التداول بالكاش يُعيد لبنان إلى الإقتصاد البدائي

Download

التداول بالكاش يُعيد لبنان إلى الإقتصاد البدائي

مقابلات
العدد 478 - أيلول/سبتمبر 2020

ما هي الفوائد والمحاذير؟

التداول بالكاش يُعيد لبنان إلى الإقتصاد البدائي

بات مشهد دفع اللبنانيين تجاراً وأفراداً ثمن مشترياتهم بـ«الكاش» أمراً مألوفاً في ظل الأزمة المالية والمصرفية التي تعصف بالبلاد وتزداد وتيرتها يوماً بعد يوم، من دون أن يظهر أفق للإستغناء عن هذا المشهد غير المألوف داخلياً وعالمياً لما له من تداعيات على الإقتصاد اللبناني والمواطن أولاً، وعلى صورة وسمعة لبنان في الأسواق المالية العالمية لناحية تطبيق قوانين الشفافية ومكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، التي كان لبنان أول الدول المبادرة إلى إقرارها في المجلس النيابي وتطبيقها في مصارفه خلال السنوات الماضية.

إذا لا وقت معلوماً لعودة العمليات الإلكترونية المصرفية في لبنان إلى وضعها الطبيعي، ما يجعل البحث عن تداعيات هذا الغياب أمراً مشروعاً، خصوصاً أن ترجمته على أرض الواقع يلمسها اللبنانيون من خلال إرتفاع جنوني للأسعار ونسب تضخم عالية لم يشهد لها لبنان مثيلاً من قبل، ناهيك عن مفاعيل خروج لبنان من سياق التطور والتقدم المصرفي الذي شكل في السنوات السابقة نقاط قوة للإقتصاد اللبناني، لأن تقدم المصارف يُقاس عالمياً بمدى دخولها في منظومة التداول الإلكتروني لعملياتها المصرفية.

الكاش يزيد التضخم

ما يحصل اليوم أمر مغاير تماماً، ففي غضون أشهر فقط انتقل لبنان من حال مصرفي وإقتصادي إلى حال مغاير تماماً، صحيح أن الأسباب متعددة ومتراكمة منذ سنوات، إلا أن النتيجة واحدة هي مأزق مالي وإقتصادي صعب تتجلى مظاهره في العودة إلى التداول بـ»الكاش» فهل يستطيع لبنان الاستمرار على هذه الحالة لمدة طويلة؟

يجيب الدكتور جورج نعمة (بروفسور في كلية الإقتصاد وإدارة الاعمال في جامعة الحكمة) على هذا الاستفسار بالقول إن «التداول بالكاش هو تدبير مرحلي حتى إنتهاء الأزمة المالية الحالية في لبنان، لكن الافق لهذا التدبير لم يظهر بعد، وهذا أمر غير سليم وغير صحيح لا إقتصادياً ولا مصرفياً وله تداعيات على الشركات والمصارف، لأن التداول بالكاش يؤدي إلى إستقلالية الدورة الإقتصادية عن العمل المصرفي وهذا ما سيؤثر على الإقتصاد ككل من خلال زيادة التضخم، لأن التاجر الذي يدفع ثمن بضاعته بـ»الكاش» سيلجأ إلى رفع أسعاره، لأنه من الصعب عليه أن يجدِّد كمية البضاعة الموجودة لديه من دون الكاش، وهذا أمر كان يحصل من خلال المصارف التي كانت تتخذ تدابير بتغطية التجار المكشوفين وتقديم تسهيلات بالدفع، وهذا الأمر بات غير متداول الآن والتجار باتوا مهددين بفقدان القدرة على شراء البضائع نتيجة الارتفاع الاضافي في أسعارها، وبالتالي تصبح القدرة على شراء نفس كمية البضائع بعائدات البيع غير ممكنة مما يؤدي إلى إضمحلالها في الأسواق، كما أن التداول بالكاش يؤدي إلى التهرب الضريبي، لأنه في هذه الحالة ليس هناك ضوابط للعمليات التجارية والدولة والمصارف لا تستطيع أن تعلم ما هي مداخيل هؤلاء التجار، وبالتالي يمكن تلخيص تداعيات التداول بالكاش على الشكل التالي، توقف المصارف عن القيام بأعمالها، معاناة التجار من غلاء الأسعار بشكل مضطرد وهذا ما سينعكس سلباً على المستهلك لجهة تكبده المزيد من إرتفاع الأسعار والتضخم».

 ويضيف: «نمر بمرحلة إقتصادية صعبة جداً وخطيرة ولا يمكن الاستمرار على هذا النحو لأن كل القطاعات الإقتصادية مهددة بالانهيار، سواء المصارف أو القطاع الصناعي والمؤسسات الكبيرة لأن سعر صرف الدولار في الأسواق مختلف عن سعر الصرف الرسمي».

تضخم يعني تراجع

يوافق الدكتور شادي كرم (خبير مصرفي ورئيس مجلس إدارة أسترو بنك في قبرص) على كلام نعمة ويشير إلى أن «معالم تطور أي قطاع مصرفي يسجل من خلال التداولات الإلكترونية والدفع عبر المصارف، بالتالي فإن عودة لبنان للتداول بـ «الكاش» مؤشر يدل على تراجع الإقتصاد اللبناني خطوة إلى الوراء في مقياس تطور الإقتصادات العالمية، وهذا أمر له تأثير كبير داخلياً من خلال نسبة التضخم الكبيرة التي يشهدها لبنان حالياً، ويذكرنا بمشهد التضخم الذي عانته ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كان شراء رغيف خبز يستلزم عربة مليئة من النقود، كما يمكن تعداد المفاعيل السلبية لهذه الخطوة من خلال حالة الإزعاج التي يولدها الدفع بـ»الكاش» للمواطن والتاجر، ما يؤدي إلى إخلال بالأمن نتيجة زيادة نسب السرقات والمشاكل الامنية».

قبل الإنتفاضة وبعدها

يقدم الدكتور مروان القطب (متخصص في القوانين المالية وأستاذ في الجامعة اللبنانية)، تفسيره لعودة الإقتصاد اللبناني إلى «الكاش» من باب الأزمة المالية والمصرفية التي يعانيها لبنان والتي فرضت التحول إلى المعاملات النقدية، فيقول:» بعد أن بدأت انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 في لبنان، خشيت المصارف من تهافت المودعين على سحب ودائعهم، فقامت بإقفال أبوابها لمدة 12 يوماً، لإمتصاص الصدمة الأولى، إلا أنه عندما فتحت أبوابها لم تستطع تجنب تدفق المودعين على السحب، فخشيت من الوصول إلى مرحلة التوقف عن الدفع فلجأت إلى إعتماد سياسة السيطرة على الودائع، فقامت بوضع سقوف للسحب خصوصاً للودائع بالدولار، وإمتد هذا التقنين في السحب على الودائع بالليرة اللبنانية، كما أن المصارف حظرت التحويلات من الودائع الموجودة في المصارف إلى الخارج، بإستثناء النفقات الشخصية الملحة، هذا الأمر دفع الناس إلى الاصرار على السحب من ودائعهم وتخزين الأموال في المنازل، حتى قدرت الأموال المخزنة في المنازل في حدود الخمسة مليارات دولار، كما تراجع الإيداع في المصارف بصورة كبيرة. أما المؤسسات الصناعية والتجارية فإنها لم تعد تستطيع سحب حاجاتها من الأموال النقدية لتسوية مدفوعاتها، فلجأت إلى تخزين إيراداتها النقدية من الزبائن في خزائنها، وتوقفت عن إيداعها في المصارف وعمدت إلى تسوية مدفوعاتها بصورة نقدية، كما أنها عمدت إلى الاحتفاظ بالأموال النقدية المتوفرة لديها من أجل شراء الدولار الاميركي من السوق السوداء بهدف تأمين مشترياتها من السلع المستوردة. لذلك لجأت المصارف إلى طريقة جديدة للتحويل إلى الخارج لتأمين استيراد السلع، وتكمن هذه الطريقة في إيداع دولارات جديدة في حسابات العملاء من التجار من أجل تحويلها إلى الخارج، وامتنعت عن تحويل أي دولار إلى الخارج من ودائع التجار في المصارف، فلجأ التجار إلى الحصول على الأموال النقدية من الزبائن، وشراء الدولارات من السوق السوداء، وإيداعها في حسابات جديدة من أجل تحويلها إلى الخارج، أي أن المصارف لم تعد الوسيلة لتسوية المدفوعات الداخلية، بل أصبحت محصورة بتسوية المدفوعات الخارجية، هذا الوضع أدّى إلى زيادة الطلب على الدولار في السوق السوداء، وكانت نتيجته ارتفاع سعره وانخفاض قيمة الليرة».

ويضيف: «أما في ما خص تسوية المدفوعات المتعلقة بشراء المواد الأساسية وهي القمح، المحروقات والادوية فإن مصرف لبنان تعهد تأمين إعتمادات هذه المواد بالدولار الاميركي على أساس السعر الرسمي، أي 1500 ليرة للدولار الأميركي الواحد، وذلك بنسبة 85 بالمئة، والباقي يوفره التجار من السوق غير الرسمي.

لذلك عمد تجار المواد الأساسية إلى تأمين الأموال المحولة إلى الخارج من مبيعات الزبائن بالليرة اللبنانية، بحيث يتولى مصرف لبنان تأمين الدولارات اللازمة على أساس السعر الرسمي أو من خلال الدولارات المودعة لديه لتأمين هذه المواد. وهذه الأوضاع أدّت إلى بروز تجارة للشيكات المصرفية، وصلت نسبة الارباح منها إلى حدود 40 بالمئة، أي أن المودع العادي يسحب من وديعته بالدولار الاميركي بشيك مصرفي، فيعمد بعض التجار إلى خصمها وإعطاء العميل قيمتها نقداً بنسبة تقل عن 40 بالمئة من قيمتها الفعلية، أي القيمة السوقية الحقيقية، وأدّى ذلك إلى زيادة ظاهرة تراكم النقدية خارج النظام المصرفي. وما زاد التعاملات النقدية الارباك الحاصل في التحويلات من الخارج بواسطة المؤسسات غير المصرفية، لأنه قبل انتفاضة تشرين، وفي 14/1/2019 أصدر مصرف لبنان تعميماً تحت الرقم 514 ألزم فيه مؤسسات التحويلات المالية بدفع الحوالات بالعملات الأجنبية بالليرة اللبنانية، وفق السعر المعتمد من قبل مصرف لبنان وعند بداية تراجع قيمة الليرة اللبنانية وارتفاع سعر الدولار، قامت هذه المؤسسات بدفع قيمة التحويلات من الخارج بالعملات الاجنبية على أساس سعر صرف 1500 ليرة، في حين كان سعر السوق أعلى بكثير، مما أدّى إلى إحجام المغتربين عن التحويلات الإلكترونية من الخارج. وتنبه مصرف لبنان إلى ذلك وقام بإصدار تعميم عمل به اعتباراً من 8/1/2020 ألزم فيه بدفع هذه الحوالات بعملة التحويل نفسها، أي التحويلات بالدولار تدفع بالدولار ليعود مؤخراً في 17/4/2020 بإصدار تعميم جديد يلزم هذه المؤسسات بدفع هذه التحويلات بالعملات الاجنبية بالليرة اللبنانية وفقاً لسعر السوق الذي تحدده مديرية العمليات النقدية في مصرف لبنان التي حددت مؤخراً سعر الدولار بحدود 3200 ليرة، مع العلم أن السعر في السوق السوداء يتجاوز ذلك مما أدّى إلى تراجع التحويلات الإلكترونية. وتجدر الاشارة إلى أنه بسبب تعطل حركة الطيران الناتجة عن أزمة كورونا فإن هذه التحويلات النقدية تقلصت، وبالتالي أثر ذلك سلباً على قيمة الليرة اللبنانية التي تدهورت قيمتها بصورة تدريجية».

 مكافحة تمويل الإرهاب  وتبييض الأموال

والسؤال الذي يطرح هنا هل يمكن لعودة «الكاش» بالإطاحة بكل الجهود التي بذلها وتعهد بها لبنان، لتطبيق مبدأ الشفافية في القطاع المصرفي والالتزام بالقواعد العالمية لمحاربة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال؟

يجيب نعمة بالقول: «هذا أمر أكيد لأن «الكاش» يغيّب أهم مبدأ لمكافحة الإرهاب وتبييض الأموال وهو الشفافية، فالتداول النقدي يؤدي إلى عمليات غير شفافة وغير قانونية منها تبييض الأموال، وبالتالي فسمعة لبنان المالية والإقتصادية في أدنى مستوياتها اليوم، والمطلوب هو إنجاز خطة سليمة تعيد الحد الأدنى من العافية للدورة الإقتصادية للبنان لأن القطاع الإقتصادي لا يمكن أن يتعافى في حال لم يتعاف القطاع المصرفي، وأريد لفت الانتباه أيضاً إلى أن الخطة الإقتصادية الموضوعة من قبل الحكومة التي تقوم على شطب كامل ديون القطاع المصرفي والإتكال على مساعدات صندوق النقد الدولي، لا تحمل سياسات إقتصادية سليمة قوامها تنشيط القطاع الزراعي والصناعي والتجاري مثلاً، كما أن الخطة تطرقت إلى قطاعات دون حوار جدي مع القيِّمين عليها ومنها مصرف لبنان وجمعية المصارف، وهذا أمر مستغرب، صحيح أنه علينا إتخاذ تدابير إقتصادية موجعة لكن لا يمكن تدمير القطاع الإقتصادي».

 يفسر كرم ما يحصل من خسارة لبنان لسمعته لجهة عدم قدرته على الالتزام بقوانين الشمول المالي (مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب) بأنه «نتيجة سلسلة مترابطة من التداعيات يتحمل أسبابها، السياسيون اللبنانيون الذين أوصلوا البلاد إلى هذه الحالة، ثانياً المصارف اللبنانية التي تمتنع عن إعطاء المواطنين أموالهم، وثالثاً المواطن اللبناني الذي يستنكف عن إيداع أي أموال جديدة في المصارف بسبب خوفه من عدم قدرته على سحبها مجدداً، وهذا يؤدي إلى مزيد من شح السيولة في المصارف اللبنانية، أما معالجة هذا الأمر فهي عبر إعادة الثقة بالقطاع المصرفي لإستعادة الحركة الطبيعية للتحويلات والبطاقات الائتمانية وإرجاع الأموال التي سحبها المودعون ووضعوها في منازلهم».

يضيف: «تأثير هذا الأمر على سمعة لبنان الخارجية لجهة مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال كبيرة، لأنه لا يمكن ضبط ومراقبة هذا الأمر إلا عبر المصارف من خلال نظام «إعرف عميلك» الذي تطبقه المصارف عبر دوائر الالتزام الموجودة فيها، ولذلك فإن اللجوء إلى الكاش في المعاملات اليومية يخفف عملية المراقبة هذه ويطيح بكل الإجراءات التي حرص لبنان والمصارف على تطبيقها خلال السنوات السابقة، ولذلك ليس مستغرباً أن تزيد عمليات تبييض الأموال في الفترة الحالية مما يؤثر سلباً على سمعة لبنان».

ويرى قطب أن «التحوُّل إلى التعاملات النقدية، يضر بالمصارف ويعطل نظام المدفوعات، ويفقد عمليات مكافحة تبييض الأموال فاعليتها».

ويضيف: «إن كل ذلك أدّى إلى زيادة التعاملات النقدية وتعطل نظام المدفوعات بواسطة المؤسسات المالية وكان لذلك تداعيات أدّت إلى تراجع دور النظام المالي في أداء دوره الأساسي. كما أثَّر النظام النقدي وتراجع العمليات المصرفية على جهود مكافحة تبييض الأموال، لأن الضابط الأساسي لتبييض الأموال هو النظام المصرفي، والجهد الأساسي لمكافحته يكمن في عدم السماح للأموال النقدية غير المشروعة من الدخول إلى الحسابات المصرفية، لذلك تفرض المصارف على إيداع كل مبلغ نقدي يتجاوز العشرة آلاف دولار تبيان مصدر العملية التي أدّت إلى إنتاجه. وكان الهم الأساسي لأصحاب الأموال غير المشروعة إدخال أموالهم إلى النظام المصرفي، لأنه يشكل الاداة الأساسية لتسوية المدفوعات. أما وقد تعطل هذا النظام حول التحول نحو النقدية، فإن جهود مكافحة تبييض الأموال ستتقوض وتتراجع. كما أن النظام النقدي من شأنه أن يعطل النظام المصرفي برمته، سواء في ما خص الإيداع وبالتالي الإقراض، ويفقد النظام المصرفي دوره كوسيط بين المودع والمستثمر، وهذه الأوضاع تعيد البلاد إلى مرحلة إقتصادية بدائية، تجعل تنفيذ أي خطة للنهوض والخروج من الأزمة صعب للغاية».