البنوك الخليجية وجائحة كورونا – العدد 474

Download

البنوك الخليجية وجائحة كورونا – العدد 474

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 474 - أيار/مايو 2020

البنوك الخليجية وجائحة كورونا

نعتقد أنه من المفيد، بل ومن الضروري، أن نرصد ونتابع هذه الأيام انتشار تداعيات تفشي وباء كورونا إلى كافة الأنشطة والقطاعات الاقتصادية، بما في ذلك قطاع البنوك الخليجية، والتعرف على الكيفية التي سوف تتأثر بها هذه القطاعات، ومدى استعداد هذه القطاعات لاستيعاب الأضرار، ودورنا كقيادات مصرفية في تهيئة مصارفنا لتحقيق هذا الهدف، واستعادة زمام المبادرة لإعادة وضع مؤسساتنا على طريق النمو مرة أخرى.

هناك شبه اتفاق على أن جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط سوف يولدان ضغوطاً كبيرة على أرباح البنوك التجارية، لكن أيضاً القناعة السائدة بما في تلك التي لدى مؤسسات التصنيف الدولية أن هذه البنوك تمتلك العديد من الأساسيات والمخزونات التي سوف تجعلها قادرة على الإبحار عبر هذه المياه العاصفة.

إن معظم البنوك الخليجية لديها ربحية قوية نسبياً ونهج محافظ تجاه حساب وتخصيص مخصصات خسائر القروض، سواء أكان هذا النهج نابعاً من رغبة المخاطر المتحفظة لدى هذه البنوك أصلاً أو بحكم المتطلبات التنظيمية والرقابية المحلية المتعلقة ببازل 3 والمعيار المحاسبي الدولي 9.

بل إن مؤسسة تصنيف دولية مثل ستاندرد آند بورز تقدر بأن البنوك الخليجية يمكن أن تمتص ما يصل إلى 36 مليار دولار على شكل مخصصات وخسائر متوقعة قبل أن تبدأ استنفاد قاعدتها الرأسمالية، وطبعاً هذا هو السيناريو الأسوأ الذي وضعته الوكالة لحجم تأثر البنوك الخليجية بتداعيات تفشي وباء كورونا وانخفاض أسعار النفط.

ولا تكمن مرونة الأوضاع المالية للبنوك الخليجية في متانة قاعدتها الرأسمالية، بل أيضاً لعوامل أخرى مهمة. فعلى سبيل المثال يعتبر جزءاً كبيراً من ودائع البنوك التجارية الخليجية ودائع بدون فائدة، وهو ما يفسر سبب ارتفاع هوامش البنوك. ففي نهاية العام 2019، بلغ هامش صافي الفائدة للمصارف الخليجية 2.9 %. علاوة على ذلك، فإن نحو ثلاثة أرباع دخل البنوك يتأتى من دخل الفوائد. أما الإيرادات من غير الفائدة، فهي تتأتى بشكل رئيسي من مصادر الدخل المستدامة مثل الرسوم وعمولات.

وعامل آخر يمثل مصدر قوة للبنوك الخليجية يتمثل في الكفاءة التشغيلية الجيدة، حيث بلغ متوسط نسبة التكلفة إلى الدخل للمصارف الخليجية 37 % في نهاية العام 2019 بحسب ستاندرد آند بورز.

ويعكس هذا المستوى المنخفض انخفاض تكلفة العمالة وغياب الضرائب والنهج الصارم في التحكم في التكلفة من خلال شبكات الفروع الصغيرة والاستفادة من التكنولوجيا للعملاء.

لكن مع ذلك يتوقع أن تتراجع أرباح البنوك في عام 2020 ، بسبب التأثير المزدوج لتفشي وباء كورونا وتراجع أسعار النفط. وذلك لأن نمو التمويل سيظل محدوداً مع قيام البنوك بالتركيز على الحفاظ على مؤشرات جودة الأصول القائمة حالياً بدلاً من إنشاء أعمال جديدة. كذلك، فإن انخفاض أسعار الفائدة سوف يؤدي إلى انخفاض هامش الفائدة. كذلك بطبيعة الحال، فإن تفشي الوباء سوف يلحق ضرراً بفئات واسعة من عملاء البنوك مما يؤدي معه إلى تدهور جودة الأصول وزيادة تكلفة المخاطر والمخصصات.

وهنا من المفيد أن ننوه أن حزمة تدابير الدعم التي قدمتها الحكومات الخليجية والبنوك المركزية أسهمت دون شك في تمكين البنوك من مواجهة تداعيات الوضع الراهن بصورة كبيرة، لكنها تظل تدابير مؤقتة ويقتصر تأثيرها على الوضع الراهن. لذلك، فإن على البنوك استمرار التشاور مع البنوك المركزية لإطلاق حزمة جديدة من الإجراءات تركز على مرحلة ما بعد انحسار الوباء، مثل ضخ المزيد من السيولة للبنوك، وتأسيس صناديق حكومية هدفها شراء جزء من المحفظة التمويلية لدى البنوك بهدف تحرير البنوك من أعباء التمويلات المتعثرة، وغيرها من الإجراءات.

في هذه الأثناء فإن أهم الإجراءات التي قامت البنوك الخليجية أو يمكن أن تقوم باتخاذها لتحصين أوضاعها في هذه المرحلة هي أن تعمل على ضمان استدامة عملياتها وتفعيل خطط الطوارئ لضمان استدامة العمليات التشغيلية والتواصل مع كافة الشركاء بما في ذلك العملاء ومزودي الخدمات والمساهمين وكيفية التعامل مع الموظفين ورفع معنوياتهم. كما أنها تقوم بالمراجعة بصورة دائمة لخطوط ودائع ما بين البنوك للتأكد من حجم مخاطر الأطراف المقابلة التي قد تؤثر على عملياتها. كما تقوم أيضاً وبصورة مكثفة بمراجعة محافظ التمويل مع التركيز على التمويلات في القطاعات الأكثر تضرراً وتقييم حجم تأثير الإجراءات التي اتخذتها البنوك المركزية، والإجراءات اللازم اتخاذها للتعامل مع الوضع. وبالتوازي مع ذلك، تقوم البنوك بتطوير استراتيجيات السوق التي تتلاءم مع وضع المرحلة وأي الخيارات ستعمل على التوسع فيها والخيارات التي سوف تقلص أعمالها فيها. وبطبيعة الحال، برزت بصورة حاسمة في هذه المرحلة أهمية الخدمات المصرفية الالكترونية. لذلك، فإن معظم البنوك سوف تعمل على تسريع التحول نحو الرقمية في تقديم الخدمات لتطبيق التباعد الاجتماعي، سواء بالنسبة للموظفين أو العملاء، وبالوقت نفسه تحسن كفاءة وجودة الخدمات المقدمة.

بقلم: رئيس جمعية مصارف البحرين عدنان أحمد يوسف