الدول العربية تدرس محاصرة النتائج الإقتصادية لفيروس كورونا

Download

الدول العربية تدرس محاصرة النتائج الإقتصادية لفيروس كورونا

مقابلات
العدد 483 شباط/فبراير 2021

الدول العربية تدرس محاصرة النتائج الإقتصادية

لفيروس كورونا عبر فتح أبواب إستثمارية جديدة

أدخل فيروس كورونا، الكثير من التغيُّرات على حياتنا منذ بداية إنتشاره قبل عام ونيِّف، ليس فقط على الصعيد الصحي والإجتماعي بل أيضاً، على الصعيد الإقتصادي، والعملي، والتربوي. ومن المُرجَّح أن تستمر لسنوات مقبلة. ولا شكَّ في أن هذه التغيُّرات تسبَّبت بتحدِّيات لدول العالم أجمع، ومنها الدول العربية، وأدخلت مفاهيم جديدة للعمل وللإقتصاد وخصوصاً أن الجائحة تسبَّبت بركود إقتصادي عالمي طال الدول العربية أيضاً، وأدَّى إلى إنخفاض في أسعار النفط التي تتَّكل عليه العديد من الدول العربية لتمويل مشروعاتها التنموية. إذاً، منذ أن تمَّ إستيعاب صدمة الفيروس وظهور تداعياته الإقتصادية والإجتماعية، بدأت الأنظار تتحوَّل إلى كيفية محاصرة نتائجه الإقتصادية، وبات الإهتمام في إبتداع طرق تُساعد على الإستثمار في رأس المال البشري من أجل تحويل مسار الإقتصاد، وتعزيز النمو مع إحداث تأثيرات واسعة على رفاهية المواطنين ورخائهم. ما يُمكن الجزم فيه، أن هناك إرادة سياسية لدى الدول العربية، لتخطِّي ما خلَّفه فيروس كورونا من خسائر، لتحسين الإستثمار من خلال الإهتمام بثلاثة مجالات هي: التعليم،  وزيادة المهارات والصحة، والإستثمار في إقتصاد المعرفة، علماً أن التحوُّل الإقتصادي الذي فرضه وباء كورونا هو مسعى طويل الأجل، لكنَّ تحسين تكوين رأس المال البشري هو الأساس لتحقيق النمو المستدام والمنشود.

آفاق وإستثمارات جديدة

كل ما سبق، يجعل البحث عن الآفاق المقبلة للإستثمارات العربية في ظل كورونا، أمراً مشروعاً، وخصوصاً أنها لن تطال قطاعاً واحداً، بل من المُرجَّح أن تتنوَّع هذه الإستثمارات تبعاً للحاجات والتحدِّيات التي خلقها الفيروس، إذ يوافق أمين سر نقابة المطورين العقاريين مسعد فارس على أنه «إقتصادياً، ما بعد إنتشار «كوفيد-19» ليس كما قبله»، ويشرح لمجلة «إتحاد المصارف العربية» ذلك بالقول: «كوفيد-19»غيَّر الإستثمارات في كل دول العالم، وليس في المنطقة العربية فقط، لأن هناك الأعمال التي تطوَّرت، ونمت بسبب الفيروس، ما دفع المستثمرين إلى الإتجاه نحو نوعية جديدة من الأعمال والإستثمارات»، لافتاً إلى أنه «قبل كورونا، لم تكن الأعمال التي تُنجز عبر الـ  on line تأخذ حيِّزاً كبيراً من الإهتمام والمتابعة، ولكن إنتشار الفيروس اليوم أدَّى إلى توسُّعها مع كل الصناعات والخدمات المرتبطة بها، وكل الصناعات والأعمال التجارية المتعلِّقة بالصحة والنظافة، تطوَّرت وتلقى المزيد من الإهتمام».

 

مسعد فارس:

بات الإستثمار في الشركات التي تنقل

الخدمات والبضائع مربحاً ومنتجاً جداً بسبب كورونا

 

يوضح فارس أن «العمل من المنازل، أثَّر على طبيعة الإستثمارات، فالمطوِّرون العقاريون لن يقوموا بإستثمار أموالهم في المرحلة المقبلة لبناء مكاتب على سبيل المثال لا الحصر، بل لبناء المنازل، لأنه بقي عنصر أساسي في كل الحالات، بالإضافة إلى أن الفيروس دفع المطوِّرين العقاريين لإعتماد معايير جديدة للبناء وهي التباعد الإجتماعي للموظفين (في المكاتب مثلاً)، وإستعمال التكنولوجيا لتجنُّب ملامسة الأسطح، وإلتقاط الفيروس»، مشيراً إلى أن «كل هذا التغيير في طريقة العيش، خلق أولويات أخرى في الإستثمارات، إذ بات الإستثمار في الشركات التي تنقل الخدمات والبضائع، مربحاً ومنتجاً جداً بسبب الكورونا، وتوسَّعت التجارة الإلكترونية بشكل كبير وغير مسبوق».

ماذا عن تجارة العقارات، هل ستتأثَّر؟

يجيب فارس: «المكاتب والمجمَّعات التجارية، ستتأثَّر سلباً في المرحلة المقبلة، لأن الإستثمار فيها سيتضاءل لصالح الإستثمار بالتجارة الإلكترونية، لذلك، سيتراجع مردود إيجاراتها، وستتقلَّص المساحات المستأجرة للمكاتب، لأن الأعمال تجري من داخل المنازل، وفي المدى المتوسط يُمكن أن تتغيَّر مواصفات المنازل، لجهة جعلها أوسع وأرحب، وتخصيص مكان للعمل فيها، إذا إستمر العمل من المنزل نشطاً».

تغيُّر الوجه المالي و الإقتصادي

على ضفَّة الخبراء الإقتصاديين، فإن قراءة معالم الإستثمارات العربية في ظل كورونا، ينطلق أيضاً من التجربة التي عايشتها كل دول العالم ومنها الدول العربية مع الفيروس، إذ يقول الخبير الإقتصادي الدكتور محمود الجباعي لمجلة «إتحاد المصارف العربية» إنه «من الطبيعي في ظل جائحة كورونا، أن يتغيَّر الوجه المالي والإقتصادي والنقدي لكل دول العالم، ولا شك في أن الجائحة أصابت معظم دول العالم بركود إقتصادي حادّ، نتيجة الإقفال العام الذي حصل، وإنخفاض الطلب الكلِّي على الإستثمار  والإنتاج، وضعف إنتاجية العمل، كل ذلك أدَّى إلى ركود إقتصادي ضخم، وإرتفاع العجز المالي للموازنات العامة للدول».

 

الدكتور محمود جباعي:

سيتَّجه الإستثمار نحو البُعد المالي

أي الأسهم والسندات والبورصة

وفي الشركات التي تعمل عبر الـ on line 

ويشرح الجباعي أن «دول الخليج العربية التي تُصنَّف على أنها دول غنية، تعتمد على الصادرات النفطية لديها لتمويل معظم القطاعات الإستثمارية في إقتصاداتها، تأثَّرت جداً، وبسبب الجائحة، باتت تعاني إنكماشاً إقتصادياً، وعجزاً مالياً، وصل في بعض الدول إلى 4 % أو 6 %، وكان الإعتماد على أن يتمكنوا من إسترداد عافيتهم الإستثمارية خلال العام 2021  بعد إرتفاع سعر النفط، لذلك تشهد هذه الدول (نتيجة إرتفاع سعر النفط عالمياً)، إنخفاضاً في عجز موازناتها»، لافتاً إلى أنه «بعد أزمة كورونا، سيحصل فصل بين البُعد الإقتصادي، والبُعد المالي، لأن الإستثمار الإقتصادي متوقِّف حالياً (أي المنشآت الصناعية والتجارية والسياحية والزراعية) وهي تضرَّرت بسبب أزمة كورونا، وضعف الإستثمار فيها، والطلب عليها بين 70 % و 80 % في بعص الأحيان إلى 90 %، لذلك سيذهب الإستثمار في هذه المرحلة، نحو البُعد المالي، أي أنه سيحصل إستثمارات مالية خاصة في الأسهم والسندات والبورصة، ولا سيما في الشركات التي تعمل عبر الـ on line».

ويضيف الجباعي: «لذلك، شهدنا عمليات شراء كبيرة لأسهم هذه الشركات، من قبل شركات أخرى، وأيضاً من قبل دول، وحتى بنوك مركزية، وأعتقد أنه سيرتفع الإستثمار في العمليات المالية، أي الأسهم والسندات والعملات الإفتراضية مثل الـ «بيتكوين» خلال السنوات الثلاث المقبلة، من أجل أن تُعوِّض الشركات خسائرها الإقتصادية بسبب الإقفال والإستثمار الذي سيذهب إلى البُعد المالي».

دور المصارف المركزية

يرى الجباعي أن «للمصارف المركزية دوراً في تمويل الإستثمار في القطاعات المالية، لكن للخروج من هذه الأزمة على دول الخليج العربي تحديداً، أن تُحدِّث سياساتها الإقتصادية القائمة، وأن تُخفِّف من السياسات التي كانت تعتمد بالمطلق على النفط، وأن تُحاول في المرحلة المقبلة (بالإضافة إلى الإستثمار في البورصة والشركات المالية)، أن تُؤسِّس إقتصادات متينة في قطاعات التكنولوجيا والزراعة والصناعة، وتقوية هذه القطاعات من أجل خلق إقتصاد بنيوي متين، قادر على الإستمرار في المرحلة المقبلة، وعدم الإكتفاء بالإستثمارات المموَّلة من القطاع النفطي، لضمان مواجهة أي تحدٍّ آخر، يُمكن أن نُواجهه كما حصل مع جائحة كورونا».

ويتوقَّع الجباعي أن «ينخفض الإستثمار في المرحلة المقبلة  في القطاعات التقليدية والسياحية والتجارية، وسيرتفع الإستثمار في قطاعات الصحة والتكنولوجيا والبورصة والتجارة الإلكترونية، وسندات الدين، وسندات الخزينة والأسهم».

ويختم الجباعي: «هذا ما ننصح به، فالإستثمارات في القطاعات الصحية ستُحقِّق أرباحاً على مدى سنوات، لأن تداعيات كورونا ستستمر على مدى السنوات المقبلة، حتى لو وُجد اللقاح المناسب».

دراسة الإسكوا

نشرت لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) دراسة تناولت فيها تأثير وباء كورونا، على إقتصادات الدول العربية، وكيفية مواجهتها للتخفيف من تداعيات الفيروس.

 أوردت الدراسة أن وباء كورونا، ترك أثراً على  إقتصادات الدول العربية، لجهة إنخفاض الإيرادات المتأتِّية من تصدير المواد الغذائية والكيميائية وعائدات النفط، وسجِّل أيضاً خسائر تقدر بـ 20 مليار دولار، نتيجة عدم جباية الضرائب غير المباشرة وعائدات الجمارك، كما تمَّ تسجيل  إنخفاض في الإستثمار الأجنبي في الدول العربية بسبب كورونا  والإضطرابات السياسية الحاصلة في المنطقة العربية.

ودعت الدراسة الحكومات العربية إلى وضع خطط لحالات الطوارئ، وحماية الإستثمارات الصغيرة، ودعم الشركات المتأثِّرة بالجائحة والمصدِّرين، للحدِّ من الخسائر في الميزان التجاري، والمدفوعات والحسابات المالية، بالإضافة إلى تطوير التجارة الإلكترونية، وإلغاء الدول العربية الحواجز الجمركية عن الصادرات والواردات وتحديداً في المنتجات الغذائية والطبية والصناعية والتي تدخل في صناعة المواد الأولية، بالإضافة إلى إزالة  كل الحواجز أمام التجارة البينية العربية من أجل تسهيل عملية الإستيراد والتصدير.

كما دعت الدراسة إلى القيام بدعم كبير وسريع للقطاعات التجارية ودعم المصدرين والمستوردين العرب لتقوية إقتصاد  دولهم.

نصائح للدراسة

دعت الدراسة إلى تأمين الحماية الإجتماعية وتقديم المساعدات النقدية والغذائية والقروض الفردية، والإعفاء من الضرائب للشركات الصغيرة والمتوسِّطة، والعمل على إيجاد فرص عمل جديدة وتأمين الرعاية الصحية.

كما أوصت الدراسة بإتِّباع الخطوات التالية:

– تأمين وصول المواطنين إلى المواد الغذائية بطريقة مقبولة، ودعم الفئات الأكثر فقراً، وتأمين الحماية الإجتماعية لكبار السن، لأنهم الفئة الأكثر تأثُّراً بهذا الوباء.

– حماية السجناء والعاملين في السجون واللاجئين، لأن الإكتظاظ يؤدي إلى إنتشار الوباء.

– دعوة الشركات إلى إستخدام الطاقة النظيفة توفيراً للخسائر (الطاقة الشمسية) مما يزيد فرص العمل وتعزيز الإهتمام بالزراعة لتوفير الأمن الغذائي.

– على المجالس البلدية في هذه الدول، العمل مع المجتمع المدني وتأمين المساعدات للفئات الإجتماعية القليلة الدخل، وإعفائها من رسوم الإتصالات لتمكين الموظفين والطلاب من العمل والدراسة من المنازل، وإنشاء صندوق طوارئ للأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة لتأمين التضامن الإجتماعي.

– دعم الشركات الكبرى لأنها تؤمن إستمرارية فرص العمل وتخفِّف من نسبة البطالة، وعلى المصارف تخفيف الفائدة على القروض وتأجيل سداد ديون المودعين.

– دعت الدراسة إلى وقف الصراعات في المجتمعات العربية لأنها تزيد من إنتشار الوباء بسبب التجمُّعات.

– على الدول العربية إنشاء صندوق تضامن إجتماعي إقليمي، لمساعدة الفئات الفقيرة والمتضرِّرة من الوباء .

– على الحكومات العربية، أن تسهِّل وصول الأموال من المغتربين إلى ذويهم لتأمين السيولة.

– على الدول العربية العمل لمكافحة العنف المنزلي ضد الأطفال والنساء ووضع قوانين جديدة للحدِّ منها.

باسمة عطوي