البنوك البريطانية والفروع الأجنبية  تُلملم أمتعتها وتستعد لمغادرة البلاد

Download

البنوك البريطانية والفروع الأجنبية  تُلملم أمتعتها وتستعد لمغادرة البلاد

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 480- تشرين الثاني/نوفمبر 2020

عشية القطيعة من دون رجعة بين بريطانيا والإتحاد الأوروبي

البنوك البريطانية والفروع الأجنبية  تُلملم أمتعتها وتستعد لمغادرة البلاد

على بُعد أسابيع قليلة من إنتهاء المرحلة الإنتقالية للفراق بين بريطانيا والإتحاد الأوروبي مطلع العام 2021، واصلت البنوك البريطانية وأُخرى أجنبية إستعداداتها لتكون عملية خارج الحدود، مع تحويل عدد كبير من موظفيها وعملياتها البنكية إلى دول في الإتحاد تجد فيها إستمرارية لنشاطها، حيث سيخلق الإنفصال عن الإتحاد الأوروبي بيئة إقتصادية ومصرفية جديدة سيكون من الصعب عليها التأقلم معها فوراً، والحفاظ على تعاملاتها وزبائنها في الوقت نفسه.

وبحسب تقرير حديث لمجموعة التدقيق في العمليات المالية والإستشارات «إرنست إند يونغ» –  Ernst & Young)‏) العالمية، فإن أكثر من 400 تحويل لموظفين وخدمات مالية بريطانية إتجهت نحو بلدان داخل الإتحاد الأوروبي في نهاية الفصل الثالث من العام الحالي، ما يرفع عدد الوظائف التي نزحت خارج المملكة المتحدة إلى أكثر من 7500 وظيفة. كما واصلت المؤسسات المالية والبريطانية عموماً في الإسراع في حركة الإنتقال خارج البلاد لتكون مستعدة في مطلع العام 2021 تاريخ الإنفصال الفعلي لمواجهة السوق مع دخول ظروف جديدة على الحياة العملية، وبحسب شروط متفق عليها بين الجهتين، حيث إن المفاوضات بين بريطانيا والمفوضية الأوروبية تارة تسير نحو الخلاص وتارة أخرى تتعقّد ويتبادل الطرفان التهم بعرقلتها.

فالبنوك التي ستبقى داخل بريطانيا ستُحرم من جواز سفرها الأوروبي الذي كان يؤمّن لها عرض خدماتها في سائر المنطقة الأوروبية في فترة عضوية بريطانيا في التكتل. أضف إلى ذلك، فإن الكثير من هذه البنوك أبلغت المتعاملين معها والمقيمين في الإتحاد الأوروبي بأن حساباتهم لديها سيتم إقفالها.

في إطار هذه التطورات، وخلال منتدى المال الدولي في باريس في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، قدم حاكم مصرف فرنسا المركزي François Villeroy de Galhau مراجعة بخصوص عدد المؤسسات المالية والمصرفية التي عادت إلى فرنسا. وفي هذا الموضوع أشار الحاكم إلى أن هيئة الرقابة الإحترازية والقرارات ACPR، التي يلتحق عملها مباشرة بعمل المصرف المركزي الفرنسي وتُعنى بالحفاظ على إستقرار النظام المالي وحماية الزبائن، سمحت في شهر أيلول/سبتمبر الماضي لنحو 43 مؤسسة متابعة نشاطاتها المصرفية والمالية في فرنسا غداة الإنفصال بين بريطانيا وأوروبا.

ومن بين هذه المؤسسات يوجد أربع مؤسسات قروض، 21 مؤسسة إستثمار وسبعة فروع مصرفية تابعة لدول في الإتحاد. أضف إلى ذلك، عودة أصول مصرفية تابعة لمجموعات بنكية فرنسية لها فروع في بريطانيا. هذه الأصول تُقدّر بنحو 150 مليار يورو سوف تعود وتنشط داخل السوق الفرنسية مع حلول نهاية العام 2020.

من ناحية ثانية تلقت هيئة الرقابة ACPR طلباً من قبل 31 مؤسسة إستثمارية لتكون فاعلة رسمياً وتحصل على تصريح رسمي من الهيئات الناظمة، وعرضت مشاريعها المستقبلية، والهيئة تدرس الطلبات ومدى مساهمة هذه المشاريع في دعم وتقوية السوق المحلية.

إلى جانب هذه المؤسسات المالية والمصرفية، هناك أيضاً مجموعة من الشركات الصغيرة والتي تعمل بشكل خاص في مجالات الدفع، والنقود الإلكترونية، ومجال الإستثمار المالي تنشط مالياً في الإسراع لتحضير نفسها لتكون مستعدة للمغادرة من بريطانيا قبل أن يحل الأول من كانون الثاني/يناير 2021، حيث يُصبح من المستحيل القيام بأي خطوة والقانون الفاعل سيكون قانون ما بعد الإنفصال.

في خضم هذه الورشة والتحضير لمغادرة سوق المال والمصارف البريطانية الشهيرة -La City-، تجدر الإشارة إلى أن مجموعات مصرفية بريطانية كبيرة لها أصلاً فروع كثيرة خارج بريطانيا في العديد من البلدان الأوروبية، ووسّعت نشاطاتها في أوروبا من خلال فروعها، وبالتالي هذه الفروع ستجد نفسها أمام ورطة، كونها ستخسر جواز سفرها المالي، ولن يكون في مقدورها بعد الإنفصال، أن تعمل في فرنسا أو في أي بلد أوروبي آخر من دون هذا الجواز.

في هذا الإطار، يؤكد أخصائيون في القانون والمصارف، أن فرعاً مصرفياً فرنسياً، في بريطانيا على سبيل المثال لا الحصر، يُعتبر بنكاً فرنسياً تابعاً لمجموعة مصرفية بريطانية بناء على القانون الأوروبي والهيئات الناظمة. وبالتالي، فإن المجموعات المصرفية التي تعمل بشكل أساسي عبر مكاتب تُعتبر إمتداداً لها، بإمكانها أن تُحوّل تلك المكاتب إلى فروع تابعة للشركة الأم، وذلك بإتفاق مع منظم العمل المصرفي مقابل تكلفة مالية وتغيير يطرأ على النموذج المتبع. عندئذ تصبح الفروع خاضعة للرقابة وبشكل كامل من قبل القائمين على الرقابة محلياً أو أوروبياً بحسب حجمها، ويمنع القائمون على الرقابة تلك الفروع من أن تُوزع عائدات ربح في حال تأمّن ذلك للمجموعة البنكية التي تتبع لها في بريطانيا.

إنطلاقاً من هذه المستجدات على الواقع المصرفي والمالي في بريطانيا في مرحلة ما بعد «بريكسيت»، أصبح من الواضح أن النظام المالي ما بعد الإنفصال الفعلي بين بريطانيا وأوروبا مطلع العام الجديد تحوّل إلى نظام متعدّد الأقطاب في أوروبا مع موظفين في القطاع في بريطانيا غادروا مركز الأعمال الشهير، وإتخذوا وجهة دبلن والليكسمبورغ وفرانكفورت قرب البنك المركزي الأوروبي وكذلك باريس، حيث تتواجد السلطة المصرفية الأوروبية. هذه الوجهات تأوي مراكز وأسواقاً مالية مهمة كإدارة الأصول الأوروبية في الليكسمبورغ وحضور مصرفي واسع في ألمانيا وحضور لنشاط أسواق المال في فرنسا وبلدان أوروبية أخرى تتمتع بأنشطة مختلفة في مجال المال والبنوك.

وبحسب المتابعين لحركة نزوح سوق المال والمصارف من بريطانيا بسبب «بريكسيت»، ستبقى في سوق لندن الأنشطة الأخرى غير الخاضعة للهيئات الناظمة، وتبقى إدارة المجموعات البنكية وأنشطة مصرفية تابعة للمشتقات المصرفية. في هذه الحالة بدأت تتضح ظاهرة المخاطر والتكلفة العالية، حيث إن الأصول المالية التي كانت إدارتها تتم في لندن ستصبح في فرنسا على سبيل المثال. وهذا قد يجعل عدداً من الخدمات المصرفية أقلّ فعالية وأكثر تكلفة. ومن هذا المنطلق فإن بريطانيا والإتحاد الاوروبي بعد الإنفصال النهائي مطلع العام 2021، كلاهما سيخسر في القطاع المصرفي، وقد لا تنفع عملية النزوح التي تكثفت خشية التداعيات التي ستنتج عن إعتماد القوانين البريطانية التي ستتبع المرحلة الجديدة، كما ستظهر علامات المنافسة والبحث عن المردود الأكثر ربحية وأكثر أمناً للمعاملات والصفقات التي تتبعها المصارف في سياستها الهادفة إلى الربح المادي وربح الزبائن.

فمعدّلات الفائدة بالنسبة إلى البلدان الناشئة، يُمكن أن تُعاود الإرتفاع وبسرعة. ومن هنا تجد هذه الدول نفسها مضطرة إلى العودة إلى التوازن في سياساتها المالية والموازنات لأنها دخلت في أزمة نتيجة الجائحة وهي بالاصل تغمرها الديون مع معدلات نمو ضعيفة.

صندوق النقد الدولي يرى في أفق العام 2021 إستقراراً في حجم الديون العالمية بإستثناء العملاقين الأميركي والصيني، حيث هناك مستويات ديون وقدرات مالية مختلفة بين بلد وآخر.

في كل الحالات، هنك مظاهر مهمة لحالات عدم اليقين في ما يخص كيفية قدرة الإقتصاد العالمي على تخطي عقبة الديون وسدادها في المستقبل، من دون أن يؤدي ذلك إلى تداعيات سلبية وصعبة للغاية على الأداء الإقتصادي.

مازن حمود/باريس

 خبير إقتصادي ومالي