الجرائم المالية: لبنان يكافح… والكأس المرة تقترب – العدد 467

Download

الجرائم المالية: لبنان يكافح… والكأس المرة تقترب – العدد 467

مقابلات
العدد 467 تشرين الأول/أكتوبر 2019

الخسائر السنوية الناجمة عن الجرائم المالية في العالم تفوق الـ 500 مليار دولار

الجرائم المالية: لبنان يكافح… والكأس المرة تقترب

يسلّم جميع المختصين بعالم المال والمصارف بأن الجريمة الماليّة تزداد تعقيداً لسبب بسيط وجوهري، أن العولمة المالية تتيح لنا تحويل أيّ مبلغ من المال إلى أي بلد في العالم في دقيقة واحدة، ما يعني أننا نحتاج إلى خبرة قانونيّة وماليّة متينة تطوّر نفسها بالتماهي مع تطوّر أساليب الاحتيال ومكامن الجريمة.

وبالرغم من النقاشات القائمة والجهد المبذول لمكافحة الجرائم المالية، إلا أنه لم يتم التوصل بعد إلى حلول جذرية لهذه الجرائم، أو إلى إيجاد سياسات تستبق وقوعها، ذلك لأن هذا النوع من الجرائم، يستفيد من التطورات المتزايدة التي تدخل في صلب العمل المالي، وليس آخرها التطورات التكنولوجية التي باتت الركيزة الأساس لغالبية العمليات المالية والمصرفية في لبنان والعالم.

في لبنان تعد هذه الجرائم الشغل الشاغل للبنانيين والمصارف خاصة في الآونة الاخيرة، في ظل قرار وزارة الخزانة الأميركية قطع علاقة المصارف الأميركية المراسلة مع أي مصرف لبناني متهم بتمويل الإرهاب (وهذا ما حصل مع بنك الجمَّال مؤخراً وقبله كان القرار بقطع المراسلة مع البنك اللبناني – الكندي) ناهيك عن ورود أسماء العديد من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال اللبنانيين على لائحة الأوفاك بتهمة تمويل الإرهاب.

الكأس المرة

كل ما سبق يستدعي البحث في التشريعات الجدية التي يمكن أن تجنب لبنان والعديد من دول العالم شرب هذه الكأس المرة، وعما إذا كان يمكن التكامل عربياً ودولياً في هذا الإطار، لخلق منظومة دفاع تكسر هذه القرارات القاطعة، للخروج من مفاعيلها السلبية سواء على المصارف أو الأشخاص ولجعلها أكثر مرونة وطواعية، وفي هذا الإطار يوضح الخبير القانوني الدكتور علي زبيب أنه «ليس هناك ما يسمى تحصين بلد ما من الجرائم المالية بل هناك إجراءات معينة تتخذ من قبل الدولة للتخفيف من حصول هذه الجرائم المالية، وهناك قوانين توضع لزيادة العقوبات التي تحصل في الجرائم المالية، وهناك إتفاقيات ومعاهدات دولية توقع عليها الدول لكي تثبت إمتثالها للمعايير العالمية لمكافحة هذا النوع من الجرائم. لبنان نظراً لصغر حجمه وصغر حجم إقتصاده وعدم قدرته أصلاً على عدم الامتثال، هو دائماً سباق حتى يثبت إمتثاله، ومؤخراً هددت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD) أنه من الممكن أن يكون لبنان على اللائحة السوداء وهي لائحة عدم الامتثال، فسارع لبنان إلى إتخاذ الإجراءات اللازمة التي أفضت إلى تشريع الضرورة في العام 2015 وإصدار القوانين رقم 42، 43، 44 و45، وأحدها يتعلق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب عند عدد كبير من المهن ومنها مهنة المحاماة والمحاسبين، بالإضافة إلى أن القطاع المصرفي له الثقل الأكبر في الإلتزام بالمعايير العالمية لمكافحة تمويل الإرهاب والتهرب الضريبي وتبييض الأموال، وبالتالي أصدر مصرف لبنان تعاميم تدفع المصارف للإلتزام الكامل والمطلق بالامتثال الدولي لمكافحة الجرائم المالية.

ويضيف: «نعم لبنان ممتثل إلى حد كبير ولكن الحديث الآن يدور حول كيفية إعادة بلورة العلاقة بين السلطات الرقابية اللبنانية والسلطات الرقابية الأميركية، فإذا كان هناك علاقة وثيقة وتنسيق دائم بين مصرف لبنان والخزانة الأميركية، فأين الاعتبار بالحدود الدنيا، الذي يجب أن تعطيه وزارة الخزانة الأميركية عبر إبلاغ مصرف لبنان بخروقات معينة تحصل في أحد المصارف التجارية في لبنان، وأن يتاح لهيئة التحقيق الخاصة لإزلة هذه الخروقات بدلاً من إصدار قرار مفاجئ الساعة 11 إلا ربعاً مساءً بإيقاف مصرف يعمل في السوق اللبناني منذ 60 عاماً في السوق اللبناني (بنك الجمَّال)، وهذا الأمر لم تتم معالجته إلى الآن، لأن الجهود الحالية تنصب على لملمة تداعيات ما حصل».

تعاميم وقوانين

من جهته يفسر الخبير الاقتصادي الدكتور جاسم عجاقة الاهتمام العالمي بمكافحة الجرائم المالية بالقول: «لم تكن الجرائم المالية محطّ أنظار وإهتمام المجتمع الدولي كما نشهده اليوم. ويُمكن القول إن هجومات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية هي التي كانت نقطة التحوّل التي نقلت الجرائم المالية إلى هذا المستوى من الملاحقة والمُتابعة. فالتحقيقات التي قامت بها الأجهزة الأمنية، كشفت أن الجرائم المالية أخذت منحى تصاعدياً بهدف خدمة الأعمال التي يُصنّفها المُجتمع الدولي بـ «الإرهابية». وهذا ما شهده لبنان من خلال مجموعة القوانين التي تمّ سنّها منذ ذلك الوقت».

 يضيف: «تمّ تصنيف الجرائم المالية في القوانين الدوّلية على أنها الجرائم التي تفرض الأموال بغير الطريقة التي تنصّ عليها النظرية الإقتصادية أي كوسيلة دفع في المعاملات التجارية الشرعية المُعرّف عنها بالقوانين الدوّلية. وتضمّ لائحة الجرائم المالية العديد من الجرائم: إساءة استخدام المال العام، المناقصات العمومية، تبييض الأموال، الإحتيال في سداد الديون، الفساد، إختلاس الأموال، الإفلاس الإحتيالي، الإحتيال الضريبي، استغلال النفوذ، النصب والإحتيال، الإحتكار، inside trading، الرشوة وإستغلال النفوذ، نقل الأموال غير الشرعي عبر الحدود، وتمويل الإرهاب.لذا مع السيطرة الكبيرة للإقتصاد الأميركي على الإقتصاد العالمي، نتوقّع أن تزداد الضغوطات على دول العالم لإجراء اللازم في ما يخصّ مكافحة الجرائم المالية. وبدون تردّد، أقول نعم يمتلك لبنان كل الوسائل القانونية لمكافحة الجرائم المالية. قانون العقوبات (مرسوم إشتراعي رقم 340 تاريخ 01/03/1943) تطرّق إلى بعض الجرائم المالية في مواده (460، 569، 638، 655، 662، 665، 671، 690). أيضاً يُمكن ذكر قانون الإثراء غير المشروع (قانون رقم 154 تاريخ 27/12/1999) وقانون إلغاء نشاطات «الأوف شور» المصرفية والمالية (قانون رقم 253 تاريخ 30/1/2000).

ولكن القانون الأهم يبقى بدون أدنى شك قانون مكافحة تبييض الأموال (قانون رقم 318 تاريخ 10/4/2001) والذي أتى على خلفية إدراج لبنان في حزيران من العام 2000 على لائحة الدول غير المتعاونة في مجال مكافحة تبييض الأموال.

العام 2015 شهد إقرار ثلاثة قوانين ذات أهمية قصوى، كانت تُشكّل العائق الأخير أمام لبنان من ناحية إتخاذ الإجراءات المطلوبة على صعيد مكافحة الجرائم المالية: قانون تبادل المعلومات الضريبية (قانون رقم 43 تاريخ 24/11/2015 ألغي بموجب القانون رقم 55 تاريخ 27/10/2016) وقانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (قانون رقم 44 تاريخ 24/11/2015) وقانون التصريح عن نقل الأموال عبر الحدود (قانون رقم 43 تاريخ 24/11/2015).

أيضاً هناك تعاميم وقرارات صادرة عن مصرف لبنان بهدف محاربة جريمة تبييض الأموال (تعميم رقم 1792 تاريخ 21/1/2000، تعميم رقم 1873 تاريخ 15/12/2000، قرار رقم 7818 تاريخ 18/5/2001 والمعدل بالقرار رقم 8142 تاريخ 31/5/2002 وبالقرار رقم 8488 تاريخ 17/9/2003)، كما كان للجنة الرقابة على المصارف تعاميم بهذا الخصوص (تعميم رقم 26 تاريخ 25/1/2000). أيضاً أطلقت هيئة التحقيق الخاصة مجموعة من التعاميم طالت مكافحة تبييض الأموال (إعلام رقم (1) تاريخ 4/7/2001، إعلام رقم (2) تاريخ 20/7/2001، إعلام رقم (3) تاريخ 16/10/2001…)».

أيضاً كان لجمعية مصارف لبنان تعميم يحمل الرقم 30 تاريخ 25/8/1998 يتضمّن توحيد الإجراءات لمراقبة مكافحة تبييض الأموال في إطار إتفاقية «الحيطة».

إلتزام مطلق

نستنتج مما سبق أن جميع المؤسسات المالية الدولية تقر بأن لبنان اتخذ خطوات عديدة للإنخراط في الحرب الدائرة ضد انتشار جرائم غسل الأموال ومكافحتها، أبرزها القانون الرقم 318 عام 2001 وكان أول بلد عربي يصدر تشريعاً كهذا، وتم تأسيس هيئة مستقلّة داخل المصرف المركزي، ذات طابع قضائي تتمتع بالشخصية المعنوية، غير خاضعة في ممارسة أعمالها لسلطة مصرف لبنان، وتعرف هذه الهيئة بـ«هيئة التحقيق الخاصة» يرأسها حاكم المصرف، رياض سلامة، وهي ذات مهمّات متعددة ولا يعتدّ أمامها بالسرية المصرفية، وفي هذا الإطار يشير الدكتور زبيب إلى أن «هناك إلتباساً موجوداً بشكل دائم حول ما يتعلق بالقوانين الأميركية، فهناك دائما تساؤل عن الحق بمطالبة لبنان بالقوانين الأميركية، وهنا لا بد من التوضيح أن المشرِّع الأميركي ووزارة الخزانة الأميركية لا تلزم لبنان أو أي بلد آخر بالالتزام بالقوانين الأميركية، بل تلزم المصارف الأميركية بالالتزام بقوانينها، وبما أن هذه المصارف هي مصارف مراسلة للمصارف اللبنانية، فإنها تطلب من المصارف الأميركية أن يتعهد أي مصرف يتعامل معها بالالتزام بالقوانين الأميركية وإلا يعتبر غير ممتثل وتقطع العلاقة معه وهذا ما حصل مع مصرف «جمَّال ترست بنك»، الذي لم يكن يعاني من أي مشكلة مع هيئة التحقيق الخاصة ومع لجنة الرقابة على المصارف ولا مع مصرف لبنان، بل ورد اسمه على لائحة الاوفاك (مكتب مراقبة الاصول الاجنبية) وحكماً قطعت علاقته مع المصرف المراسل ولهذا لم يستطع أن يستكمل عمله المصرفي، وبالتالي المطلوب هو خلق هامش مرونة في التعامل مع قرارات الخزانة الأميركية تجاه مصارف لبنانية، وهذا الهامش لا يتطلب المزيد من الإجراءات والقوانين، لأن القطاع المصرفي اللبناني من الناحية التقنية هو أقوى قطاع في العالم العربي، ويشكل مدرسة للقطاعات المالية في جميع الدول العربية، وبالتالي لبنان يملك ما يكفي من الخبرات لإدارة هذا القطاع ويتم الاستعانة بهذه الخبرات في الدول الاوروبية والعربية، ما نقوله إن الأرضية موجودة والمطلوب أن يأخذ مصرف لبنان حجمه وحقه عبر إعطاء دور أكبر لهيئة التحقيق الخاصة لتكون شريكاً فعلياً بالرقابة على هذه المصارف وبالتحقيق بما ينسب لها، يجب أن تحصل إجتماعات على مستوى عال جداً بين مصرف لبنان ووزارة الخزانة الأميركية وأن تولي رئاستا الجمهورية والحكومة إهتماماً بهذا الموضوع كي توضع آلية تمكن الجهة الرقابية اللبنانية لتكون جزءاً من عملية الرقابة والتحقيق وبالتنسيق مع السلطات الأميركية المالية ».

 ويضيف: «المنطق العام لحق الولوج إلى العدالة يشير إلى أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، ولكن عندما يتم وضع مصرف على لائحة الأوفاك، هذا يعني أننا وجهنا الإتهام وقررنا الحكم ونفذناه، وبالتالي أين حق المصرف في الدفاع عن نفسه، وأين واجب السلطة الرقابية اللبنانية والحكومة اللبنانية بالدفاع عن شركة مساهمة لبنانية وهي مصرف لبناني وزبائنه هم اللبنانيون. ما يحصل هو نتيجة ممارسة غير سوية، وبالتالي على السلطات السياسية اللبنانية أن تتواصل مع السلطات الأميركية لإيضاح أن ما يتم تطبيقه من قبل الخزانة الأميركية في لبنان، (قانون الأوفاك) غير مقبول في لبنان نتيجة طبيعة الواقع اللبناني ونظراً لأن لبنان محاط بمجموعات إرهابية ومن مصلحة السلطات الرقابية الأميركية أن يكون لبنان شريكاً حقيقياً معها، ولا بد من إشراك الجهاز الرقابي اللبناني مع الجهاز الرقابي الأميركي أو أي جهاز رقابي آخر للتحقيق في أي ثغرات أو خروقات تتم في القطاع المصرفي اللبناني بدلاً من إذعان المصرف وحتى السلطة الرقابية للقرار الأميركي، يجب إعادة خلق آلية جديدة للتعامل مع هكذا سيناريوهات مقبلة، وإلا فنحن فعلياً أمام إحتمال إنهيار القطاع المصرفي اللبناني، باب المعالجة الأساسي هو من الناحية السياسية وليس من باب تطبيق التشريعات والقوانين التي يطبقها لبنان بحذافيرها، قانون منع التمويل الدولي لحزب الله (هيفبا1) 2015 و(هيفبا 2) 2017 يعطي الحق للحكومة اللبنانية أعلى سلطة في البلد (وهذا باب يمكن أن تستفيد منه الحكومة اللبنانية) لأنه في حال وجود أي مؤسسة مالية أجنبية تخضع لهذه الحكومة هي موجودة على لائحة الأوفاك أو أي لائحة أخرى، عندها يحق للسلطة السياسية التخاطب مع الرئيس الأميركي والتعهد بأن هذه المؤسسة المالية الاجنبية ليس لها علاقة بالعمليات المشبوهة أو أنها أخذت إجراءات معينة للحد من هذه العمليات، وهنا يحق للرئيس الأميركي دراسة ما تم مراسلته به وحذف إسم المؤسسة الاجنبية من لائحة العقوبات، ولكن هذه الخطوة لم تتخذ من قبل السلطات الأميركية لا بد من قراءة القانون الأميركي والاستعانة بخبراء قانونيين للمساعدة في كيفية التخاطب من أجل الدفاع عن مؤسسة مالية تعرضت للقتل».

من جهته يرى عجاقة أن «قطاعنا المصرفي اللبناني هو من أكثر القطاعات المصرفية في العالم التزاماً بالقوانين الدولية، وهذا الأمر هو نتاج مجهود هائل قام به مصرف لبنان والقطاع المصرفي اللبناني لمكافحة الجريمة المالية بأنواعها، بالإضافة إلى تطبيق كل القوانين الدولية (بما فيها قانون HIFPA) والمعايير الإحترازية (Basel III) والمحاسبية (IFRS9) وغيرها.ويكفي النظر إلى التقرير السنوي الذي تُصدره هيئة التحقيق الخاصة لمعرفة مدى الجدّية التي يتمّ فيها مراقبة الجرائم المالية من قبل هذه الهيئة التي وبالتعاون مع وحدات الإمتثال في المصارف، إستطاعت ضبط العديد من الحالات (30 حالة العام الماضي) وإحالتها إلى القضاء. أيضاً يأتي إنتخاب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كأفضل حاكم مصرف مركزي في العالم للمرّة الرابعة ليدلّ على مدى إلتزام القطاع المصرفي اللبناني بالقوانين المحلّية (بالدرجة الأولى) والدوّلية (بالدرجة الثانية). وقد إعترف الكونغرس الأميركي العام 2017 أن القطاع المصرفي في لبنان يُطبق العقوبات الأميركية بنسبة تفوق الـ 95 %، وهذا الأمر يدلّ على مدى الأهمّية التي يعقدها حاكم مصرف لبنان والقطاع المصرفي اللبناني لإندماج هذا الأخير بالمنظومة المصرفية العالمية لما في ذلك من تداعيات إيجابية على الإقتصاد اللبناني وعلى لبنان عامّة. وهنا يتوجّب القول إن لا خيار للبنان إلا تطبيق قانون العقوبات الأميركية لأن العكس يعني محو لبنان عن الخارطة المالية والمصرفية العالمية والقضاء على الكيان اللبناني الذي يعتمد على التمويل الخارجي بالدرجة الأولى».

 يضيف: «قضية جمّال ترست بنك تدخل ضمن صراع سياسي بين الولايات المُتحدة الأميركية وإيران والذي يطال حزب الله الذي تعتبره واشنطن ضمن المحور الإيراني. هذا الموضوع هو سياسي بإمتياز وزجّ القطاع المصرفي فيه يُشكّل مضرّة للبنان بالدرجة الأولى. المعروف أن مصرف لبنان لن (ولا يستطيع) تغطية المصارف التي تُخالف قانون العقوبات. لذا كل مصرف مخالف، يتحمّل مسؤولية هذه المخالفة، كما رأينا مع «البنك اللبناني الكندي» و«جمّال ترست بنك». إلا أن المهمّ معرفة أن وضع هذه المصارف على لائحة العقوبات لا تؤثّر على ودائع العملاء وهذا أمر أكثر من حيوي للثقة بقطاعنا المصرفي الذي يعود فيه الفضل إلى سياسة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وإلتزام المصارف اللبنانية. وإذ يكثر الحديث على مواقع التواصل الإجتماعي عن عقوبات ستطال بعض المصارف الأخرى، نرى أن هذا الأمر نابع أكثر من الشائعات وحتى لو حصل، لن يكون له تأثير على القطاع المصرفي اللبناني نظراً لصلابة ومتانة نواة هذا القطاع».

الأمن الرقمي

لا شك أن الجريمة الإلكترونية إحدى أخطر أنواع الجرائم المالية التي تواجهها الدول والمجتمعات في ظل الانتشار السريع والمتزايد لاستخدام الإنترنت في عالم المال والأعمال، وفي ظل التطور المستمر في تقنيات الاختراق والقرصنة والاحتيال الإلكتروني، إذ تفوق الخسائر السنوية الناجمة عن هذه الجرائم 500 مليار دولار، الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود لمكافحة هذا النوع من الجرائم من خلال التوعية وسن التشريعات واتخاذ التدابير لتطوير أنظمة حماية تقنية وتشغيلية، وهناك حاجة ماسة لأن تأخذ الدول تدابير وإجراءات منسقة لتفادي استغلال الأصول الإلكترونية في عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ولشدة تعقيد عملية المكافحة عالمياً، لم تتمكن القوانين المالية الدولية من إطباق الخناق على تلك الجرائم، فبرغم وجود قانون «فاتكا FATCA» والمعايير الدولية التي تشمل توصيات مجموعة العمل المالي «فاتف FATF»، وغير ذلك، يبقى العالم، ولبنان تحديداً، عرضة لعمليات الاحتيال المالي وتبييض الأموال، ومختلف أنواع الجرائم المالية.

يعتبر الخبير الاقتصادي الدكتور جو سرُّوع أنه «تاريخياً تعامل قطاع الأمن الالكتروني وعلى فترة طويلة من منطلق ردة الفعل وليس من منطلق الإجراءات الاستباقية لحماية القطاع المصرفي، إذ كانت المصارف تعمد إلى تقديم منتجات إلى عملائها تمنع إختراق شبكات إتصالاتهم مقابل بدل مادي، لذلك اعتبرت حماية أنظمة المعلومات على هامش الانظمة وليس في أساسها، أي أن الأمن الالكتروني شكل بالنسبة للمؤسسات المعنية ردة فعل وليس أمناً إستباقياً ولم يتم الاستثمار في هذا القطاع بالقدر الكافي، سواء من المؤسسات المعنية أو من قبل المستخدمين لها وكانت الشراكة بين قطاع الأمن الالكتروني، ومستخدميه ظرفية وعشوائية ولم تساعد الشركات على الفهم الحقيقي للأمن الالكتروني وبيئة الأعمال الرقمية المتطورة تتطلب جهداً منظماً وخبرة عميقة ومعرفة وثيقة».

يضيف: «من هذا المنطلق هناك حتمية في التعاون بين موردي الخدمة ومستعمليها من الشركات لإنشاء وصيانة بنى تقنية كفيلة بتأمين الحصانة المطلوبة للحفاظ الفاعل على صدقية المعلومات وحرمتها وسريتها من الجوانب المادية والمالية ومنع التسلل إليها، والتي عبرها يمكن الاستبدال الجذري لمفاهيم عمل الإدارات ومنافع الخدمات والمنتجات والتوسط والنصح المالي، مما يستلزم ثقافة مصرفية متعددة وشبكات أمن رقمي عصية على التسلل الجرمي إليها، لقد شكل الأمن الرقمي خلال السنوات القليلة الماضية أرقاً شديداً للعديد من الدول الكبرى ولكثير من الشركات. إن العالم على أبواب الثورة الصناعية الرابعة وعلى مشارف تقنية رائدة تتمثل بالذكاء الإفتراضي والتكنولوجيا المالية، إن هذا التغيير النوعي الهائل استدعى سباقاً حامياً في تطوير سبل ووسائل وتقنيات الأمن الإلكتروني وتقنيات إختراقه».

ويُلفت سرُّوع إلى أن «مجتمع الأعمال في العالم يوصي بالاستثمار في هذا المجال والبقاء على إطلاع على تطوراته للإنتقال مما هو الآن إلى ما هو حاصل، وما يستدعيه هذا الانتقال من إستثمار مؤثر في التقنية وفي تدريب الموارد البشرية لإستيعاب التغيير الحاصل في البنية التقنية الآتية وتأثيرها على البنى الهيكلية والتنظيمية لمواردها وعلى تركيبة خدماتها ومنتجاتها، وبالتالي على قدراتها التنافسية، إن القطاعات الاقتصادية والمالية كمثيلاتها في العالم معنية جداً بهذا التغيير الهيكلي القادم، وعلى الدولة أن تهيىء الظروف التي تساعدها على التخطيط الاستراتيجي لهذا التغيير الواسع وجدولته على مراحل زمنية متكاملة قابلة للتحقق عملياً بكفاءة إدارية وكفاية مالية، وعلى الدولة في لبنان أن تكون شريكاً للقطاع الخاص في هذا الجهد تشريعاً وتسهيلاً وأداء متكاملاً».

تكامل عربي

– والسؤال الذي يمكن أن يطرح هنا هل يمكن خلق لوبي عربي لمواجهة تداعيات قرارات وزارة الخزانة الأميركية؟

يجيب الدكتور زبيب: «من تجربة إتحاد المصارف العربية في هذا الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أن سلطات الخزانة الأميركية لديها سلطة مطلقة على العالم المالي، وهناك مصارف وجهات مالية عربية توظف مكاتب خاصة لتنظيم وتقوية العلاقة مع هذه الجهات، وبالتالي إذا وضعت هذه الجهود بشكل جماعي لا شك أن في الاتحاد قوة ويمكن عندها إلزام صنَّاع القرار في الولايات المتحدة الأميركية ومطلقي هذه الاتهامات ومنفذي هذه العقوبات بأن هناك كتلة نقدية سياسية ومالية عربية هائلة، لا بد من الأخذ برأيها والتعاون والتواصل معها للوصول إلى الأهداف المنشودة، هذا إذا كانت الأهداف من وراء القرارات الأميركية هي مالية لمحاربة الإرهاب، علماً بأن الجميع يشك بأن الأهداف هي سياسية».

500 مليار دولار خسائر الجرائم المالية

تعد الجريمة الإلكترونية إحدى أخطر أنواع الجرائم التي تواجهها الدول والمجتمعات في ظل الانتشار السريع والمتزايد لاستخدام الإنترنت والتطور المستمر في تقنيات الاختراق والقرصنة والاحتيال الإلكتروني، إذ تفوق الخسائر السنوية الناجمة عن هذه الجرائم 500 مليار دولار، الأمر الذي يتطلب تضافر الجهود لمكافحة هذا النوع من الجرائم من خلال التوعية وسن التشريعات واتخاذ التدابير لتطوير أنظمة حماية تقنية وتشغيلية.
إن الأصول الإلكترونية والخدمات المرتبطة بها تدفع عجلة التطور والابتكار وتساعد في تحسين الخدمات وتعزيز الشمول المالي، إلا أنها من جانب آخر مرتع للمجرمين والإرهابيين لتمرير أموالهم وغسلها من خلالها. لذا فهناك حاجة ماسة لأن تأخذ الدول تدابير وإجراءات منسقة لتفادي استغلال الأصول الإلكترونية في عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

 

باسمة عطوي