الحميدي: تباطؤ معدل نمو الاقتصاد العالمي في ضوء إستمرار التحديات الإقتصادية

Download

الحميدي: تباطؤ معدل نمو الاقتصاد العالمي في ضوء إستمرار التحديات الإقتصادية

مقابلات
العدد 439

شارك المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي الدكتور عبد الرحمن بن عبدالله الحميدي، في ورقة عمل في ندوة عن «إقتصادات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لعصر ما بعد النفط: الآفاق والحلول»، التي نظمتها غرفة تجارة وصناعة عُمان بالتعاون مع إتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي.

هدفت هذه الفعالية إلى إستشراف مستقبل إقتصادات دول المجلس في ما بعد عصر النفط وتدارس الخيارات المتاحة لدعم الأداء الاقتصادي، وضمان الحياة الكريمة لشعوب دول المجلس، وتعزيز مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وقد ضمت الندوة ثلاثة محاور رئيسية، إذ شمل المحور الأول موضوع «الفرص الواعدة للقطاعات غير النفطية»، فيما تناول المحور الثاني «تمكين القطاع الخاص الخليجي لقيادة دفة التنمية الاقتصادية». أما المحور الثالث فركز على «مصادر السيولة والتمويل المستقبلية في دول مجلس التعاون».

وقد تضمنت الجلسة الثالثة من الندوة ورقة عمل قدمها الدكتور الحميدي بعنوان: «واقع وآفاق مصادر السيولة والتمويل»، حيث ركز على عدد من النقاط، من بينها التطورات في البيئة الإقتصادية والمالية الدولية، مشيراً إلى «تباطؤ معدل نمو الاقتصاد العالمي في ضوء إستمرار التحديات الإقتصادية التي يعانيها عدد من الدول المتقدمة والنامية، التي من أهمها ضعف مستويات الإستثمار والإنتاجية، وتباطؤ معدلات نمو التجارة الدولية، وارتفاع معدلات البطالة».

ولفت الدكتور الحميدي إلى «أن تلك التطورات قد نتج عنها إنخفاض مستويات الطلب على العديد من السلع الأساسية في ظل وفرة في مستويات المعروض من بعضها ولا سيما النفط، الذي إتخذت أسعاره منحى تنازلياً منذ منتصف عام 2014 ليسجل تراجعاً بنسبة 58 % في عام 2016 مقارنة بمستويات الأسعار المسجلة في عام 2014 وفق بيانات منظمة الأقطار المُصدرة للنفط (أوبك)»، متحدثاً عن «تأثر الأوضاع الاقتصادية في مجموعة الدول النامية والأسواق الصاعدة وخصوصاً الدول المُصدرة الرئيسية للسلع الأساسية، وهو ما إنعكس في صورة تحقيق موازين مدفوعات وموازنات هذه الدول لعجوزات، ومن ثم تنامي الاحتياجات التمويلية لهذه البلدان في الوقت الذي تتسم فيه البيئة الدولية بضيق أوضاع التمويل».

في هذا السياق، تطرّقت الورقة التي أعدها الدكتور الحميدي إلى «إنعكاسات هذه التطورات على إقتصادات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ففي ظل إعتماد هذه الإقتصادات على صادرات وإيرادات النفط التي تسهم في جانب مهم من مجمل الصادرات والإيرادات العامة، تأثرت مستويات النشاط الاقتصادي كنتيجة لتباطؤ معدل نمو الناتج في قطاعات النفط والغاز».

أضاف د. الحميدي: «كما شهدت إقتصادات دول المجلس نتيجة لتلك التطورات تنامياً في إحتياجات التمويل في ضوء إتساع الفجوة ما بين مستوى الإيرادات والنفقات العامة، تحول معها الفائض المُسجل في الموازنة العامة لدول المجلس البالغ نسبته نحو 6.3 % من الناتج المحلي الإجمالي عام 2014 – للمرة الأولى منذ سنوات طويلة – إلى عجز قاربت نسبته 11 % من الناتج المحلي الإجمالي عام 2016، وهو ما إستلزم إتجاه دول المجلس إلى تبني تدابير لضبط أوضاع المالية العامة إنخفضت على أثرها مستويات الانفاق العام المحفز الرئيسي للنشاط الاقتصادي في عدد من القطاعات غيرالنفطية».

وتطرقت الورقة كذلك إلى الأوضاع النقدية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، «حيث إنعكست التطورات المشار إليها على أوضاع السيولة المحلية، في ضوء تراجع معدلات نمو الودائع المحلية في عدد من دول المجلس نتيجة تأثر مستويات الودائع الحكومية التي تشكل نسبة مهمة من إجمالي الودائع في الجهاز المصرفي، في الوقت الذي شهدت فيه إحتياجات التمويل زيادة ملحوظة لا سيما في ما يتعلق بالتمويل الممنوح للحكومات لسداد جانب من العجوزات في الموازنات العامة».

من جهة أخرى، تطرّقت الورقة إلى الإنعكاسات على صعيد السياسات، وبينت «أن التطورات الدولية والإقليمية المُشار إليها قد دفعت المصارف المركزية ووزارات المالية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى إتخاذ إجراءات إستباقية في إتجاهين رئيسيين لضمان تخفيف آثار تلك التطورات على أوضاع الإقتصاد الكلي، تمثلا في: أولاً: تبني سياسات وإجراءات لدعم أوضاع السيولة المحلية، وثانياً: التحول في إتجاه مزيج متنوع ومبتكر من سياسات التمويل».

أضافت ورقة الدكتور الحميدي «فمن زاوية تخفيف الضغوطات الناتجة عن تطورات أوضاع السيولة المحلية، لجأ عدد من المصارف المركزية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى تدابير عدة لدعم أوضاع السيولة المحلية شملت على سبيل المثال، ضخ ودائع حكومية في القطاع المصرفي، ورفع سقف نسبة الإقراض إلى الودائع، والتوسع في تسهيلات إعادة الشراء المخصصة لدعم السيولة بآجال مختلفة وخفض نسبة الاحتياطي الإلزامي».

أما من حيث تبني مزيج متنوع ومبتكر من خيارات التمويل، أشارت الورقة التي قدمها الدكتور الحميدي إلى «أن هذا الأمر يستند إلى رؤية استراتيجية من دول المجلس لتنويع مصادر التمويل بما يسمح بقدر من المواءمة بين إعتبارات توفير التمويل المطلوب بكلفة ملائمة، وإعتبارات تقليل مستويات المخاطر التي قد تنتج عن تزايد الإعتماد على مصدر واحد من مصادر التمويل. في هذا السياق، ظهر إعتماد دول المجلس على عدد من الآليات التي تمثلت في:

الإتجاه إلى تعزيز الإيرادات غير الهيدروكربونية.

السحب من صناديق الثروة ومن الإحتياطات الأجنبية.

التمويل من خلال إصدار أدوات الدين بالعملة المحلية (سندات وصكوك).

الإقتراض الخارجي.

الشراكة مع القطاع الخاص».

أما من حيث إستشراف الرؤية المستقبلية، فقد أكدت الورقة على «أن الجهود التي تقوم بها دول المجلس على مختلف الأصعدة، إنما تعكس رؤية صنّاع القرار في هذه البلدان، وحرصهم على تطوير آفاق أرحب لاقتصادات دول المجلس تتسم بمستويات أكبر من التنويع الاقتصادي، ليس فقط على صعيد القاعدة الانتاجية، وإنما أيضاً على صعيد تنويع مصادر الإيرادات العامة وهيكل التصدير».

كما تطرقت الورقة إلى «المؤسسات المالية العربية والدور المناط بها لتكثيف الجهود بما يتماشى وهذه الرؤية المستقبلية لحفز الطاقات والجهود باتجاه تحقيق الغايات المنشودة لدول المجلس»، مشيرةً في هذا الصدد إلى «دور صندوق النقد العربي في دعم تطوير الأسواق المالية كأحد أهم الآليات الداعمة لتوفير قنوات متعددة وكفوءة لتمويل النشاط الاقتصادي في البلدان العربية»

أضافت الورقة: «فقد تبنى الصندوق في عام 2015 إطاراً استراتيجياً مستقبلياً للفترة 2015-2020 يستهدف «أن يكون الصندوق مؤسسة مالية عربية رائدة في مجال دعم الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية للوصول إلى مراكز الإستقرار في المنطقة العربية. ومن بين الأهداف الاستراتيجية المتضمنة في هذا الإطار توسيع برامج ومبادرات القطاع المالي والمصرفي وتعزيز فرص الوصول للتمويل والخدمات المالية في البلدان الأعضاء».

وخلصت ورقة العمل إلى القول إنه «سعياً لتحقيق هذا الهدف المشار إليه، يتبنى الصندوق آليات ومبادرات عدة تشمل في ما بينها مبادرة لتطوير أسواق إصدارات الدين بالعملة المحلية في الدول العربية، بهدف تفعيل وتعزيز وظائف أسواق أدوات الدين للقطاع العام والقطاع الخاص في الدول العربية ورفع مستويات كفاءتها. من جهة أخرى يسعى صندوق النقد العربي من خلال عدد آخر من المبادرات إلى توفير ودعم مصادر التمويل طويل الأجل اللازم لتعزيز مستويات الأداء الاقتصادي في البلدان الأعضاء، وتالياً تنويع قاعدة المستثمرين لتشمل المؤسسات الإستثمارية طويلة الأجل بطبيعتها مثل صناديق التأمين والمعاشات، وهو ما سيساعد على توفير التمويل اللازم للمشروعات التي لا يمكن تمويلها من خلال أدوات التمويل قصير الأجل، وتالياً تمكين تلك البلدان من دعم النمو الإقتصادي».