الخبراء الاقتصاديون لبنان على حافة الانهيار – العدد 471

Download

الخبراء الاقتصاديون لبنان على حافة الانهيار – العدد 471

مقابلات
العدد 471 شباط/فبراير 2020

الأيام الصعبة.. و«الشطارة» لم تعد تنفع

لبنان على حافة الانهيار

يسلّم الجميع في لبنان من مسؤولين سياسيين وإقتصاديين ومواطنين عاديين بأننا نعاني من أزمة متشعبة، صحيح أنه تم كشف الغطاء عنها منذ إندلاع ثورة 17 تشرين الأول 2019، إلا أنها بدأت منذ سنوات وتسارعت حدتها في الأشهر الأخيرة، ما وضع البلاد والعباد على حافة انهيار إقتصادي سيكون له تبعات إجتماعية حادة.

هذا التوصيف يقود إلى إستنتاج أن الدولة اللبنانية تدفع ثمن عجزها منذ سنوات، عن إيجاد حل مستدام وجذري لمشكلة العجز المالي في موازنتها ولأسلوب الاستدانة المفرط الذي إعتمدته لتمويل هذا العجز على مدى عقود، والأهم أنها تدفع ثمن التغاضي عن مكافحة الفساد الذي يعشعش في كل مفاصل الدولة، ما أوقعها وأوقع الشعب اللبناني في المحظور لجهة فقدانها ثقة المستثمرين وعجزها عن تمويل حاجاتها بالدولار، وتسديد مستحقات اليوروبوند المتوجبة عليها خلال أشهر آذار/مارس ونيسان/أبريل وحزيران/يونيو من العام 2020، ما دفعها إلى طلب المساعدة التقنية من صندوق النقد الدولي لإعادة هيكلة الدين العام والخروج من هذا النفق المظلم.

من يبادر أولاً لبنان أم المؤسسات الدولية؟

كل ما سبق يعني أن لا مفر من أن يبدأ لبنان رحلة علاجه من الأزمة الإقتصادية والمالية والنقدية التي يتخبط فيها، ما يطرح السؤال عن دور المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدول المانحة في الإصلاح المالي والإقتصادي النقدي، الذي لن يستطيع المسؤولون اللبنانيون الهروب منه هذه المرة، أو ممارسة لعبة «التذاكي» على المؤسسات الدولية والدول المانحة كما كان يحصل إبان كل المؤتمرات الدولية السابقة التي عقدت لمساعدة لبنان، أما الجواب فيبدو وكأنه موحد من قبل الخبراء والمختصين في الشأنين المالي والإقتصادي وهو أن الكرة هي في ملعب الجانب اللبناني وليس العكس، لأن المؤسسات الدولية تكرر نصائحها للبنان بضرورة الإصلاح الإقتصادي والمالي منذ العام 2001 تاريخ إنعقاد مؤتمر باريس 1، ولكن هذه النصائح لم تلق آذاناً صاغية من المسؤولين اللبنانيين، وهذا ما يوافق عليه عضو لجنة الإقتصاد النيابية السابق نبيل دو فريج الذي يقول: «طلب الإستشارة التقنية من قبل الحكومة اللبنانية ينم عن عدم جدية لدى الحكومة، لأن صندوق النقد الدولي غالباً ما يتعاطى مع الدول التي وصلت إلى حالة الإفلاس كما حصل في قبرص واليونان وغيرهما من الدول، والإستشارة التقنية تعني إعطاء رأي وهو موجود في كل التقارير التي يصدرها الصندوق سنوياً مرتين في العام وتشمل جميع الدول ومنها لبنان، وهذا الرأي هو أن إعادة جدولة الدين العام لا يمكن أن تحصل من دون إلتزام الحكومة اللبنانية بتطبيق الإصلاحات المطلوبة، سواء التي نص عليها كل من مؤتمر باريس 1 و2 أو مؤتمر سيدر، والتي تعهد لبنان بتطبيقها سواء في ملفات الكهرباء أو الاتصالات، والمشكلة الأساسية هي فقدان المجتمع الدولي والأسواق المالية العالمية الثقة بلبنان في إلتزامه بتطبيق الإصلاحات».

ويضيف: «دراسة إعادة جدولة الدين تستغرق أشهراً وليس أياماً، خصوصاً أن مساعدة صندوق النقد هي إما خلق إستثمارات مقابل تنفيذ إصلاحات ويكون دوره منع الدولة اللبنانية من الإفلاس، عبر تأمين الرواتب والمستلزمات الضرورية إلى حين تحسن الوضع الإقتصادي وهذا أمر يتطلب وقتاً وسنوات. ما حصل في لبنان هو عدم تطبيق كل الإصلاحات التي تعهدنا بتطبيقها منذ العام 1998 ومع إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وقد تراكم هذا التهرب إلى يومنا هذا وما سيقوم به صندوق النقد الدولي هو مطالبة لبنان بتطبيق الإصلاحات التي تعهد بها منذ 22 عاماً، هناك قرارات موجعة على الحكومة اللبنانية إتخاذها ولا مفر من ذلك، وكان يمكن لهذه الإصلاحات أن تكون أقل قساوة لو طبقنا الإصلاحات سابقاً ومنها زيادة نسب الضريبة على القيمة المضافة وعلى فاتورة الكهرباء (41 مليار دولار هي التكلفة)».

من جهته يوضح الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان، أنه في «البلدان التي تعاني من أزمة مالية وإقتصادية ونقدية حادة مثل لبنان، غالباً ما تتشكل خلية أزمة داخلية مكونة من وزارة المالية ومصرف لبنان ومستشارين تقنيين وقانونيين وإقتصاديين ومهمتها التوجه إلى الصناديق والمؤسسات المانحة لتطلب منهم المشورة، إما المشورة التقنية أو طلب المساعدة المالية، وفي ظل هذا الوضع في لبنان منذ أكثر من ثلاثة أشهر، لم تؤلف خلية أزمة ولم نشعر أن هناك تحمل للمسؤولية من قبل المسؤولين السياسيين لهذا الوضع الخطير جداً، بل رأينا تخبطاً من قبل المسؤولين السياسيين والقيِّمين على الوضع المصرفي في لبنان، والدليل على ذلك التفاوت في سعر صرف الدولار الأميركي بين المصارف والسوق وأيضاً فرض «الكابيتال كونترول» على المودعين من دون أي سند قانوني، بالإضافة إلى غياب الخطط التي تنعش الوضع الإقتصادي الصعب، وهذا يعني أن المسؤولين السياسيين والمصرفيين لا يصارحون الناس بحقيقة الأمور وخطورتها».

من جهته يعتبر الخبير الإقتصادي الدكتور جاسم عجاقة، أن «المشكلة الأساسية التي تعصف بلبنان هي مشكلة الفساد الذي يعانيه منذ نشأته وحتى يومنا هذا، وهذه المشكلة هي التي أنزلت الناس إلى الشارع، وهي التي وضع المجتمع الدولي حلها كأساس لأي مساعدة».

ويضيف: «طرح الحلول عبر خفض سعر صرف الليرة و«الهيركات» وتحويل جزء من الحسابات إلى الليرة وغيرها من الخيارات الأخرى هي حلول جزئية ولا توحي بأنها حلول مستدامة، وهذا الأمر شبه محسوم، الفساد مكلف جداً على خزينة الدولة ولا يمكن محاربته إلا من خلال ضغط داخلي أو خارجي وهذا ما يحصل حالياً، إذاً على حكومة الرئيس حسان دياب البدء بمحاربة الفساد والقيام بالإصلاحات اللازمة لتصحيح وضع أنهك مفاصل الدولة وأضعف مؤسساتها وشل عملها الاجتماعي والإقتصادي».

خريطة طريق للحل

بالرغم من التخبط وسياسة عدم الوضوح التي يعتمدها المسؤولون اللبنانيون في مقاربة الأزمة المستفحلة، إلا أنه لا بد من وضع خريطة طريق لمخاطبة المؤسسات الدولية وإقناعها بمساعدتنا، وفي هذا الإطار يقول الخبير الإقتصادي مروان مخايل: «من المفروض أن يطلب لبنان كخطوة أولى إعادة هيكلة الدين العام في أسرع وقت، بعدها تعمد الحكومة إلى وضع برنامج إقتصادي ومالي يبرهن للدائنين عن جديتها في العمل على الخروج من الوضع الحالي، وأنها في صدد مناقشته مع صندوق النقد الدولي ليوافق عليه من جهة ويمدنا بالسيولة اللازمة من جهة أخرى».

يضيف: «لبنان بحاجة إلى ضخ أموال من الخارج سواء عبر المغتربين أو المستثمرين وهذا ما لن يحصل، وبالتالي وضع برنامج إقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي يسمح بضخ أموال من قبل الصندوق ومن قبل الدول المانحة التي ستتشجع على دعم الاستثمارات في لبنان بعد التيقن من أنه يسير على طريق تطبيق الإصلاحات».

ويتابع: «يتضمن البرنامج الإقتصادي الخطوات التالية: خفض عجز الموازنة العامة، رفع تعرفة الكهرباء للمستهلكين الذين يزيد إستهلاكهم عن 200 كيلو وات، والقيام بإصلاحات في القطاع المصرفي والجسم القضائي لمحاربة الفساد وضمان الشفافية، وإعادة رسملة القطاع المصرفي ورفع رساميل المصارف، خصوصاً إذا حصل «هيركات» على الدين الداخلي، ومعالجة القيود على رأس المال من سنتين إلى 3 سنوات خصوصاً في ظل سعرين لصرف الدولار في الأسواق اللبنانية، السعر الرسمي وسعر الصرافين إلا إذا حصل تجميد للودائع على 6 سنوات».

يرى مخايل أن «لا خيار للبنان إلا وضع البرنامج الإقتصادي وتنفيذه وإلا نصبح كفنزويلا، ومهمة صندوق النقد الدولي هي تقديم المساعدة التقنية وتحليل وضع الدين العام ومن ثم وضع خارطة طريق للخروج من الوضع الحالي، ولدي أمل بأن لبنان سيخرج من الأزمات الصعبة ولو تم إتخاذ إجراءات مؤلمة، لكن هذه الصعوبة ستكون لفترة 3 سنوات إلى 5 سنوات، بعدها الأمور ستبدأ بالتحسن وبمجرد توقيع لبنان البرنامج الإقتصادي مع صندوق النقد الدولي سيشعر اللبنانيون بتغير في الأمور لأنه عندها ستبدأ المساعدات بالوصول إلى لبنان».

يوافق الوزير دو فريج على أننا «أمام أيام صعبة قادمة، لأن مدخول الدولة التي في الأساس كانت تعاني من عجز، تدنى اليوم إلى الربع وزادت المصاريف، وبالتالي لا مفر أمامنا سوى الشراكة مع القطاع الخاص في القطاعات التي تستنزف مالية الدولة ومنها الكهرباء، وأول القرارات التي يجب أن تتخذ هي تعيين هيئة ناظمة لمؤسسة كهرباء لبنان والاتصالات والطيران المدني، بحسب القانون الصادر للعام 2002، لأن هذا يعطي مصداقية للقطاعات والمستثمر على السواء، وأن يكون لهذه الهيئة دور حقيقي وليس إستشارياً لأن هذا ما ينص عليه القانون اللبناني، والخطوة الثانية هي الإلتزام بالموازنات التي تم التصويت عليها وعدم اللجوء إلى الصرف من إحتياطي الموازنة، وتخفيض عجز الموازنة للأرقام والنسب التي تعهدنا فيها في مؤتمر سيدر وهذا تحدٍ كبير لأن مدخول الدولة تراجع، ولأن المجتمع الدولي يحكم على لبنان حسب الأرقام لإعطاء الثقة».

ينصح دو فريج «بدفع الاستحقاق المالي الأول في 9 آذار/مارس 2020 والمفاوضة مع صندوق النقد الدولي لإعادة هيكلة الاستحقاقات المتبقية وجدولة الدين، لأن هذه الخطوة تمنحنا المصداقية بأننا نقوم بالإصلاحات اللازمة وفي الوقت نفسه نريد إعادة جدولة الدين العام، وإطلاق دراسة لإعادة هيكلة القطاع العام في لبنان، والشارع اللبناني يمكن أن يقتنع بالإصلاحات المطلوبة حين يجد أن المؤسسات الدولية تراقب تطبيق الإصلاحات لإنقاذه من الوضع المأساوي الذي يعيشه».

في المقابل ينتقد دوفريج دور المصارف في الأزمة ويعتبر أنها «لا تتعاطى مع المواطن بطريقة تدعوه للإطمئنان، إذ إن إدارة جمعية المصارف عليها أن تفسر أسبوعياً سبب إتخاذها الإجراءات للمواطن، ولا يمكن وضع كل المسؤولية على مصرف لبنان، بالإضافة إلى ضرورة تخفيض الفوائد على المبالغ المودعة وعلى القروض، للمساعدة على نقل الإقتصاد اللبناني من الإقتصاد الريعي إلى الإقتصاد المنتج، وهذا الأمر لا يتم إلا من خلال إضافة ميزة للإنتاج اللبناني سواء في القطاع الزراعي أو الصناعي أو السياحي أو إقتصاد المعرفة لأن إنقاذ إقتصاد لبنان سينعكس إيجاباً على القطاع المصرفي».

يشدد أبو سليمان على أن «أول خطوة للحل هي الإعتراف بالواقع الصعب ومصارحة أصحاب الشأن والشركات والمودعين وهذا ما لا يحصل على أرض الواقع، بل إن جلّ ما نراه هو مجرد خطابات إنشائية وشعارات بعيدة عن الواقع، وهذا ما يؤدي إلى فقدان الثقة من قبل المستثمرين والمستهلكين وهذه هي مشكلتنا الأساسية. نحن اليوم أمام أزمة حادة جمعنا خلالها جميع الأزمات التي مرت على دول متعددة في أزمة واحدة، إذ جمعنا أزمة إيسلندا المصرفية وأزمة اليونان في ما يتعلق بالدين السيادي وأزمة الفساد والهدر التي حصلت في الأرجنتين وفنزويلا، كل هذه الأزمات إندلعت في لبنان ونحن إلى الآن لم نحرك ساكناً».

ويضيف: «المؤسسات الدولية لن تدق أبوابنا نحن من يجب أن يتوجه إليها خصوصاً بعد تشكيل الحكومة ونيل الثقة، وعلينا التفاوض مع المجتمع الدولي وشرح حقيقة وضعنا كي يتمكن من مساعدتنا على سداد ديوننا وعدم تحرك المسؤولين السياسيين يضعنا أمام خيارين إما التعثر أو الدفع».

يشدِّد أبو سليمان على أن «التفاوض مع صندوق النقد الدولي لطلب مشورة تقنية أمر مهم لأنه يعطينا الخبرات التي إكتسبها جراء مساعدته في حل أزمة اليونان والأرجنتين وفنزويلا والدول التي تعثرت، وأسوأ ما يمكن أن يحصل هو تعثر لبنان عن سداد ديونه، عندها يحصل ربط نزاع بين حاملي هذه السندات أي دعاوى تقدم إلى محاكم نيويورك المالية وفي حال تم ربحها عندها يمكن الحجز على أملاك الدولة اللبنانية، وما أريد التشديد عليه أن كل الجهات المستثمرة تفضل الدخول بمفاوضات مع الجهات المتعثرة بدل الذهاب إلى المحاكم من قبل الطرفين».

ويختم: «الأسوأ أن لا نحرك ساكناً لأن هذا يطيح بكل شبكة الأمان الاجتماعية من طعام ودواء وغيره، نحن في وضع سيء للغاية ولا يمكن التشاطر على الطريقة اللبنانية وواهم من يظن أنه لن تحصل إجراءات موجعة، لن يقبل أحد بمساعدتنا إذا لم يحصل إصلاح حقيقي للخلل الإقتصادي الذي نعاني منه».

باسمة عطوي