الثقة والدورة الإقتصادية طريق وحيد لاستعادة الأموال

Download

الثقة والدورة الإقتصادية طريق وحيد لاستعادة الأموال

Article
(الجمهورية)-24/05/2021

*د. فؤاد زمكحل

بعدما تاجر السياسيون بأموال اللبنانيين وودائعهم وجنى عمرهم، بدأوا يتاجرون اليوم بمشاعرهم، وأعصابهم، وبالوعود الوهمية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في كل الأذهان هو ماذا حصل؟ وأين باتت الودائع؟

كان اللبنانيون يضعون أموالهم في المصارف التجارية اللبنانية، منذ سنوات عديدة، وكانوا يكسبون منها فوائد مرتفعة، تفوق بكثير فوائد الأسواق المالية الإقليمية والدولية. سبب هذا المردود المرتفع كان يتعلق مباشرة بالمخاطر السيادية في لبنان. المعادلة الإقتصادية المعروفة والمنطقية هي أنه حيث ترتفع المخاطر، ترتفع الفوائد والمردود على الإستثمار. وهذه أيضاً معادلة أي استثمار إقتصادي ومالي. بمعنى آخر، إن زيادة الفوائد كانت متوازية مع زيادة المخاطر بهدف جذب الإستثمارات والأموال من الخارج، لتسديد الحاجات والمتطلبات من العملات الأجنبية، خصوصاً لتسديد العجز المتراكم من سنة إلى أخرى.

كل هذه الأموال وتدفق التحويلات، والإستثمارات، التي كانت تُوظّف في المصارف التجارية، كانت تذهب إلى المصرف المركزي، بحسب القوانين المرعية الإجراء، وتُستثمر أيضاً في الدولة اللبنانية وسندات الخزينة، التي كانت تدفع فوائد مرتفعة جداً، لجذب هذه الأموال، وهي المسؤولة المباشرة عن ارتفاع الفوائد في كل هذه السنوات، بهدف جذب الأموال، لتمويل عجزها وسوء إدارتها.

 هذا يعني أن هذه الأموال والودائع التي وُضعت في المصارف، إستُثمرت في الدولة اللبنانية، التي حجزتها أو بالأحرى هدرتها، من أجل تمويل خسائرها، وعجزها المتراكم، وإفلاسها المزمن منذ سنوات، لكنها كانت تبطنه وتُخبئه وتؤجّله قدر المستطاع. فكلما كانت الدولة تحتاج إلى العملات، كانت ترفع الفوائد، والكل كان يقع في هذا الفخ، قائلين: «إن أحداً لن يترك الدولة اللبنانية تنهار، وهذا كان رهاناً فاشلاً وخاسراً».

 اليوم، من الواضح، أن علينا جميعاً أن نتقبّل هذا الواقع والحقيقة المُرة، بأن هذه الأموال والودائع، صُرفت وهُدرت وسُرقت، من قبل الدولة اللبنانية، فيما ما تبقّى من هذه الأموال هو فقط الإحتياطي المركزي، الذي هو ملك الشعب اللبناني، حيث يعمل السياسيون ليلاً ونهاراً على المتاجرة به، واستعماله لتكملة الدعم الوهمي على حساب اللبنانيين، بهدف تأجيل الإنفجار الإجتماعي الكبير مرة أخرى حيث سيُصرف ما تبقّى من هذه الأموال، ولن يبقى سنت واحد لا للدعم ولا للودائع.

هدفنا ليس البكاء على الأطلال، لكن أن نُصارح الشعب اللبناني، بأن الأموال ليست مختبئة، لا في صناديق الأمانات في المصارف، ولا في المركزي، ولا في محلات الصيرفة، هذه الأموال والودائع صُرفت، ولن يبقى منها سوى جزء من الاحتياطي.

للأسف، إنّ القيام بأعمال «دون كيشوتية»، ومغامرات تلفزيونية، واقتحامات وهمية، لن تسترد أموال المواطنين، وهدفها كسب الوقت وجذب الأنظار.

وبالمنطق نفسه، يمكن إدراج الأسطوانة نفسها في موضوع التدقيق الجنائي، وحتى في مشروع قانون «الكابيتال كونترول» وأيضاً مشروع الموازنة، حيث كل هذه المشاريع لا جدية في تطبيقها، والأشخاص أنفسهم الذين يقترحونها يطعنون بها بعد أيام ويرجعون بها بعد أشهر، لأغراض سياسية وضغوطات معينة، وللأسف، كل هذه المشاريع الوهمية لن تعيد أموال اللبنانيين.

في الوقت عينه، المبادرات المالية والنقدية مثل الدولار الطالبي، أو الوعود باسترداد مبلغ الـ 25 الف دولار بحسب سعر السوق السوداء، هي أيضاً مبادرات تُشبه «حقن المورفين» لتخفيف الأوجاع، لكن لن تزيل المرض ولن تحل المشكلة المزمنة.

في الحقيقة، الحل الوحيد لإعادة أموال اللبنانيين، هو أولاً استعادة الثقة بلبنان واقتصاده. وفي الوقت عينه، إعادة الدورة الإقتصادية إلى طبيعتها المعهودة، التي تتعلق بالقطاعات المنتجة المالية والنقدية والصناعية والزراعية والتجارية والسياحية والخدماتية، والتي هي تستطيع استقطاب العملات المهمة في البلاد.

ما يُعيد أموال المودعين هو فقط عودة لبنان إلى الخارطة الإقتصادية الإقليمية والعالمية، وإعادة ثقة الشعب اللبناني، والمغتربين والدول المانحة. أصبح من الواضح أنه لن يتم استثمار دولار واحد إلا من خلال مشاريع واقعية تخضع للتدقيق الداخلي والخارجي، وتُدفع حسب مراحل التنفيذ. ونذكر أنّ مؤتمر «سيدر» ووعود الإستثمارات بنحو 11 مليار دولار، يتعلق بالإصلاحات وباقتراحات مشاريع واقعية ودقيقة مدروسة بحسب دفاتر الشروط المفصلة. للأسف، حتى تاريخه لم يُقترح من قبل الدولة اللبنانية أي مشروع للبلدان المانحة بحسب متطلباتها.

في الخلاصة، إن ما يردّ أموال اللبنانيين، ليس المشاريع الوهمية المقترحة لكن فقط الإستثمارات، والقطاع الخاص، والحركة الإقتصادية النشطة، والنمو الإقتصادي. لكننا نشهد في كل يوم طعناً بهذه القطاعات، ورمي الحجارة يؤذي الأركان الإنتاجية أو المنتجة، فضلاً عن إعاقة المساعدات الدولية، ضاربين بعرض الحائط الثقة العالمية بلبنان واللبنانيين.