التحوُّل الرقمي في المنطقة العربية طوق نجاة

Download

التحوُّل الرقمي في المنطقة العربية طوق نجاة

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 494 كانون الثاني/يناير 2022

التحوُّل الرقمي في المنطقة العربية طوق نجاة

والقدرات والمهارات الرقمية ضرورية لضمان مرونة وإستمرارية النمو

أحدثت التكنولوجيا الرقمية تحوّلات جذرية وجوهرية في المجتمعات والإقتصادات حول العالم خلال عقدين من الزمن. ومع تفشي جائحة فيروس كورونا (COVID-19) في مطلع العام 2020، برز التحوّل الرقمي كطوق نجاة وأصبح الدور الحيوي، الذي تلعبه التقنيات الرقمية في حياتنا اليومية، أكثر أهمية من أي وقت مضى، وأضحت القدرات والمهارات الرقمية ضرورية لضمان مرونة وإستمرارية النمو الإقتصادي.

في المنطقة العربية، يُمثل الإقتصاد الرقمي نحو 4 % من إجمالي الناتج المحلي فقط، وتُعتبر المنطقة العربية من أكثر المناطق إختلافاً من حيث مستوى التطوّر الرقمي، حيث تقود دول مجلس التعاون الخليجي المنطقة في العديد من مؤشرات تكنولوجيا المعلومات والإتصالات وبمستويات متقدمة يُمكن مقارنتها بمستويات الدول المتقدمة، فيما الدول العربية الأخرى الأقل نمواً تواجه تحديات كبيرة في مساعيها لتبني وتطوير التكنولوجيا الرقمية. ويعود ذلك إلى عدد من المعوقات الهيكلية المستمرة، ومنها العوامل الإقتصادية والإجتماعية والصراعات، بالإضافة إلى عوائق أخرى مثل الكثافة السكانية وإمكانية الوصول إلى الموارد.

من جهة أخرى، تتمتع الدول العربية بمجموعة من الخصائص الفريدة التي تتيح لها فرصة أن تكون قدوة ومثال في كيفية إستخدام التحوّل الرقمي لمواجهة التحديات الإقليمية الأكثر إلحاحاً، حيث يمثل الشباب نحو 60 % من إجمالي السكان وتشهد المنطقة إنتشاراً واسعاً لثقافة الإنترنت وزيادة كبيرة في معدلات إستخدام الهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية.

ومن أبرز التحديات التي يُمكن للدول العربية مواجهتها، إعتماد التكنولوجيا الرقمية، والبطالة المُستشرية ولا سيما بين الشباب، وتفاقم معدلات الفقر وعدم المساواة، وتباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي، والتقدّم البطيء في ما يتعلق بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وجهود تنويع الإقتصادات العربية والتخفيف من حدّة تأثرها بالصدمات في أسواق السلع العالمية.

وتُقسم المنطقة العربية من حيث التطور الرقمي الى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى وتضم دول مجلس التعاون الخليجي، والمجموعة الثانية تضم الأردن، تونس، لبنان، المغرب، مصر، والجزائر، والمجموعة الثالثة تضم الدول الأخرى وهي (أقل البلدان العربية نمواً). كما تُعتبر المنطقة العربية واحدة من أكثر الأقاليم إستقطاباً من حيث التحول الرقمي على أساس كل بلد على حدة، إذ تُعد دول مجلس التعاون الخليجي رائدة في مؤشراتها لتكنولوجيا المعلومات والإتصالات والتي تماثل تلك في الدول المتقدمة.

في المقابل، فإن بعض الدول العربية، لا تزال تكافح في مجال التنمية الرقمية بسبب العوائق الهيكلية، بما في ذلك المتغيِّرات الإقتصادية الأساسية، والهيكل الإجتماعي والإقتصادي والصراعات المستمرة، بالإضافة إلى مستوى التحضر والوصول إلى الموارد.

كما تشهد المنطقة العربية فجوة رقمية بين الجنسين (جدول رقم 1). ورغم أن إستخدام الإناث للإنترنت في 10 دول عربية هو أعلى من المتوسط ​​العالمي البالغ 48.3 %، إلا أن إستخدام الإنترنت من قبل الذكور لا يزال أعلى من إستخدام الإنترنت من قبل الاناث في غالبية الدول العربية بإستثناء البحرين، والكويت، وسلطنة عُمان، والسعودية، والإمارات. وتوجد أكبر فجوة بين الجنسين في العراق بفارق 30.7 %. وإجمالاً، فإن 61.3 % من الذكور العرب يستخدمون الإنترنت مقابل 47.3 % من الإناث، مما يجعل هذه الفجوة ثاني أكبر فجوة في العالم بعد إفريقيا.


الوضع الحالي لتكنولوجيا المعلومات  والإتصالات في الدول العربية

حققت المنطقة العربية خطوات كبيرة في تطوير تكنولوجيا المعلومات والإتصالات على مدى السنوات الخمس الماضية، حيث تُعتبر تكنولوجيا المعلومات والإتصالات العمود الفقري للإقتصاد الرقمي، ومكّنها من إجراء تحولات رقمية ملحوظة عبر إقتصاداتها ومجتمعاتها وقطاعاتها العامة. ومع ذلك، لا يزال حوالي 194 مليون شخص في المنطقة العربية غير قادرين على الإتصال بالإنترنت، ولا تزال الإمكانات غير المستغلة قائمة في التحول الرقمي للبلدان العربية.

وتشير البيانات إلى زيادة إشتراكات النطاق العريض الجوال (Active mobile broadband)  من 42.4 % في العام 2015 إلى 60 % في العام 2020، لكنها لا تزال أقل من المتوسط ​​العالمي البالغ 75 %. كما زادت إشتراكات النطاق العريض الثابت (Fixed broadband) من 4.7 % في العام 2015 إلى 8.1 % في العام 2020، إلاّ أنها لا تزال أقل وبشكل ملحوظ من المتوسط ​​العالمي البالغ 15.2 %، وهي واحدة من أدنى معدلات الاشتراك في النطاق العريض الثابت لكل 100 شخص في العالم.

كما تشير البيانات الى أن أكثر من 60 % من البالغين في العالم العربي لديهم اشتراك في الهاتف المحمول، إلاّ أن 66 % منهم فقط يمتلكون هواتف ذكية. وفي العام 2020 تمت تغطية 90.8 % من السكان العرب على الأقل من خلال شبكة جوال من الجيل الثالث (أقل من المعدل العالمي البالغ 93.1 %)، مقارنة بـ 74.6 % في العام 2015، وحوالي 9 % يعيشون فقط خارج نطاق شبكة النطاق العريض المتنقل (3G) أو أعلى.

من جهة أخرى، إرتفعت نسبة العائلات التي لديها جهاز حاسوب من 44 % في العام 2015 إلى 52.8 % في العام 2019، وهو أعلى من المتوسط ​​العالمي البالغ 47.1 %. كما زادت العائلات التي لديها إمكانية الوصول إلى الإنترنت من 45.5 % في العام 2015 إلى 58.9 % في العام 2019، وهي أيضاً أعلى من المتوسط ​​العالمي البالغ 57.4 %. وإرتفع إنتشار الإنترنت بين الأفراد من 38.2 % في العام 2015 إلى 54.6 %، وهو أعلى من معدل إنتشار الإنترنت العالمي البالغ 51.4 %. علماً أن المنطقة العربية حققت أعلى معدل نمو منذ العام 2015 عبر المناطق من حيث ملكية أجهزة الكومبيوتر المنزلية، والوصول إلى الإنترنت المنزلي، وإنتشار الإنترنت.

وبحسب دراسة أجراها الإتحاد الدولي للإتصالات لعام 2019 حول «المساهمة الإقتصادية للنطاق العريض والرقمنة وتنظيم تكنولوجيا المعلومات والإتصالات: النمذجة الإقتصادية لمنطقة الدول العربية»، فإن زيادة بنسبة 10 % في إنتشار النطاق العريض المتنقل والثابت في المنطقة العربية سيؤدي إلى زيادة بنسبة 1.81 % و0.71 % توالياً في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي.

نظرة عامة على التجارة الإلكترونية والمدفوعات الرقمية والتكنولوجيا المالية والعملات الرقمية في المنطقة العربية

– التجارة الإلكترونية في المنطقة العربية

بحسب تقرير التنمية الرقمية العربية لعام 2019 الصادر عن لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، فإن تطبيقات وسائل التواصل الإجتماعي هي الأكثر إستخداماً عبر البلدان العربية، بينما كان إستخدام تطبيقات التجارة الإلكترونية أقل من المتوسط ​​وإستخدام الحكومة الإلكترونية والخدمات المالية إلى حد محدود للغاية، مع إنخفاض القدرة على تحمل تكاليف خدمات الإنترنت في العديد من البلدان العربية. إلا أن عمليات الإغلاق المتكررة خلال جائحة Covid-19 أدت إلى ازدهار غير مسبوق في التجارة الإلكترونية.

ووفقاً لـ Maze Insights، من المقدّر أن عائدات سوق التجارة الإلكترونية بلغت في نهاية العام 2021 نحو 7.5 مليارات دولار في الإمارات العربية المتحدة، و7.1 مليارات دولار في المملكة العربية السعودية، و2.0 مليار دولار في قطر، و1.2 مليار دولار في الكويت، و796 مليون دولار في لبنان.

وبحسب تقرير صادر عن ومضة ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، نما سوق التسوق عبر الإنترنت في المنطقة العربية بنسبة تزيد عن 30 %، لتصل إلى قيمة إجمالية قدرها 30 مليار دولار في نهاية العام 2021، مقارنة بـ 22 مليار دولار في نهاية العام 2020، بدعم من المتسوقين عبر الإنترنت من المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والذين يمثلون 80 % من إجمالي سوق التجارة الإلكترونية في المنطقة.

– المدفوعات الرقمية في المنطقة العربية

رغم إنتشار الإنترنت المرتفع في المنطقة العربية والأفراد المتمرسين رقمياً، إلا أن المدفوعات لا تزال تعتمد بشكل كبير على النقد، ويتم إجراء حوالي ثلث معاملات التجزئة إلكترونياً فقط، وذلك بسبب عوامل مثل البنية التحتية وخدمات المدفوعات الرقمية المتخلفة، وشرائح المستهلكين المصرفية، والميل تجاه إستخدام النقد في معظم البلدان العربية. ورغم أن أكثر من 50 % من البالغين لديهم إمكانية الوصول إلى الهاتف المحمول والإتصال بالإنترنت، إلا أن 29 % فقط من البالغين في العالم العربي قاموا بـ، أو تلقوا مدفوعات رقمية في العام 2020، منهم 66 % في دول مجلس التعاون الخليجي و14 % في دول غير دول مجلس التعاون الخليجي. وحتى في الأسواق التي تكتسب فيها التجارة الإلكترونية زخماً (كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر)، يبقى النقد طريقة الدفع المفضلة، حيث يفضل 51 % من البالغين في المنطقة الدفع عند الإستلام لمشتريات التجارة الإلكترونية (44 % في الإمارات العربية المتحدة، و57 % في المملكة العربية السعودية، و85 % في مصر).

ومع ذلك، فإن المبادرات الحكومية والتنظيمية الجديدة، إلى جانب دخول مقدمي خدمات دفع جدد، تعمل بسرعة على تغيير مشهد المدفوعات في المنطقة العربية، ولا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي. على سبيل المثال إرتفع عدد معاملات المدفوعات الرقمية للمستهلكين في الإمارات العربية المتحدة بمعدل سنوي يزيد عن 9 % بين عامي 2014 و2019.

– التكنولوجيا المالية في المنطقة العربية

بحسب المجموعة الاستشارية لمساعدة الفقراء (CGAP)، إنتشرت حلول التكنولوجيا المالية في المنطقة العربية على مدى السنوات القليلة الماضية. وإعتباراً من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، حددت CGAP 400 حلاً للتكنولوجيا المالية في 22 دولة عربية (مع أكثر من 20 حلاً جديداً للتكنولوجيا المالية سنوياً بين 2012 و2019)، 84 % من حلول التكنولوجيا المالية يقدمها مقدمو خدمات مستقلون، و44 % يعملون في المدفوعات والتحويلات. علماً أن 66 % من حلول التكنولوجيا المالية هذه تعتمد على نموذج من شركة إلى عميل (B2C)، و75 % من حلول B2C هذه تركز على عملاء التجزئة الأفراد (وتتطلب معظم هذه الخدمات إمتلاك هاتف ذكي من قبل المستخدمين، ما قد يكون عائقاً محتملاً أمام ذوي الدخل المنخفض)، و20 % يلبي إحتياجات الشركات الصغيرة والمتوسطة، مع التركيز على رقمنة المدفوعات والتمويل والعمليات التجارية.

وتتركز حلول التكنولوجيا المالية في البلدان التي مكنت فيها التغييرات القانونية والتنظيمية النمو وعززته. وتوجد 75 % من الحلول في 6 دول عربية: الإمارات العربية المتحدة، مصر، المغرب، تونس، الأردن، ولبنان. وفي المقابل اعتمد عدد من البلدان (كمصر، والعراق، والأردن، ولبنان، والمغرب، وتونس، واليمن) لوائح تمكينية للتكنولوجيا المالية، وسمحت بتشغيل خدمات النقود الإلكترونية أو شركات الدفع. وتجدر الإشارة إلى أن البحرين هي الأسرع نمواً في تطوير حلول التكنولوجيا المالية ونشرها.

كما يمكن ملاحظة التطور الذي تقوده التكنولوجيا المالية في أنظمة المدفوعات عبر الأمثلة التالية. فعلى سبيل المثال، ومنذ العام 2010، سمح الأردن لمصدري النقود الإلكترونية غير المصرفية بالعمل. وفي عاميّ 2015 و2016 توالياً، أدخل كل من المغرب وتونس قوانين مصرفية فتحت أسواقهما لفئات جديدة من مقدمي الخدمات، في محاولة لرقمنة اقتصاداتها بشكل أكبر. كما أصدر الأردن قانون المعاملات الإلكترونية في العام 2015، وجعلت مصر الدفع غير النقدي إلزامياً في عام 2019. وأصدر العراق مثل هذا القانون في العام 2014 وقام مؤخراً بترخيص مقدمي خدمات الدفع.

العملات الرقمية للمصارف المركزية في العالم العربي

عززت جائحة Covid-19 الحاجة إلى الدفع من دون تلامس ورقمنة أنظمة الدفع، ولا سيما في البلدان التي تسعى إلى تعزيز الشمول المالي، وهو ما أدى الى نشوء ما بات يعرف بالعملات الرقمية للبنك المركزي (CBDCs) والتي هي نوع جديد من العملات الرقمية تديرها وتنظمها السلطة النقدية لبلد ما، وتظهر بالتالي كمكون رئيسي للاقتصادات الرقمية وموضوع رئيسي يثير إهتمام البنوك المركزية حول العالم بما في ذلك المنطقة العربية. ووفقًا لبنك التسويات الدولية، فإن 85 % من البنوك المركزية في العالم تقوم حالياً إما بدراسة أو تجريب عملات البنوك المركزية الرقمية.

وفي ما يتعلق بالعملات الرقمية للمصارف المركزية في المنطقة العربية، أعلنت الإمارات في يوليو/تموز 2021 أنها ستطلق عملتها الرقمية Govcoin في حلول العام 2026، لدفع التحول الرقمي في قطاع الخدمات المالية في الإمارات، من خلال الإستفادة من أحدث حلول الذكاء الإصطناعي والبيانات الضخمة.

وفي العام 2019، أعلنت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة عن مرحلة إختبار لعملة مشفرة مشتركة للمعاملات عبر الحدود، حيث أطلق البنك المركزي في كلا البلدين مشروع «عابر» الذي سعى إلى تقييم جدوى إصدار عملة رقمية للإستخدام بين المصرفين، بهدف تطوير نظام دفع عبر الحدود ومن شأنه تقليل أوقات التحويل وتكاليفه.