الحكومة الإلكترونية توفر على الاقتصاد مليار و200 مليون دولار وتفتح الباب أمام وظائف وإستثمارات جديدة

Download

الحكومة الإلكترونية توفر على الاقتصاد مليار و200 مليون دولار وتفتح الباب أمام وظائف وإستثمارات جديدة

مقابلات
العدد 438

يخطو لبنان خطوات سريعة نحو إعتماد الحكومة الإلكترونية في الوزارات والإدارات العامة، وقد أطلقت رسمياً هذه الخطوة برعاية رئيس الحكومة سعد الحريري منذ نحو شهرين لتتزامن مع المواقف السياسية التي تؤكد ضرورة سير لبنان بركب التكنولوجيا والمعلوماتية أسوة بالبلدان الأخرى القريبة منه والبعيدة من جهة، وللتصدي للفساد والهدر في إدارات الدولة من جهة أخرى، لأن إقرار الحكومة الإلكترونية كوسيلة وحيدة لإنجاز المعاملات الإدارية، يخفف من مزاريب الهدر والفساد في إدارات الدولة، ويقلِّص كلفة إنجاز المعاملات على جيب المواطن الذي غالباً ما يضطر إلى دفع رشوة لإنهائها بسرعة، لكن الوصول إلى هذه النتيجة المهمة يتطلب من الإدارات الرسمية التمتع بمميزات عدة أبرزها إمتلاك لبنان الكفاءة البشرية المؤهلة لإدارة هذه الحكومة، والبنية التحتية المواكبة لهذه الخطوة، والقرار السياسي بالسير بهذا الملف حتى النهاية، فهل يتمتع لبنان بهذه المميزات؟ وما هو مردود الحكومة الإلكترونية على الاقتصاد الوطني؟

عز الدين: إطلاق الحكومة لا يعني الإقفال تماماً على الفساد

من المفترض أن يؤدي إعتماد تطبيق الحكومة الإلكترونية إلى وفر على الاقتصاد اللبناني يقدر بـ1.3 مليار دولار أميركي سنوياً، بحسب تقرير الشركة اللبنانية«Cedar Institute for Economic and Social Affairs» ومليار و200 مليون دولار بحسب دراسات أجرتها وزارة الدولة للتنمية الإدارية في لبنان، ومصدر هذا الوفر هو أن هذه الحكومة تضع الوزارات على خطّ خدمة الدفع عبر الإنترنت وإنجاز المعاملات، وهذا ما ينعكس فائدة على مستوى خزينة الدولة ومصلحة المواطن، لأنّ هذه الخطوة تحدّ من الهدر والفساد الإداري، وتمنح المواطن والمسؤول القدرة على توفير الجهد والوقت وعلى تجنّب التعاون مع الفاسدين في الإدارات العامّة، كما تمنح المسؤول الحريّة بعدم الخضوع للمساومة والفساد، وتتيح للمواطنين والمستثمرين فرصة التعرّف على القوانين والتشريعات المعتمَدة والالتزام بتطبيقها، من خلال تفعيل تقنية المعلومات والاتصالات وربط إدارات ووزارات الدولة في صيغة إلكترونية، وخلق تفاعل تقني بين المواطنين والمسؤولين الرسميين والمستثمرين والوزارات، لكن كل هذه «النجاحات» مرهونة بالقرار السياسي الذي سيضمن تطبيق كافة مراحل الحكومة الإلكترونية.

وفي هذا الإطار تشدد وزيرة الدولة للتنمية الإدارية عناية عز الدين إلى أنها «شخصياً إنسانة علمية وواقعية»، وتقول: «هل إطلاق الحكومة الإلكترونية والعمل على إنجاز مراحلها، يعني الإقفال تماماً على الماضي الذي كثرت فيه أساليب الفساد والهدر؟، قول هذا الكلام يعني أننا نكذب على أنفسنا وعلى اللبنانيين، نحن نعمل بطريقة هي التالية: تحضير كل الآليات اللازمة القانونية والتوعية والديمقراطية ومعرفة الحقوق والواجبات من قبل اللبنانيين، كي نحول عملية الفساد عملية صعبة على المواطن والموظف في آن، أي إن تطبيق هذه الحكومة الإلكترونية يحتاج إلى مسار طويل من دون أن نتوهم بأننا سنقضي تماماً على الفساد والرشوة وكي لا نصاب بخيبة أمل، إنه مسار على كل المستويات، التحول الرقمي هو واحد من هذه المسارات، ونؤكد أن الهدف هو خدمة المواطن وتسهيل حياته وتيسير الخدمات التي يريد الحصول عليها وبكلفة أقل، وبالتالي فالتخفيف من عملية الاحتكاك بين المواطن والموظف (ليس بالضرورة فاسد) لكن بسبب الروتين والبيروقراطية الموجودة والترهل في الإدارات العامة، كل ذلك يحوّل إنجاز المعاملات والوصول إلى الخدمات في إدارات الدولة أكثر بطئاً ويفتح الباب أمام المواطن للجوء إلى الرشوة للحصول على الخدمة التي يريدها، لأن الفساد هو راشٍ ومرتشٍ معاً أي هناك طرفان في الموضوع، وحين وضعنا مسودة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد أشرنا إلى أن مكافحة الفساد تتم من خلال إعادة النظر في رواتب الموظفين، لأن تحصين المواطن من الرشوة يكون من خلال تأمين الحد الادنى المطلوب من العيش الكريم، والسؤال هل هناك إمكانية لتطبيق الحكومة الاكترونية؟ أكيد توجد إمكانية لتطبيقها إذا توافرت الارادة السياسية لذلك، وبالدعم السياسي والبشري والمادي يمكن تحقيق هذه الخطوة خلال أربع سنوات».

سرُّوع: لبنان يملك الطاقة البشرية والخبرة وأهل الاختصاص

من الثابت القول إن تحويل الحكومة الإلكترونية إلى واقع يعني الحاجة إلى بنية تحتية وأنظمة وتشريعات ورأسمال بشري وبيئة حاضنة للمشروع، خصوصاً أن المواطن اللبناني يعاني من مشكلات تتعلق بتدني مستوى الخدمات الحكومية، الأمر الذي يتمثَّل في التأخُّر الحاصل في إنجاز المعاملات والتي قد يرتبط إجراؤها بالقطاع العام أو الخاص أو القطاعين معاً، بالإضافة إلى البيروقراطية في الإنجاز والتعقيد الذي يُصاحب هذا الإجراء، وفي هذا الإطار يقول الخبير الاقتصادي جو سرُّوع، إن «لبنان يملك المداميك الأساسية للسير بالحكومة الإلكترونية، ولا ينقصه سوى دراسة خطواته لتسهيل إنسيابها في الإدارات العامة، من خلال تخفيض الاجراءات والتواقيع في الإدارات العامة من دون فقدان عنصر الانضباط وهذه ثقافة يمكن أن تتطور»، ويعبِّر عن أسفه «بأن لبنان لم يزل بعيداً عن هذه الخطوة بالرغم من أن الاجيال اللبنانية مبدعة في مجال الاتصالات، لذلك يأمل من وزارة الشؤون الإدارية أن تكون جدية في إعادة إحياء هذه الحكومة، خصوصاً أن لبنان يملك الطاقة البشرية والخبرة وأهل الاختصاص للقيام بكل الاطر الإدارية والقانونية والتقنية اللازمة، كما أن هناك بيئة حاضنة لهذه الحكومة، سواء من موظفي الدولة أو القطاع الخاص، ولا يلزمهم سوى تهيئة ورش تدريب للقيام بهذه الخطوة مع الحذر من أن تحوَّل إلى موضة لا طائل منها».

حكومة التحوُّل الرقمي

إنطلاق الحكومة الإلكترونية كان تحت عنوان «إرساء أسس متينة للتحوُّل الرقمي»، لأن واقع الإدارة العامة في لبنان التي تعاني الترهل والبيروقراطية مفرطة وهيكليات الإدارة غير فعالة، يشي بأن التحسينات الصغيرة والموضعية لن توصل إلى أي مكان ولا بد من تحول جدي وليس مجرد «رتوش» بسيط، لذلك لا بد من آليات جديدة لتطبيق هذه الحكومة وإلى جدول زمني لاستكمال المرحلة الاولى التي ستنتهي في العام 2019 والمرحلة الثانية في العام 2021، وفي هذا الإطار تقول عز الدين: «في عام 2019 سيكون هناك تجميع لكل بيانات المواطنين ومعطياتهم وفي الوقت نفسه سنطبق هذه الخطة على دوائر حكومية معينة وخدمات معينة، وتحويلها رقمياً لكي يتمكن المواطن من إختبار نتيجة هذا التحول الرقمي والتحسن الذي سيطرأ على حياته، ولكي نتعلم من الثغرات لإصلاحها قبل تعميم الخدمات الرقمية، ولإكتشاف إذا كانت البنية التحتية والآليات التي إعتمدناها كافية لتطبيق هذه الخطوة أم يجب تعديلها».

وتضيف: «قبل إطلاق خطة تطبيق الحكومة الإلكترونية، كانت هناك لقاءات بين الخبراء الموجودين من مختلف الإدارات اللبنانية والوزارات التي تحتوي على مشاريع مكننة للإطلاع على واقعها والمعوقات التي تواجهها والتوصيات التي أطلقناها هي مرتكزة على نتائج هذه اللقاءات لكي تتحول إلى إستراتيجية، لذلك يجب مناقشتها على مستوى وزاري مع كل الوزراء المعنيين في هذا الموضوع، مثل وزارة الاتصالات والصحة والمال والداخلية التي تحتاج المكننة بإلحاح لخدمة المواطن، خصوصاً أن وزارة الداخلية تجمع البيانات الشخصية للمواطنين وأساس كل العملية الرقمية هي البيانات الشخصية للمواطن، لذلك سنشكل لجنة وزارية وسنتفق وإياهم على هذه الاستراتيجية وتقديمها إلى مجلس الوزراء لكي يتم تبنيها ضمن خطة وطنية ولا نزال نضع لها خططاً قصيرة الامد، لأن أي أستراتيجة يلزمها خطة تنفيذية والتي (كي نتحفز كحكومة ومواطنين على تطبيقها) علينا تقسيمها على ثلاثة أشهر ووضع معايير للأهداف التي نريد الوصول إليها».

البنية التحتية وتحدياتها

والسؤال الذي يطرح هو هل يملك لبنان البنية التحتية اللازمة لتحويل الخدمات في الإدارات العامة إلى خدمات رقمية؟ وماذا عن إمكانات الموظفين في القطاع العام؟ تجيب عز الدين «هذا موضوع للنقاش والدراسة وعلى الوزارات المعنية والحكومة ككل تحمل المسؤولية في هذا الموضوع، لأن البنية التحية وخدمة الانترنت والسرعة هي أمر أساسي في هذه الخدمة، والامن المعلوماتي هو من مسؤولية وزارة الاتصالات، ويجب أن يكون على طاولة البحث ونحن واعون لهذا التحدي وعقدنا لقاءات مع وزير الاتصالات حول هذا الموضوع، والجميع يعلم أن تطبيق الحكومة الإلكترونية ليس ترفاً بل هو ضرورة وواجب ملح، ولا يمكن أن نكون خارج السياق العالمي الذي يطبق على صعيد الخدمات الإلكترونية، لأن الاتصالات والخدمات في دول العالم تطبق بهذه الطريقة».

تضيف: «هناك نوعان من الموظفين، هناك الطاقة البشرية التي ستطبق هذه الخطة وهناك الموظفون الذين سيستعملون هذه الخطة، الفئة الاولى موجودة ولكن في خارج لبنان لأن الدولة لا تعطيهم الحوافز اللازمة للوجود في لبنان، وسيكون هناك نوعان من الموظفين إذا تم إيجاد الآلية اللازمة، هناك موظفون يجب أن يتمتعوا بقدرات عالية جداً لكي يتمكنوا من تحمل مسؤولية المشروع ومتابعته وهناك موظفون يحتاجون إلى خبرات، ومشروع التحول الرقمي هو مشروع لا يحتاج فقط لأشخاص لديهم خبرة في المعلوماتية لأن التحول الرقمي ليس مكننة فقط، بل أشخاص لديهم خبرة في التسويق والاعمال والغرافيك ديزاين والسيكولوجي والمعلوماتية على مختلف أنواعها، أي برمجة وأمن معلوماتي وتصنيف المعلومات، كل هذه الامور يجب أن تكون موجودة، هناك قسم منهم يجب أن نجد آلية لتوظيفه وهناك قسم نفكر في إستدعاء متطوعين لديهم إرادة لتطوير لبنان، وهذا ما سنقوم به حين نشعر أن هذا المشروع حصل على الدعم السياسي اللازم، وإلى جانب هؤلاء سيكون هناك لجنة من الخبراء والتقنيين والفنيين من الوزارات المعنية لمتابعة هذا المشروع، نعرف أنه يجب أن يكون هناك إعادة تأهيل للموظفين، لأن التغيير جذري في طريقة العمل ومستمر، ولا شك أنه سيكون هناك موظفون قابلين بالسير في هذه الخطة وأشخاص غير قابلين، وحين نصل إلى هذه المرحلة سيكون هناك إعادة تعريف للوظائف ووضع هيكلية جديدة للإدارة العامة في لبنان من دون الاستغناء عن أي منهم، وبل توزيع جديد للأدوار».

مردود إقتصادي

ومن البديهي القول إن تنفيذ مراحل الحكومة الإلكترونية لا يقتصر تأثيره على وقت المواطن و«أعصابه»، بل أيضاً

على «جيبه» وعلى النمو الاقتصادي ككل، وفي هذا الإطار يشدد سرُّوع على أن «هدف الحكومة الإلكترونية هو مكننة الخدمات الإدارية ليتمكن المواطن من إنجازها عن بعد، وبذلك نكون حققنا الهدف الأول وهو القضاء على البيروقراطية، لأن المواطن يصبح على تماس مباشر مع دفع الرسوم وإنجاز الخدمة المطلوبة، وهذا يعني بالمفهوم الاقتصادي زيادة في الإنتاجية وتقليص هامش الرشاوى والفساد إن لم نقل القضاء عليها، وتسهيل العمليات وتوفير الوقت وهذا كله ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي في البلاد».

ويضيف: «تهتم الحكومة الإلكترونية في تأمين الشفافية في المالية العامة وفي الاداء الحكومي، لأن هناك التكنولوجيا المالية التي تعطي القطاع العام المعلومات اللازمة حول أصول تطبيق الحكم الرشيد ومعاييره بشفافية، وهذا ما يتم تطبيقه في إمارة دبي عبر شركات خاصة تقوم بتطوير البرامج والقواعد التي لها علاقة بالإدارة المالية للقطاع العام».

توافق الوزيرة عز الدين على كلام سرُّوع وتقول: «هذه الخطوة مهمة جداً لأنه على الصعيد الداخلي سيخفف عبء المواطن في إنجاز معاملاته ساعة يشاء، بعيداً عن الرشوة وهذا ما يخفف العبء الإداري عن اللبنانيين الذين يكلفهم سنوياً نحو مليار ومئتي مليون دولار سنوياً، بالإضافة إلى تعزيز العمل في المناطق وخلق فرص عمل جديدة في القطاع الخاص التي يقع على كاهلها مهمة إنتاج هذه الصناعة الرقمية، لأننا وضعنا في التوصيات أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص لا يجب أن تقتصر على الشركات الكبيرة بل يجب تشجيع الإنتاج المحلي، وحين نقدم نموذجاً ناجحاً عبر هذه الخطة يمكن أن نفتح باباً للإستثمار الخارجي، فحين نقدم نموذجاً ناجحاً عن ما أنجزناه يمكن الاستعانة بنا من قبل دول أخرى، كما حصل بين ألمانيا والمملكة العربية السعودية في هذا الموضوع بالذات (الخدمات الرقمية) وبمليارات الدولارات، واليوم نحن نحضر لمكننة مشروع رخص البناء والسجل التجاري موحد وهذا له إنعكاس إيجابي على بيئة الاستثمار بالاعمال وتحفيز الاستثمار الأجنبي، بالإضافة إلى أن تعزيز الشفافية يعزز المؤشرات الاقتصادية، لأن المستثمرين يبعدون عن الاستثمار في لبنان بسبب الفساد والرشوات وهناك المنظمات العالمية التي تعطي لبنان رقماً متدنياً في مكافحة الفساد، وبالتالي فالحكومة الرقمية هي الأساس للتحول إلى حكومة مفتوحة وشفافة خاصة بعد إقرار قانون حق الوصول إلى المعلومة، وهذا يخولنا عقد شراكات مع دول أخرى لديها حكومات مفتوحة وهذا ما يرفع مؤشراتنا الاقتصادية، وبالتالي في كل المجالات نحن رابحون وإن شاء الله نصل إلى الخواتيم المرجوة».

باسمة عطوي