التضخم ينهش جيوب فقراء العالم

Download

التضخم ينهش جيوب فقراء العالم

الاخبار والمستجدات
العدد 497 - نيسان/أبريل 2022

التضخم ينهش جيوب فقراء العالم

 لقد عاد التضخم مرة أخرى، وهو يلحق الضرر بالجميع، إذ أدى تزايد النشاط الإقتصادي، وإضطراب سلاسل الإمداد، والإرتفاع الحاد في أسعار السلع الأولية في آن واحد في العام 2021 إلى دفع التضخم العالمي إلى أعلى مستوياته منذ العام 2008. وفي إقتصادات الأسواق الصاعدة والإقتصادات النامية، بلغ التضخم أعلى معدلاته منذ العام 2011، حيث يتجاوز اليوم المستويات المستهدفة في أكثر من نصف هذه الإقتصادات التي لديها إطار لتحديد أهداف التضخم.

تضخم أسعار المستهلك

مع إندلاع الحرب في أوكرانيا، تتجه الأمور بوتيرة متسارعة من سيئ إلى أسوأ أو مروع. فقد شهدت أسعار المواد الغذائية والوقود إرتفاعاً حاداً، إذ تُعد روسيا وأوكرانيا مصدّرين رئيسيين للعديد من السلع الأساسية بما في ذلك الغاز والنفط والفحم والأسمدة والقمح والذرة والزيوت النباتية. وتعتمد العديد من الإقتصادات في أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وأفريقيا إعتماداً شبه كامل على روسيا وأوكرانيا للحصول على وارداتها من القمح.

وفي ما يتعلق بالبلدان الأقل دخلاً، قد يؤدي إضطراب الإمدادات، بالإضافة إلى إرتفاع الأسعار، إلى زيادة التعرض لخطر الجوع وإنعدام الأمن الغذائي. وقد يتسبّب إضطراب سلاسل الإمداد في تفاقم الضغوط التي تنجم عن التضخم على نطاق واسع.

أما في ما يتعلق بالكثير من الأسر في جميع أنحاء العالم، فإن إرتفاع معدلات التضخم يشكل تحدياً كبيراً. فالأسعار المرتفعة يُمكن أن تؤدي إلى تآكل قيمة الأجور والمدخرات الحقيقية، مما يجعل الأسر أكثر فقراً. إلا أن الشعور بهذه الآثار يتفاوت من فئة إلى أخرى: حيث تكون الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل أكثر عرضة لمخاطر إرتفاع معدلات التضخم من الأسر الأكثر ثراءً. ويعكس هذا الأمر تركيبة دخلهم، وما لديهم من ممتلكات، وأنواع سلة سلعهم الإستهلاكية. ورغم ذلك، قد يكون تأثير التضخم على الأسر الأشد فقراً التي تعيش تحت خط الفقر العالمي غير مباشر على نحو أقل. ويُعزى ذلك الأمر إلى أن الأسر الأشد فقراً لديها حدّ أدنى من الدخل من الأجور، أو الممتلكات. وهي تعتمد في العادة على الدخل غير النقدي – مثل الزراعة التي تحقق حد الكفاف، أو المقايضة – التي قد تكون أقل عرضة لمخاطر التضخم.

تركيبة الدخل

في الاقتصادات المتقدمة، تعتمد الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل في العادة على الدخل من الأجور ومدفوعات التحويلات على نحو أكبر من اعتماد الأسر الأكثر ثراءً عليها. وغالباً ما يتجاوز تضخم الأسعار النمو في الأجور والتحويلات، في حين قد يكون من الأرجح أن يُواكب الدخل من العمل الحر والدخل من الإستثمار معدلات التضخم. وعلى هذا النحو، يُمكن للتضخم أن يقلل من دخل الأسر الأفقر مقارنة بدخل الأسر الأكثر ثراءً. ويتشابه هذا الوضع بين إقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ففي البرازيل، على سبيل المثال، يُمثل الدخل من العمل الحرّ ومن الإستثمار نسبة أكبر من دخل الأسر مرتفعة الدخل مقارنة بنسبته في دخل الأسر منخفضة ومتوسطة الدخل. رغم ذلك، تعتمد الأسر الأشد فقراً أيضاً على الدخل غير النقدي.

تركيبة الممتلكات المالية

غالباً لا تتمكن الأسر الأفقر من الحصول على الأدوات المالية التي يُمكن أن تُوفر لها الحماية من تداعيات التضخم، لأن هذه الأدوات قد تكون لها تكاليف أولية أو تكاليف مستمرة، ومن ثم لا يمكن تحملها. على سبيل المثال، لدى جميع الأسر تقريباً في الولايات المتحدة حسابات معاملات أو حسابات جارية في إحدى المؤسسات المالية. ومع ذلك، يوجد عدد أقل بكثير من الأسر لديه مدخرات أو أدوات إستثمارية. بالإضافة إلى ذلك، فإن التوزيع غير متوازن إلى حد كبير: فإحتمال أن يكون لدى الأكثر ثراءً من الأسر الأميركية شهادات إيداع يبلغ خمسة أضعاف الإحتمال بالنسبة إلى الأسر الأشد فقراً، وستة أضعاف إحتمال حيازة سندات الادخار، واثني عشر ضعفاً إحتمال إمتلاك صناديق إستثمار.

بإختصار، يؤدي إرتفاع معدلات التضخم إلى تفاقم عدم المساواة أو الفقر، لأن تأثيره على دخل الأسر الأفقر أو متوسطة الدخل ومدخراتها يكون أشد مقارنة بما يلحق بالأسر الثرية. وربما تجد الأسر التي تمكنت من الإفلات من الفقر في الآونة الأخيرة نفسها تسقط مرة أخرى في براثنه بسبب ارتفاع معدلات التضخم.

تركيبة سلة الاستهلاك

قد تعاني الأسر الأفقر من معدلات تضخم أعلى مما تتعرّض له الأسر الثرية.  ويتم حساب مقاييس تضخم أسعار المستهلك بإستخدام سلة السلع التي تمثل إستهلاك الشخص العادي. إلاّ أن التركيبة الفعلية للإنفاق تختلف اختلافاً كبيراً حسب شرائح الدخل. على سبيل المثال، تنفق الأسر الأقل دخلاً في بلدان الأسواق الصاعدة والإقتصادات النامية نحو 50 % من دخلها للحصول على المواد الغذائية. أما الأسر الأعلى دخلاً، فلا تتجاوز نسبة إنفاقها على المواد الغذائية 20 % من دخلها. ويمكن أن تُحدث الزيادة الأخيرة في أسعار الغذاء والطاقة تأثيراً غير متناسب على الأسر الأشد فقراً. وفي أوقات الأزمات الإقتصادية، يُمكن للأسر مرتفعة الدخل التحول بسهولة من سلع أعلى جودة إلى سلع أقل جودة. ويُمكنها أيضاً الإستفادة على نحو أكبر من الخصومات على عمليات الشراء والمبيعات بالجملة. وبطبيعة الحال، لا تتاح هذه الخيارات للأسر الفقيرة.

في بعض الإقتصادات الصاعدة والنامية، ينطوي إرتفاع أسعار المواد الغذائية على إحتمال تحقيق فائدة لشريحة كبيرة من الفقراء.  ففي الإقتصادات النامية المتوسطة، يعمل أكثر من خُمس عدد الأسر – التي توجد حول خط الفقر أو تحته – في مجال بيع المواد الغذائية ولا يشترونها. ومن ثم، فإن إرتفاع أسعار المواد الغذائية قد يصب في مصلحتهم. ورغم ذلك، لا تزال الغالبية العظمى من الفقراء في الإقتصادات النامية مشترين للمواد الغذائية ولا يبيعونها، لذلك تؤدي الزيادات الحادة في أسعار الغذاء إلى زيادة معدلات الفقر بصفة عامة.

ما يمكن لواضعي السياسات عمله

دأبت الحكومات منذ فترة على اللجوء إلى تقديم الدعم للأسر لتخفيف تأثير التضخم عليها. في بعض الحالات، يُمكن أن يصبح الدعم أداة انتقالية فعَّالة للتخفيف من تأثير الصدمات. إلاّ أن عملية تقديم الدعم تستمر لفترة طويلة للغاية، مما يؤدي دائماً إلى حدوث آثار سلبية. فسرعان ما قد ينتقص الدعم من الإنفاق على البنية التحتية والصحة والتعليم. ويذهب دعم الطاقة غالباً إلى الأسر الأكثر ثراءً مقارنة بالأسر الأفقر، ومن ثم، يشجع الاستهلاك الزائد عن الحاجة. 

ومما يثير القلق أن حكومات عديدة تدرس حالياً اللجوء إلى القيود على التجارة وحظر التصدير لحماية عمليات توريد المواد الغذائية المحلية. ويجب على تلك الحكومات الامتناع عن هذا الأمر. فسياسات من هذا القبيل التي تبدو مناسبة على مستوى بلد ما قد تكون لها عواقب عالمية وخيمة. ففي ظل الإرتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية في 2010-2011، أدت القيود التجارية إلى تفاقم الزيادة في الأسعار العالمية ودفعت ملايين الأشخاص إلى براثن الفقر، رغم أنها قللت من إرتفاع الأسعار المحلية.

ومن ثم، يتعيّن على واضعي السياسات بدلاً من ذلك الإستعانة بسياسات الرعاية الإجتماعية لحماية الأشخاص الأشد فقراً من إرتفاع الأسعار. ومن الممكن أن تشمل هذه السياسات شبكات أمان موجهة مثل التحويلات النقدية، والمواد الغذائية، والتحويلات العينية، وبرامج التغذية المدرسية، وبرامج الأشغال العامة. ويُوفر حساب مؤشرات التضخم لشرائح الدخل المختلفة معلومات أفضل عن التضخم الذي يعاني منه الفقراء بالفعل، ويجب أن يوجه تصميم شبكات الأمان الإجتماعي. وستكون هناك حاجة إلى تعاون وتواصل على الصعيد الدولي لتجنب أي إجراءات انتقامية. 

بالإضافة إلى ذلك، فإن البنوك المركزية في الأسواق الصاعدة والإقتصادات النامية تحركت بسرعة لكبح جماح التضخم. وعند إتخاذ أي قرار في شأن ما يجب فعله بعد ذلك، يجب على مسؤولي تلك البنوك أن يضعوا في إعتبارهم الآثار المحتملة على معدلات الفقر وعدم المساواة. ويُمكن للحكومات أيضاً تحسين قدرتها على الحصول على الأدوات المالية التي قد تحمي القيمة الحقيقية لممتلكات الأسر الفقيرة من التضخم – وسيُساعد تحفيز مزيد من المنافسة في القطاع المالي على تحقيق هذه النتيجة.