الاقتصاد الرقمي ضمن أولويات الخليج

Download

الاقتصاد الرقمي ضمن أولويات الخليج

Arabic News
(القبس)-15/01/2021

شهد العام المنصرم أحداثاً مهمة في مختلف المجالات، أبرزها جائحة كورونا التي غيرت مسار الاقتصاد العالمي وفرضت واقعاً جديداً على القواعد الاقتصادية، بحيث فرضت التجارة الرقمية نفسها الخيار الأمثل للمستهلك، وفي الوقت الذي توقفت فيه عجلة الاقتصاد التقليدي، برز الاقتصاد الرقمي لتغطية احتياجات الدول والمواطنين وأظهر تحدي جائحة كورونا المستجد ما يمكن تحقيقه من خلال التعاون بين دول العالم في مواجهة هذا الوباء.

وقد أجمعت دول مجلس التعاون الخليجي في إعلان العُلا الصادر عن قمتها الأخيرة (قمة السلطان قابوس والشيخ صباح) على تشجيع المبادرات المتعلقة بالاقتصاد الرقمي وتطوير التجارة الرقمية بين دول المجلس، وتعزيز التعاون بين مؤسسات المجلس ومنظمة التعاون الرقمي، كما قام أصحاب الجلالة بتكليف الأمانة العامة للمجلس بالمتابعة ووضع الخطط والبرامج لتنفيذ ذلك بالتعاون مع بيوت الخبرة المتخصصة.

التجارة الإلكترونية الخليجية

برَزَت التجارة الإلكترونية في دول الخليج في العقد الأخير كإحدى القطاعات الواعدة، نظراً إلى نموها السريع ومبيعاتها الكبيرة وآفاقها الجاذبة التي لفتت أنظار كبار اللاعبين في العالم في التجارة الرقمية. فخلال خمس سنوات فقط (2015 – 2020)، أظهرت التقديرات أن نمو سوق التجارة الإلكترونية في دول التعاون بلغ 32%.

عوامل اقتصادية وديموغرافية قوية تقف وراء هذا الازدهار الذي يشهده سوق التجارة الإلكترونية في المنطقة، في طليعتها اهتمام حكومات دول المجلس بالبنية التحتية الرقمية والابتكار التي فتحت فرص الانطلاق والنجاح والتطور أمام رواد الأعمال الخليجيين.

50 مليار دولار.. تجارة

تبدو آفاق الصناعة مشرقة، وهو ما تؤكده تقديرات خبراء وشركات أبحاث ترى أن التجارة الإلكترونية في دول الخليج مؤهلة للنمو، إذ تتوقع مؤسسة «كيرني- الشرق الأوسط»، في تقرير صدر عنها مؤخراً، أن يصل حجم التجارة الإلكترونية في دول المجلس إلى 50 مليار دولار بحلول عام 2025، وأن تصبح التجارة الإلكترونية المصدر الرئيسي لنمو قطاع التجزئة خلال السنوات الخمس المقبلة.

تعتبر دول التعاون من البلدان السبَّاقة عربياً وعالمياً في تطبيق مفهوم الشمول المالي، نظراً إلى انتشار وتطور الخدمات المالية والمصرفية فيها، واستخدامها أحدث التقنيات لتقديم كافة الخدمات عبر الهاتف المحمول والإنترنت، مما جعل معدلات الشمول المالي فيها مرتفعة، حيث تصل نسبة ملكية الحسابات المصرفية في هذه الدول إلى أكثر من 80%، وهي نسبة تفوق المعدل العالمي البالغ 62%. هذا الأمر يفسر ارتفاع نسبة المدفوعات الإلكترونية في الخليج، وينسحب ذلك على زيادة عمليات الشراء عبر الإنترنت، لاسيما خلال جائحة كورونا.

ثانياً، يتميز المجتمع الخليجي بطاقات بشرية شابة تمثل أكثر من نصف تعداد سكانه. وفيما يشكل عاملاً مساعداً لدعم التجارة الإلكترونية، يشكل الشباب (دون 40 عاماً) حوالي 70% من عملاء الخدمات المصرفية الإلكترونية في دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب أن معظم العملاء الذين يستخدمون الخدمات الإلكترونية في البنوك الخليجية تتراوح أعمارهم بين 21 و40 عاماً. هذه الفئة مولعة بالابتكار وبارعة في استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، وتعد أكبر شريحة تستخدم المدفوعات الإلكترونية عند التسوق عبر الإنترنت.

معدلات الاختراق

ثالثاً، تصل معدلات اختراق الإنترنت إلى حوالي 92% في دول الخليج، وهو نفس مستوى معدلات اليابان وأميركا وكوريا الجنوبية تقريباً. كما تحتل دول التعاون أيضاً المركز الثالث بعد اليابان وأميركا الشمالية في معدل اختراق الهواتف النقالة، حيث تصل نسبته إلى حوالي 78% مقارنةً مع حوالي 48% في العالم العربي.

رابعاً، هذه البنية التحتية التقنية القوية الناتجة عن جهودٍ حكوميةٍ خليجيةٍ ساعدت في تمهيد أساسٍ سليمٍ لسوق التجارة الإلكترونية، التي استفادت أيضاً من توجّه دول المجلس في السنوات الأخيرة إلى دعم الابتكار وريادة الأعمال كإحدى ركائز خططها التنموية الوطنية الرامية إلى تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط.

ورغم وجود بعض العوائق التنظيمية، فإن رواد الأعمال الخليجيين الشباب استطاعوا تسخير البيئة الرقمية المتطورة والاستقرار الاقتصادي والسياسي وارتفاع معدلات الدخل والدعم والتسهيلات الحكومية في دولهم في إطلاق منصات تجارة إلكترونية رائدة، وتعزيز هذا القطاع الذي تجاوز حجمه 21 مليار دولار. وتأتي المملكة العربية السعودية في المقدمة كأكبر سوق تجارة إلكترونية خليجياً بقيمة 8.3 مليارات دولار، تليها دولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة 7.5 مليارات دولارات.

الكويت بين الأعلى استخداماً لـ«التواصل»

يعد الخليجيون بين أعلى مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم. وبحسب إحصائيات، يصل معدل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الإمارات وقطر %99 وهو الأعلى في العالم، ويصل في الكويت إلى 98%، وفي البحرين 92%. أما السعودية، أكبر سوق خليجي، يبلغ عدد المستخدمين النشطين على انستغرام 12 مليون مستخدم، و11 مليوناً على تويتر، و14 مليون مستخدم على سناب تشات. وشهد الإنفاق على الإعلانات الرقمية في الخليج هي الأخرى تطوراً سريعاً في السنوات القليلة الماضية، في حين بلغ إجمالي الإنفاق على الإعلانات الرقمية 6.51 مليارات دولار في 2020 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

أنماط سلوكية جديدة

انعكاساً لنمو الاقتصاد الرقمي في دول الخليج، طرأ على النمط السلوكي لدى المستهلك وتاجر التجزئة الخليجي تغيراً كبيراً في العقد الأخير، من خلال زيادة استخدام المدفوعات الإلكترونية وتطور البنية التحتية الرقمية وزيادة منصات التسوق عبر الإنترنت.

وبعد أن كانت تذاكر الطيران وحجوزات الفنادق تستأثر بالحصة الأكبر من التسوق الإلكتروني لدى المستهلك الخليجي، أخذت قطاعات الأزياء ومواد التجميل تتصدر قائمة المشتريات الإلكترونية، إضافة إلى قطاع توصيل الطعام والبقالة. وتزيد أرباح هذين القطاعين مجتمعين على 8 مليارات دولار.

نموذج ناجح في اقتصاد المعرفة

تعتبر دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية نموذجاً يحتذى على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في التحول من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد المعرفة، عبر احتضان الابتكار وتطوير بنيتها التحتية الرقمية. وهذا الأمر اتضح جلياً عندما سارعت الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي إلى تنظيم أول مؤتمر خليجي للتجارة الإلكترونية في عام 2005، عقد في العاصمة الإماراتية أبوظبي، وخرج بتوصيات، منها تقديم الدعم المادي من خلال تخصيص منحة لدعم مشاريع التجارة الإلكترونية التعاونية الرئيسية.

شركات خليجية مُشرّفة

من جهة أخرى، تمثل الشركات الناشئة الخليجية نموذجاً مشرفاً في التحول نحو اقتصاد المعرفة، وكتب العديد من رواد الأعمال الشباب الخليجيين قصصاً ناجحة في الابتكار والاستفادة من تغير أنماط استهلاك الأفراد مع انتشار الهواتف الذكية، ولفت هذا النموذج الناجح أنظار الشركات العالمية الرائدة خارج دول التعاون، التي سعت إلى إبرام شراكات مع هذه الشركات المحلية أو الاستحواذ عليها. من أبرزها طلبات، ونون، ودوبيزل، وسوق.كوم. في عام 2017، واستحوذت شركة أمازون على سوق.كوم مقابل 579 مليون دولار.

200 % زيادة المبيعات

على عكس قطاعات اقتصادية كثيرة تضررت، شهدت منصات التجارة الإلكترونية الرائدة في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي ارتفاعاً ملحوظاً خلال جائحة كوفيد-19، نتيجة تنامي عمليات الشراء عبر هذه المنصات خلال فترة الإغلاق، التي طالت كافة متاجر بيع التجزئة، مما أدى إلى زيادة حجم المبيعات بشكل ملحوظ وصلت في بعض المنصات إلى أكثر من 200%.