيها نظر إلى أزمة منتظرة، ومن ثمّ إلى مشكلة فأزمة عمّقها سوء الإدارة، وفشلها المتمادي في التعامل الجدي مع أمور البلاد القديمة والمستجدة وتعاليها على الناس، وإغفالها ونكرانها للنزيف الوريدي في بنية المالية العامة، ومخزون النقد الأجنبي في المصرف المركزي، ما فرّخ أسعاراً عديدة ومتنوعة للعملة الوطنية، وتنازلاً قسرياً عن السياسة النقدية إلى سوق سوداء منظمة وغير شفافة وممتدة إلى بعض الأسواق المجاورة، التي تعاني شحاً في النقد الأجنبي وقصوراً في تغذيتها الذاتية لاقتصادها، بما فيها الضروريات الحياتية والمستلزمات الصحية.

لقد أوصل لبنان الإداري بالمعنى الشامل ذاته بذاته، وأوصل ناسه إلى المأزق الحالي والمتفاقم بالدقائق، الذي أصبح فوق نطاق القياس والمقاييس والأوزان بكافة المعايير، في ظل نأي السلطة عن واجباتها ومسؤولياتها والتمسك بمصالحها.

من هذا المنطلق، من العبث إن لم يكن من السذاجة التخطيط لأي غدٍ ذات معنى حقيقي للتعافي الاقتصادي والمالي والاستقرار الاجتماعي. الهدر الذي أصاب مقدرات الوطن وموارده، ناهيك عن الفساد المتمادي وحتى الهدر الذي نتج عن الدعم غير المنضبط والمستباح والذي يُقدّر بالمليارات، والذي لم يجنِ منه مَن هو في أشدّ الحاجة إليه، مَن هو حقاً له وواجباً، إلا النذر اليسير اليسير، في سنوات الخير، فكيف يكون شأنه في زمن لحس المبرد الحالي. الموارد تبخّرت والمليارات تبعثرت. والواقع يقضي بأنّ البكاء على رأس الحصان النافق لا يجدي.

 الجدوى تكمن في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتوظيفه في الحلول الناجعة والمجدية المتزنة والمتوازنة، والتي باتت معروفة ولا لزوم لتعدادها.

الدعم على أحقيته ليس هدفاً بذاته، الهدف هو أن يصل إلى مستحقيه والوسيلة شبكة أمان اجتماعي كما قلنا سابقاً، تكون شاملة وكاملة ومستدامة. ماذا بالحري إذا تم الدعم بالسياسة والمنهجية والانضباط والحوكمة، الذي تم الدعم في أطرها.

في الأصل الدعم هو مسؤولية الدولة وليس المصرف المركزي، الذي تنحصر مسؤوليته بتوفير العملات الأجنبية عند اللزوم، بأسعارها المتداولة أو أن يقرضها إلى الدولة، في حال كان لديها القدرة على الايفاء. وفي مطلق الأحوال، يجب أن يُدرج الدعم بكل تفاصيله في موازنة الدولة وفي مشروع خزينتها، وتحديد سبل تموينه. في هذا الإطار، إننا نعتبر الاستسهال في استعمال الاحتياطي الإلزامي في موضوع الدعم، أمر يستدعي التوضيح: لدى المصرف المركزي نوعان أساسيان من الاحتياطي، الأول يتمثل بالاحتياطي الصافي وهو الناتج بين أصول المصرف المركزي الخاصة والسائلة ومطلوباته السائلة، والهدف الأساسي والاستراتيجي لهذا الاحتياطي هو إدارة العملة الوطنية وصيانتها في إطار السياسة النقدية، بشقيها النقدي ومستوى الفوائد الدائنة والمدينة. والإدارة الجيدة والمجدية للسياسة النقدية تساهم في إدارة مستويات التضخم وتداعياتها سلباً أو إيجاباً على مستويات النمو في الناتج المحلي.

في حين أن الاحتياطي الإلزامي هو ناتج عن عملية دينامية، تُبنى على إيداع كل مصرف من البنوك العاملة في لبنان في حساب خاص باسم البنك المعني، يُعرف بحساب الاحتياطي الإلزامي بنسبة 15 في المئة من قيمة ودائعه بالعملة الأجنبية المدوّنة في موازنة المصرف السنوية المدققة من قبل مدققي حساباته الخارجيين. الهدف من هذا التدبير هو ضمان جزئي للودائع إضافة إلى ضمان الودائع المقرّ قانوناً في حال تعثّر المصرف المعني.

 هذان النوعان من الاحتياطي المكوّنان من عملة واحدة من حيث اشتراكهما في الشق الأول من الاسم، ويختلفان استراتيجياً في الهدف، أي أنهما ليسا وجهين لعملة واحدة.

هناك أيضاً ناتج إجمالي بين الأصول بالعملات الأجنبية الواردة في موازنة البنك المركزي والمطلوبات، وهذا يشمل بالإضافة إلى أصول ومطلوبات المصرف المركزي الذاتية، ودائع المصارف والهيئات… ويُعرف المركز بالعملات الأجنبية POSITION، أي صافي المجموع العام بالعملات الأجنبية في حوزة المصرف المركزي، والتي باستثناء الاحتياطي الصافي، يجب أن تُعاد إلى أصحابها إذا طلبوها عند استحقاقاتها.

في الخلاصة، إن الاحتياطي الصافي هو المورد الاستراتيجي الحاضر للمصرف المركزي لإدارة السياسة النقدية. ودائع المصارف في المصرف المركزي بكل منتوجاتها المالية، فهذا شأن بين المصارف والمصرف المركزي. كما أن ودائع الناس شأن بين المودعين ومصارفهم. أما استباحة الاحتياطي الإلزامي الذي يموّل عملياً بجزء من ودائعهم، فأية استباحة له من أية سلطة كانت مؤتمنة كالمصرف المركزي أو أية سلطة أخرى، يُعدّ انتقاصاً من حقوق المودعين، وشأنه في هذا شأن أي انتقاص آخر حاصل الآن في حقوق المودعين ويُعتبر مثابة HAIR CUT مباشر على ودائعهم.

 في الخلاصة، إن وضع لبنان الحالي يشكل مزيجاً ممسوخاً من اقتصاد حر بعملانية اشتراكية بثقافة مركنتالية MERCANTILE، في ظل دولة فاشلة غير منتجة ومن دون هيبة.

المطلوب إصلاح شامل حقيقي ذو معنى، في ظل حوكمة جيدة وعادلة، الأمس قبل اليوم واليوم قبل غد، وخلافه فالأكلاف ستتضاعف بالدقائق على كل الصعد المالية والنقدية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الأمنية. ونخشى ألا ينفع الندم بعد العدم.