الحرب الروسية – الأوكرانية وتداعياتها الإقتصادية 

Download

الحرب الروسية – الأوكرانية وتداعياتها الإقتصادية 

الاخبار والمستجدات
العدد 498 - أيار/مايو 2022

الحرب الروسية – الأوكرانية وتداعياتها الإقتصادية 

أوروبا في قلب العاصفة وأمام نقطة تحوّل تاريخية 

والأمن الغذائي والإجتماعي لبعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في خطر

 

نعمت بيان

مستشارة المرأة والطفل في المنظمة العربية

لحقوق الإنسان في الدول الإسكندنافية

يشهد العالم فوضى عارمة تشمل جميع مناحي الحياة، الأمنية والسياسية والصحية والمناخية والإقتصادية، نتيجة الحروب والصراعات بين القوى الدولية – الإقليمية  القائمة على توسيع مناطق النفوذ والسيطرة على الثروات. هذا الصراع الجيو- سياسي يُسبّب للبشرية والإنسانية جمعاء عواقب خطرة تُطاول أمن وإستقرار الشعوب والأوطان على حدٍ سواء. ففي الوقت الذي لم ينهض العالم بعد من تداعيات أزمة جائحة كورونا الإقتصادية جرّاء الإقفال التام لنحو عامين، جاءت الحرب الروسية – الأوكرانية لتزيد من طين المشكلة بلّة، وتخلق أزمة إقتصادية عالمية مُضافة.

لا شك في أن الصراع الروسي – الأوكراني يُشكل ضربة للإقتصاد العالمي، حيث إنه من أخطر تداعيات هذه الأزمة المُستجدة، أنها ستعوّق وتضر بالنمو وتطور العجلة الإقتصادية العالمية، وستزيد نسبة التضخم التي بدأت تشهدها بعض الدول الأوروبية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إرتفعت نسبة التضخم في دولة السويد إلى 6.1 % والتي لم تشهدها منذ أكثر من 30 عاماً، ومُرجّحة للإرتفاع أكثر.

وحسب تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في 17 آذار/مارس 2022، إن الآثار السلبية لهذه الأزمة سوف تتدفق من خلال ثلاث قنوات:

– القناة الأولى: إرتفاع أسعار السلع الأولية، كالغذاء والطاقة، الذي سيدفع التضخم نحو مزيد من الإرتفاع، مما يؤدي بدوره إلى تآكل قيمة الدخول وإضعاف الطلب.

– القناة الثانية: سوف تصارع الإقتصادات المجاورة بصفة خاصة الإنقطاعات في التجارة وسلاسل الإمداد، وتحويلات العاملين في الخارج، كما ستشهد طفرة تاريخية في تدفقات اللاجئين.

– القناة الثالثة: تراجع ثقة مجتمع الأعمال وزيادة شعور المستثمرين بعدم اليقين، سيفضيان إلى إضعاف أسعار الأصول، وتشديد الأوضاع المالية، وربما التحفيز على خروج النفقات الرأسمالية من الأسواق الصاعدة.

وبما أن روسيا وأوكرانيا من أكبر البلدان المُنتجة للسلع الأولية، فقد أدّت انقطاعات سلاسل الإمداد إلى إرتفاع الأسعار العالمية بصورة جنونية، ولا سيما أسعار النفط والغاز الطبيعي. كما شهدت تكاليف الغذاء قفزة في ظل المستوى التاريخي الذي بلغه سعر القمح، حيث تُسهم كل من أوكرانيا وروسيا بنسبة 30 % من صادرات القمح العالمية، وإن أكثر البلدان تأثراً بهذه  التداعيات، هي البلدان التي لديها علاقات تجارية وسياحية وإنكشافات مالية.

والإرتفاع الحاد في أسعار الغذاء والطاقة، سيدفع بالطبع إلى حدوث قلاقل في بعض المناطق والبلدان، من إفريقيا – جنوب الصحراء، وأميركا اللاتينية، إلى القوقاز وآسيا الوسطى، بينما من المحتمل زيادة إنعدام الأمن الغذائي في بعض أنحاء إفريقيا والشرق الأوسط.

وقد تُفضي الحرب على المدى الطويل إلى تبديل النظام الإقتصادي والجيو – سياسي العالمي من أساسه إذا حدث تحوّل في تجارة الطاقة، وأُعيدت تهيئة سلاسل الإمداد، وتجزّأت شبكات المدفوعات، وأعادت البلدان التفكير في حيازاتها من عملات الإحتياطي. أما زيادة حدة التوتر الجيو – السياسي فيُهدّد بمزيد من مخاطر التجزؤ الإقتصادي ولا سيما على مستوى التجارة والتكنولوجيا.

الدول الأكثر تضرراً من الحرب الروسية – الأوكرانية أوروبـــــــا – أمام نقطة تحوّل تاريخية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تشهد القارة الأوروبية حرباً بالمعنى الحرفي للكلمة، بل عاشت في حالة إستقرار بنحو سبعة العقود. بينما أمسى مستقبل أوروبا، راهناً، محفوفاً بالقلق والمخاطر نتيجة الحرب الروسية – الأوكرانية المُستجدة التي بدأت في 24 شباط/فبراير 2022 ولا تُعرف كيف ستكون نهايتها. هذه الحرب سيكون لها تداعيات إقتصادية ومالية وتجارية وحتى عسكرية هائلة وبالدرجة الأولى على القارة العجوز، كونها في قلب الحدث.

روسيا والعقوبات

روسيا وأوكرانيا أُولى الدول الأوروبية المتضرّرة جرّاء الأزمة الأوكرانية، حيث أدت المعارك إلى تعطيل شبه كامل للإقتصاد الأوكراني، كما عرقلت بشكل كبير الملاحة في البحر الأسود. ولم يطل الأمر حتى سارعت الدول الغربية إلى فرض عقوبات مالية وإقتصادية قاسية وصارمة على روسيا، تمخّضت عنها آثار إقتصادية عقيمة. وقد عوّقت هذه العقوبات الإستثمارات وتبادل السلع والخدمات بين روسيا والعالم.

توازياً، ترافق فرض العقوبات الاقتصادية الصادمة على روسيا مع توقف العديد من الشركات العالمية عن العمل مع روسيا تفادياً للعقوبات المستقبلية، وهذا الإجراء حتماً سيُهدّد بالبطالة الجماعية في المدى القريب، وهذا ما تخشاه الكرملين، حيث إن البطالة ستكون المحرك الأساسي للإحتجاجات الداخلية. لذا باشر الرئيس بوتين بتجهيز البلاد  ببدائل على المدى الطويل، حيث رأى في حديث مع  المسؤولين التنفيذيين في مجال الطيران أخيراً، أن «الغرب الجماعي لا يُخطط للتراجع عن سياسة الضغط الإقتصادي على روسيا، ويحتاج كل قطاع من قطاعات الإقتصاد الروسي إلى وضع خطة طويلة الأمد تستند إلى الفرص الداخلية».

علماً أن الرئيس الروسي توقع العقوبات منذ أن قام بضم جزيرة القرم في العام 2014، ولكن ليس بالحجم الهائل الذي حصل بعد إجتياح أوكرانيا، لذا بدأ التفكير بالإعتماد على الذات برسم إستراتيجية أطلق عليها إسم «حصن روسيا». ومن بعض الإجراءات التي يُمكن أن يتخذها الكرملين لتحصين روسيا داخلياً من تداعيات العقوبات الإقتصادية الغربية هي: البنك المركزي يرفع الفائدة، وإستبدال شبكة «سويفت» بشبكات داخلية والإعلان عن وظائف جديدة، حسب ما أوردته صحيفة «الإندبندت» الصادرة في 23/4/2022.

يُشار إلى أن الإقتصاد الروسي يحتل المرتبة الـ 11 عالمياً، وتزداد أهميته لقطاعات عالمية أساسية، أبرزها أسواق الطاقة وبعض المعادن والحبوب.

وقد حذّر العديد من المؤسسات الدولية من الآثار الكارثية للأزمة الأوكرانية في إمدادات الغذاء للدول المنخفضة الدخل. كما قادت هذه الأزمة إلى تعطيل صادرات الحبوب الأوكرانية والروسية على حد سواء. وتفاعلت  أسعار القمح جرّاء هذه الحرب، حيث إرتفع سعر الطن إلى نحو 400 دولار.

كما تُوفر أوكرانيا وروسيا 60 % من صادرات دوار الشمس العالمية، إضافة إلى الشعير والذرة.  لذا ستتكبّد روسيا وأوكرانيا خسائر فادحة، لأن من شأن العقوبات غير المسبوقة على روسيا أن تُضعف أنشطة الوساطة المالية والتجارة، مما سيُفضي إلى حدوث ركود عميق، وإنخفاض سعر الروبل يُذكّي التضخم، ويُفضي إلى تراجع مستويات معيشة الناس، والخوف من إرتفاع نسبة البطالة الجماعية جرّاء توقف العديد من الشركات العالمية في روسيا التي لم تتظهّر بعد، لكنها من أكثر الأشياء التي يخشى الكرملين منها بسبب قدرتها على تأجيج المعارضة.

الطاقة وتداعيات إنقطاع سلاسل الإمداد على الدول الأوربية

ما هي البدائل المُحتملة أمام أوروبا في حال توقف الإمداد للغاز الروسي؟

تُمثل الطاقة القناة الرئيسية لإنتقال التداعيات في أوروبا، حيث تُشكل روسيا مصدراً أساسياً لوارداتها من الغاز الطبيعي إلى الدول الأوروبية، مما يُؤدي إلى إنقطاعات أوسع في سلاسل الإمداد. كما ستُسفر هذه الآثار عن إرتفاع التضخم وإبطاء التعافي من جائحة كورونا. كما ستشهد أوروبا الشرقية إرتفاعاً في تكاليف التمويل، وطفرة في تدفق اللاجئين، حسب ما أوضحته تقارير الأمم المتحدة. ويُتوقع أن تُواجه الحكومات الأوروبية ضغوطاً على المالية العامة من زيادة الإنفاق على تأمين مصدر الطاقة وميزانيات الدفاع.

كما أثار تهديد الغاز مقابل الروبل إحتمالية قطع الإمدادات عن الدول الأوروبية، حيث إتخذت ألمانيا  (الدولة الأوروبية الأكثر تضرّراً من هذه التداعيات) والنمسا خطوات إحترازية تجاه تقنين الغاز لتجنّب إحتمال توقف عمليات التسليم، وآخر هذه الخطوات دعوة وزير الإقتصاد الألماني روبرت هابيك الألمان إلى البدء في توفير إستهلاك الطاقة الآن لا سيما عبر العمل من المنزل، ليصبحوا أكثر استقلالاً عن الوقود الأحفوري الروسي.

ورغم تهديد روسيا الذي شكّل صدمة للدول الأوروبية، حين وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنذاراً لدفع ثمن طاقتها المُستوردة من روسيا بالروبل، إعتباراً من أول نيسان/أبريل 2022، أو المخاطرة بقطع الإمدادات الحيوية، لا تزال الدول الأوروبية تستفيد من الغاز الروسي، رغم دخول قرار بوتين حيّز التنفيذ في الأول من نيسان/إبريل 2022.

كما ترفض كلٌّ من ألمانيا وفرنسا وحكومات الإتحاد الأوروبي الإنذار الروسي، وتؤكد أنها لن «تُبتّز» من قِبل موسكو لتغيير شروط العقود المعمول بها حالياً، حيث إعتبر أكبر مسؤول إقتصادي في الإتحاد الأوروبي، باولو جينتلوني لمحطة «سي إن إن» أن العقود الحالية لا تتضمّن إلتزاماً بالدفع بالروبل، وهذا يعني أن آلية مبادلة اليورو بالروبل التي إقترحتها موسكو لن تجدي نفعاً.

ألمانيا والنفط الروسي

تُعتبر ألمانيا كبرى  الدول الأوروبية المستوردة للغاز الروسي والأكثر تضرّراً جرّاء هذه التداعيات، لما لديها من صناعات ضخمة التي تستهلك كميات هائلة من الغاز والطاقة.

وقد حذّر المستشار الألماني أولاف شولتس في كلمة له أمام البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ)، بأن «قرار ألمانيا دعم الإتحاد الأوروبي في فرض عقوبات تستهدف البنك المركزي الروسي، وإسبتعاد مصارف روسية من نظام «سويفت» المالي، قد يتوسع لكي يشمل عقوبات «من دون حدود».

والمقصود في كلام شولتس إستعداد بلاده لفرض عقوبات على الغاز الروسي الذي تعتمد ألمانيا بثلث طاقتها تقريباً عليه. وكان المستشار الألماني قد أعلن بعد يوم على بدء الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وقف العمل بمشروع «نورد ستريم 2» الذي ينقل الغاز الروسي مباشرة إلى ألمانيا. وقال: «إن المشروع أصبح يشكل «تهديداً للأمن القومي» في ألمانيا».

وقد أعلن شولتس أيضاً أمام البرلمان عن خطط تعمل عليها الحكومة لبدء تقليص إعتمادها على الغاز الروسي الذي يصلها حالياً عبر أنابيب المرور في أوكرانيا، وقال: «إن البلاد ستزيد من إحتياطي الغاز في المستقبل القريب، وستبني محطتين إضافيتين لذلك في أسرع وقت ممكن، فيما تُسرّع بالعمل على مشروعات الطاقة المتجددة».

«لا مزيد من النفط الروسي العام المُقبل»، هذا ما وعدت به أيضاً وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربول خلال مؤتمر صحافي عُقد في 20 نيسان/أبريل 2022، حيث قالت: «في العام 2022 خاضت روسيا الحرب، وعاد الناس في أوروبا إلى الخوف والقلق مرة أخرى، ويُعتبر هجوم روسيا على أوكرانيا نقطة تحوّل، لذا يتعيّن علينا إعادة التفكير في البيئة الأمنية لأوروبا». وأضافت بيربول: «أن الأمن في أوروبا يعني سنُقلّص ونُنهي إعتمادنا على روسيا ولا سيما في مجال سياسة الطاقة، إذ إرتكبنا الأخطاء في هذا المجال في الماضي، ولكن لا يُمكننا تكرار ما مضى، بل علينا أن نُوقف وارداتنا من الطاقة الروسية بشكل أكبر، لذلك أقول هنا بوضوح، وبشكل لا لُبس فيه، بأن ألمانيا أيضاً تعمل على التخلّص التدريجي من واردات الطاقة الروسية، وفي نهاية الصيف سنُخفض النفط إلى النصف، وسنكون عند الصفر في حلول نهاية العام، وسيتبع ذلك الغاز، وذلك ضمن خارطة طريق أوروبية مشتركة، لأن ذلك هو قوتنا المشتركة».

من جانبه صرح وزير الاقتصاد الألماني في آذار/مارس 2022: «أن ألمانيا تريد أن تكون شبه مستقلة عن النفط الروسي في نهاية العام الجاري».

من جانب آخر، وبحسب ما أوردت CNBC، يقول المحلّلون في مجموعة «أوراسيا» الإستشارية للمخاطر السياسية، إنه «من غير المرجح أن تنتهك شركة «غازبروم» عقودها الحالية برفضها تزويد الغاز للعملاء الذين يرفضون الدفع بالروبل على المدى القصير.

ومن المحتمل أن تسعى «غازبروم» إلى إعادة التفاوض على العقود الحالية، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً في أفضل الظروف، في سياق المراجعات الدورية التي تسمح بها معظم العقود طويلة الأجل. وعلى المدى الطويل، من المرجَّح أن تصرّ «غازبروم» على أنّ العقود الجديدة تعكس السياسة الجديدة، بمجرّد أن يتم تجديدها».،

 وأضاف المحللون في مجموعة «أوراسيا»: أنّ «هناك خطراً من أن تتحرك روسيا بقوة أكبر، وهو ما قد يعني ضمناً، فرصة أكبر لتعطّل إمدادات الغاز على المدى القصير. لكن من المرجح أن تستمر عملية التفاوض المطوَّلة».

 وبحسب CNN، رغم زيادة مخاطر تعطّل الإمدادات الأوروبية، لا يزال الغاز الروسي يتدفق غرباً على إثنين من خطوط الأنابيب الثلاثة الرئيسية، إذ لم توقف روسيا على الفور تدفق الغاز إلى أوروبا، لأنّ مدفوعات الغاز التي يتم تسليمها الآن، ستنخفض نهاية شهر نيسان/ إبريل أو بداية أيار/ مايو 2022، حسب المتحدث بإسم الكرملين دميتري بيسكوف، مؤكداً «أنّ عدم الموافقة على تسديد ثمن الغاز بالروبل، لا يعني وقف الإمدادات في الأول من نيسان/أبريل 2022، أي تاريخ دخول القرار الروسي حيّز التنفيذ»، معتبراً أنّ «غازبروم» ستعمل مع عملائها لتطبيق القواعد الجديدة، وأنّ «التفويض بالروبل يُمكن إلغاؤه».

من جهتها، رأت الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية في جامعة كولومبيا، آن صوفي كوربو، في حديث لـ CNBC «أنّ الفشل في حل أزمة مدفوعات الروبل قد يؤدي إلى عملية تحكيم مطوّلة. فالشركات لديها عقود طويلة الأجل مع شركة «غازبروم»، وإذا كان هناك بند في هذه العقود يسمح للشركات بتبديل العملات للدفع بالروبل، فقد تكون هذه إحدى النتائج المحتمَلة».

وإحدى البدائل التي يتم التداول بها والتفاوض عليها، هي إمداد أوروبا بالغاز القطري عوضاً عن الغاز الروسي. فخلال زيارة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد إلى واشنطن نهاية كانون الثاني/يناير 2022، بحث الجانبان خيارات تزويد دول الإتحاد الأوروبي بشحنات من الغاز الطبيعي القطري، في حال شنّت روسيا حرباً على أوكرانيا.

لكن مراقبون يرون أن تحويل الغاز القطري إلى دول الإتحاد الأوروبي، سيحتاج إلى مزيد من الوقت، إضافة إلى أن قدرات قطر في ظل إلتزاماتها تجاه الدول المُستوردة للغاز في آسيا وإفريقيا، ستظل في حدود تعويض جزئي لحاجة تلك الدول من الغاز الروسي.

لكن يُمكن لدول أخرى منتجة للغاز إلى جانب قطر، مثل الجزائر ومصر، أن تُساهم في تقليل إعتماد الأوروبيين على الغاز الروسي، وسدّ جزء من حاجاتهم. كما أن دولاً منتجة للنفط مثل السعودية والعراق والكويت والإمارات، يُمكنها المساهمة في تقليل إعتماد أوروبا على النفط الروسي.

الآثار الفادحة على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

 من المؤكد، أن بعض بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستتأثر بشكل كبير، جرّاء الأزمة الأوكرانية، حيث إن بعض الدول العربية ستُواجه آثاراً فادحة من إرتفاع أسعار الغذاء والطاقة وضيق الأوضاع المالية العالمية. ففي مصر، على سبيل المثال، تأتي 80 % من وارداتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، كما أنها مقصد سياحي يحظى بإقبال كبير من كلا البلدين، وسوف تشهد كذلك إنكماشاً في نفقات زائريها.

والحال أصعب بالنسبة لـ ( لبنان، وسوريا، والجزائر وتونس) حيث ستُواجه هذه البلدان مصاعب في توفير إمدادات الحبوب ، وخصوصاً القمح، كذلك الزيوت النباتية، لأن هذه البلدان تعتمد بشكل رئيسي على إمدادات القمح والحبوب من أوكرانيا وروسيا، مما يُعرّض أمنها الغذئي للخطر، ولا سيما في لبنان الذي يعاني إنهياراً مالياً خطراً.

وربما أدت الأسعار الآخذة في الإرتفاع إلى زيادة التوترات الإجتماعية في بعض البلدان، كتلك التي لديها شبكات أمان إجتماعي ضعيفة، وفرص عمل قليلة، وحيّز محدود للإنفاق من المالية العامة، وحكومات تفتقر إلى الشعبية.

ختاماً، إن عواقب الحرب الأوكرانية – الروسية التي وقعت في 24 شباط/فبراير 2022 لن تؤثر على هذين البلدين فحسب، بل ستُطاول العالم بأسره، مع إختلاف نسبي بين منطقة وأخرى . فهذه الحرب ستُؤثر سلباً في حالتين مهمتين، معدل التضخم والنمو العالميين. حيث ستُفاقم الحرب الأوكرانية معدل التضخم العالمي بسبب الإرتفاع الكبير في تكاليف الطاقة العالمية والمعادن والحبوب التي تُسهم بشكل أساسي في إنتاج السلع والخدمات العالمية، كذلك بسبب مفاقمتها أزمة سلاسل التوريد.

وتشير بعض المصادر إلى أن التضخم العالمي هذا العام سيتجاوز 6 %، لكن بعض الدول الإقتصادية الكبرى ستعاني بشكل أكبر، وسيتضرّر أيضاً معدّل النمو الإقتصادي العالمي بسبب هذه الحرب. وحسب تقارير صندوق النقد الدولي،  أنه «ستزيد المصاعب في وجه صُنّاع القرار والسياسات»، إذ يرى المحللون أنه قد لا تتضح الصورة الكاملة لبعض الآثار لسنوات طويلة، إلا أن هناك علامات واضحة على أن الحرب وما أفضت إليه من قفزة في تكاليف السلع الأولية الضرورية، ستزيد من الصعوبات والتحديات التي تواجه صنّاع السياسات في بعض البلدان لتحقيق التوازن بين إحتواء التضخم ودعم التعافي من الجائحة.

ولتفادي الوصول إلى الأسوأ، لا بد من وجود شبكة أمان عالمية، وإيجاد حلول لوقاية الإقتصادات من الصدمات. وكما عبرّت مديرة الصندوق الدولي كريستالينا غورغييفا «نحن نعيش في عالم مُعرّض بشكل أكبر للصدمات، ونحتاج إلى القوة الجماعية للتعامل مع الصدمات المقبلة».