البنك الأوروبي المركزي يُطلق جهاز الإنقاذ.. – العدد 472

Download

البنك الأوروبي المركزي يُطلق جهاز الإنقاذ.. – العدد 472

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 472 آذار/مارس 2020

كورونا 2019 ضرب العالم صحياً واقتصادياً

البنك الأوروبي المركزي يطلق جهاز الإنقاذ.. وإنجازات ماستريخت في خطر

من المؤكد أن تأثير كورونا سيظل محفوراً في ذاكرة التاريخ وسينسف كل ذكريات الأزمات المالية والاقتصادية العالمية السابقة، هذا في حال انحسرت أضرار كورونا غداً وانتهت تداعياته عند هذا الحد.

الفيروس ضرب البشر والاقتصاد والمجتمع على عكس أزمة العقارات الأميركية التي ضربت الحجر وأسواق المال، وأصبحت حتى الآن نقطة في بحر تداعيات كورونا (Covid-19) المستجد، فالعالم انهزم فعلاً أمام هذا الفيروس الذي بيَّن ضعف نظام العولمة وضعف أعمدة المؤسسات العالمية على تحمل الصدمة على الرغم من الأرقام الخيالية التي أعلنت السلطات من هنا وهناك استعدادها لضخها في القنوات الإقتصادية لاستمرار عجلة الاقتصاد في السير وتأمين مستلزمات الشركات ودفعها نحو الصمود بوجه الانهيار. فهل ستنجح هذه المبادرات؟

قد يقول القارىء بأن هذا المقال متشائم، لكن هذه هي الحقيقة، لأن الامور تسير بسرعة لا تترك لأصحاب القرار التفكير بإيرادات فعّالة على المديين المتوسط والطويل بدءاً من الصين مروراً بأميركا وصولاً إلى الاقتصادات الأوروبية والآسيوية، ناهيك عن الاقتصادات الفقيرة والاقتصادات الناشئة أو الصاعدة التي تحتاج إلى شريك.

الإنتاج الصناعي والمصانع توقفت في الصين، أسواق المال في الصين والولايات المتحدة وأوروبا والخليج لم تسلم من فيروس الكورونا الذي من الممكن أن نصفه أيضاً بفيروس اقتصادي استطاع أن ينخر عظام البيئة الاقتصادية العالمية بسرعة غير متناهية ويهدم أعمدة أسواق مال كبيرة حول العالم من ناحية الرسملة وتبخرت آلاف المليارات من الدولارات واليوروهات خلال عدة تعاملات مع تراجع مؤشرات أبرز البورصات العالمية إلى مستويات تاريخية ولا زالت تسجل خسائر إضافية، وعلى سبيل المثال تراجع مؤشر بورصة باريس في تعاملات يوم واحد إلى أكثر من 12- في المئة لأول مرة في تاريخ البورصة الفرنسية ولم يشهد المؤشر هكذا تراجع في يوم واحد لا في أزمة 1987 ولا 1989 ولا أزمة المال الآسيوية ولا حتى أزمة 2002 في بورصات التكنولوجيا ولا في  subprimes 2008 الأميركية، وبهذا المثل ندخل إلى تداعيات فيروس الكورونا على أبرز بلدان الاتحاد الأوروبي عموماً ومنطقة اليورو خصوصاً.

بعد سلسلة من الهبوط التاريخي لأسواق مال أوروبا بمعدلات خلال ساعات فقط سجلت 12 في المئة تحت الصفر في كل من ألمانيا وفرنسا و16 في المئة تحت الصفر لمؤشر بورصة إيطاليا /إيطاليا التي انكسرت عافيتها البشرية والاقتصادية والاجتماعية في المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين والأولى أوروبياً ما جعل من أوروبا بؤرة الكارثة الصحية والاقتصادية على حد سواء. اقتصاد إيطاليا كما نعلم هو الثالث في منطقة اليورو بعد ألمانيا وفرنسا ويعاني مسبقاً من ضعف في النمو والموازنة وقطاعها المصرفي يواجه تحديات أصول غير مضمونة، وذلك من مخلفات أزمة المال الأوروبية في العام 2010 وبعدها، إيطاليا التي تحتاج دائماً إلى بنك أوروبا المركزي أعلنت عن تخصيص عشرات المليارات من اليوروهات لمساندة المواطنين في احتياجاتهم، ولا سيما الذين تضرروا من الكورونا اجتماعياً كترك الوظيفة نتيجة العزل المنزلي، وخاصة من لم يستطع العمل عن بعد، وكذلك الأمر تخصيص عشرات المليارات الأخرى للشركات، وهذا كله يستدعي يوماً ما عندما نخرج من هذه الكارثة الكونية إعادة خلط أوراق داخل إيطاليا وبين إيطاليا ومؤسسات الاتحاد الاوروبي، ناهيك عن تراجع كبير في النمو ستعرفه البلاد، ونسبة الدين التي تفوق 130 في المئة من الناتج الإيطالي الإجمالي.

إيطاليا لا شك هي الأكثر تضرراً بشرياً في أوروبا كما من الناحية الاقتصادية أيضاً لأن الكارثة حلت عليها واقتصادها ضعيف، بينما هناك اقتصادات مثل اقتصاد ألمانيا القوي إلى حدٍّ ما في العام 2019 ، رغم فترات الركود التي عرفها الاقتصاد الأول في المنطقة، حيث من الممكن لألمانيا أن تواجه هذه المحنة أكثر قوة من إيطاليا، وأعلنت ألمانيا عن حزمة إجراءات تهدف إلى تعزيز الاقتصاد بوجه التحديات التي فرضها مثل مساعدة الشركات المتضررة على الحصول على أموال وقروض، مساعدة الموظفين الذين تواجدوا من دون عمل وتخصيص رواتب بطالة إجبارية جزئية أو كلية، تسهيل القروض من البنوك لمن يحتاج إليها من شركات في حال تراجعت خزانة الشركة والاحتياطي لديها من المال، كما خصصت السلطات الالمانية 13 مليار يورو للاستثمار في المستشفيات والبنى التحتية. المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أعلنت في إطار تبسيط الجهود لمكافحة الكورونا عن استعدادها التخلي في الوقت الحاضر عن قاعدة عجز صفر في المئة بالموازنة وترك العنان للمصاريف الحكومية لكبح تداعيات الفيروس على الاقتصاد الأول في المنطقة.

أما فرنسا فسجلت أكثر من 2100 شركة فيها حتى منتصف شهر آذار/مارس 2020 تراجعاً في أدائها وأغلق القسم الأكبر منها ولجأت إلى وضع القسم الأكبر من موظفيها على البطالة الجزئية ما يعزز من تداعيات الأزمة على كاهل الدولة التي ستتحمل عبء رواتب هؤلاء الموظفين، حيث وجدت نفسها في فوهة مدفع تحمل المسؤولية لمجابهة أخطر أزمة تعرفها البلاد في التاريخ المعاصر. وللإشارة لم تقم الشركات الفرنسية بهكذا إجراء خلال تداعيات الأزمات الاقتصادية السابقة العالمية والمحلية.

تداعيات الكورونا على فرنسا وأغلب دول أوروبا تتركز بمجملها على قطاعات السياحة والفنادق والمواصلات مع إقفال الفنادق والمطاعم والمقاهي والأندية وصالات السينما وإلغاء رحلات الطيران، العنصر السياحي الأبرز في فرنسا والذي يحتل المرتبة الأولى بين 70 مليون سائح سنوياً هو الزائر الصيني. وهذا الزائر كانت بلاده أول من زارها الكورونا. فلنتخيل التداعيات المترتبة على الدخل الفرنسي مع توقف السياح الصينيين عن المجيء.

إلى جانب هذه القطاعات نشير إلى تضرر القطاع الصناعي، حيث إن إيطاليا الشريك الصناعي الأول لفرنسا وكلا البلدين في ورطة، وركود الحركة في إيطاليا ينعكس سلباً ومباشرة على فرنسا، حيث إن الاقتصاد الفرنسي الصناعي يعتمد على طلبيات إيطاليا أكثر من الصين، ناهيك عن توقف شركات تصنيع السيارات. قطاعات كثيرة في فرنسا وغير فرنسا من البلدان الأوروبية أصبحت متوقفة، العجلة الاقتصادية أغلقت أمامها كل الطرقات ولم تعد قادرة على السير.

شركات فرنسية كثيرة لم تعد قادرة على مواكبة موظفيها وقيمتها السوقية في البورصة مُحيت إذا صح التعبير، وسوق العمل أصبحت مهددة بانفجار وكل ذلك يحتاج لدعم واحتياط مالي غير مسبوق، خسرت سوق المال الفرنسية أكثر من 35 في المئة منذ مطلع العام على الأقل.

السلطات الفرنسية أعلنت عن 300 مليار يورو لمساندة الشركات التي اقترضت من أجل تحقيق استثمارات، ووجدت نفسها اليوم أمام الأمر الواقع عاجزة عن المواصلة وموظفوها محجوزون في منازلهم مثل الكثير من البلدان في العالم. هذا ليس كل شيء فالقطاعات المتضررة كثيرة وما زال العداد يسجل الأضرار في فرنسا وفي غير فرنسا ودخلنا منذ الآن في حقبة الركود قبل الانكماش.

اقتصاد إسبانيا الرابع في منطقة اليورو وهي الثانية في المنطقة في الأضرار البشرية التي سبَّبها فيروس الكورونا المستجد، قد تخسر ما يُتطلع إليه من نمو اقتصادي هذا العام بنسبة 1.6 في المئة مدعوم بتراجع عدد العاطلين من العمل إلى 14 في المئة بعدما كان المعدل أكثر من 26 في المئة نتيجة أزمة المال الأوروبية عام 2010 . قطاع السياحة في إسبانيا الذي ضربه الكورونا في الصميم يشكل 13 في المئة من ناتج المملكة الإجمالي، شركات تصنيع السيارات توقفت عن التصنيع كما تعطلت كل الأنشطة التي تحقق مداخيل للبلاد.

إسبانيا اليوم تعاني من نسبة دين عام بـ 95 في المئة من الناتج الإجمالي ونسبة عجز موازنة بـ5.2 في المئة من الناتج ذاته، وأعلنت عن تخصيص 200 مليار يورو لمواجهة تداعيات الفيروس وهذا الحجم يساوي 20 في المئة من الناتج الإسباني الإجمالي.

أمام هذا الهول من الكوارث الاقتصادية التي أحدثها الكورونا المميت، شبَّه رئيس المجموعة الأوروبية Marcie Centeno التداعيات حتى اليوم بتلك التي ينطبق عليها تداعيات حرب على الاقتصاد الأوروبي، الأوروبيون قد يضطرون كما فعلت ألمانيا التخلي عن عدة محرَّمات مالية وترك القرارات حرة لكن مع بعض الانضباط من أجل مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة، ولا سيما تحقيق التشدد بخصوص احترام معايير ماستريخت في حجم الدين والعجز في الموازنة قياساً للناتج المحلي الإجمالي لكل دول عضو في منطقة اليورو، وبالتالي نسف كل الإنجازات التي حققتها هذه الدول ولا سيما التي تلقت صفعة من أزمة أوروبا المالية عام 2010.

 انطلاقاً من هنا ونزولاً عند الضرورة التي فرضها الأمر الواقع، دخل البنك المركزي الأوروبي على الخط وأعلنت رئيسته الفرنسية كريستين لاغارد عن حزمة إسعاف مالية بقيمة 750 مليار يورو عبارة عن آلية لشراء سندات حكومات البلدان المتضررة اقتصاداتها من وباء الكورونا وضخ سيولة بقيمتها.

لاغارد وصفت حتى الآن تداعيات كورونا الاقتصادية بتلك التي نتجت عن أزمة العقارات الأميركية عام 2008 ، واعتبرت أن أي تقصير في معالجة هذه الأزمة من قبلنا كأوروبيين سيضعنا بوجه مخاطر أقوى من مخاطر أزمة العام 2008، مؤكدة أن البنك المركزي الأوروبي سيستخدم كل ما لديه من أسلحة لمواجهة حرب الكورونا، لا شك أن تصريحات رئيسة المؤسسة النقدية الأوروبية شديدة اللهجة، وتعكس خطورة الظروف الصعبة التي تمر بها القارة الأوروبية هذه الأيام وباقي دول العالم، حيث ينتقل الكورونا بكل حرية ومن دون حدود ولا جواز سفر.

لاغارد قالت إن الصدمة قد تكون مؤقتة ومع ذلك فالبنك الأوروبي المركزي مستعد لاستخدام كل ما يملك من وسائل، وبالتحديد وضع آليات تمويل للدول المتضررة رخيصة التكلفة، وكذلك الأمر دعمها بالسيولة لكي لا يحصل شح لوجود العملة في الأسواق، والمقصود الأسواق المصرفية والمالية، إلى جانب مساعي لاغارد يضاف الإعلان الفرنسي عن 300 مليار يورو لمساعدة القطاعات المحلية والإعلان الألماني مع موافقة البرلمان على تخصيصه 1100 مليار يورو لمساندة أعمدة أقوى اقتصاد في المنطقة، ناهيك عن عشرات المليارات التي أبدت إيطاليا استعدادها، رغم كارثتها، عن صرفها لمساندة قطاعاتها المتضررة، كما طلبت إيطاليا رسمياً مساعدة من الآلية الأوروبية للاستقرار MSE التي تم استحداثها بعد أزمة اليونان وإسبانيا عام 2010 وما بعد لمساندة الدول الأوروبية بوجه الأزمات الاقتصادية والمالية.

خطوة البنك المركزي الأوروبي جاءت بعد خطوة مشابهة أطلقها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي)، كذلك الأمر بنك بريطانيا المركزي، وقام هذان المصرفان أيضاً بتخفيض معدل الفائدة المركزية، فالبنك المركزي الأوروبي سيطلق العنان لموجة جديدة من القروض لبنوك منطقة اليورو على فائدة معدومة بهدف أن تساهم هذه المصارف بدورها بمد المؤسسات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة الحجم، كما وبإمكانه زيادة حجم الحصة الشهرية التي يشتري بها سندات حكومية من بلدان اليورو.

رئيسة البنك المركزي الأوروبي شدّدت على أن هذه الإجراءات لن يكون لها الأثر المطلوب إن لم تقم الحكومات المستفيدة منها بإيرادات تساهم بدعم اقتصاداتها، الدول المقصودة قالت من جهتها إنها ستلتزم بإنشاء صندوق إستثمار بقيمة 25 مليار يورو كمرحلة أولى لإمتصاص الصدمة الاقتصادية التي أحدثتها الأزمة الصحية، وذلك على صعيد تأمين السيولة للشركات وتأمين معاشات للموظفين الذين وجدوا أنفسهم في بطالة جزئية، حيث تدفع الدولة أكثر من 75 في المئة من الراتب الصافي لصاحبه.

كريستين لاغارد التي استلمت إدارة وترؤس البنك الأوروبي منذ أقل من أربعة أشهر تتواجه اليوم بوجه تجربة غير مسبوقة وغير معروفة الحدود، كما تجد نفسها بين نارين، إما التصرف بما تقتضيه التطورات وبكل دقة والوقوف عند الأرقام الفعلية، وإما السماح بخرق المحرمات الأوروبية التي تأسست على قواعدها منطقة اليورو كخرق الحدود المسموح بها بالدين العام وعجز الموازنة.

وبكل الحالات بعد الخلاص من أزمة الكورونا والوقوف على أطلال الأزمة وتعداد حجم الكوارث التي تسبَّب بها الفيروس للعالم، لا شك أن حكومات أوروبا ستعود إلى سياسات التقشف والتفكير في كيفية سداد ما تحصلت عليه ومساعدة شعوبها الذين أصيبوا بأقوى أزمة لم ترحم الصحة ولا الاقتصاد.

وكما هو الحال اليوم يجب أن نقر بأن الاقتصاد العالمي لا يجب أن يعتمد بعد اليوم على اقتصاد يكون نموذجاً أو اقتصادين، كما كان الأمر قبل الأزمة، فهذه المرة الأمور اختلفت والاقتصادات الكبرى كالأميركي والصيني بيّنا أن وباءً ينسفهما بكل سرعة وبكل بساطة، وعليه يجب التطلع إلى اعتماد صيغة عالمية شبيهة بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي لكن مخصصة لأزمات مشابهة كصندوق للكوارث الصحية تساهم فيه كل دول العالم، حيث لم تعد الرأسمالية بمنأى عن الاهتزازات، مثلما يحصل اليوم، ولا الاقتصادات الفقيرة والأخرى الناشئة هي أيضاً عادت قادرة على تحمّل الصدمة. n

مازن حمود

محلل اقتصادي ومالي/باريس