الرقابة الشرعية على البنوك بين المركزية واللامركزية

Download

الرقابة الشرعية على البنوك بين المركزية واللامركزية

Article
(القبس)-13/01/2021

*د. دانة الدعيج

سبق لنا أن قدمنا بعض الملاحظات على نظام الرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية في الكويت، عندما أصدر البنك المركزي تعليماته سنة 2016 بشأن حوكمة الرقابة على شرعية البنوك الإسلامية، نشرت في القبس بتاريخ 15 يناير 2017 تحت عنوان «حوكمة الرقابة الشرعية نعم.. ولا». ومن أهم تلك الملاحظات أن النظام لا يخدم الرقابة الشرعية على البنوك الإسلامية، بل يُعقِّد العملية وذلك لمجموعة من الأسباب منها: أن النظام لا يفرض رقابة على صحة الفتاوى، ولا يضمن استقلالية وموضوعية أعضاء الهيئة الشرعية، ولا يقدم حلاً لمشكلة التباين في الفتاوى بين الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية. ثم اقترحنا لتجاوز بعض العيوب في النظام أن يقوم البنك المركزي بإنشاء هيئة شرعية مركزية تابعة له مكونة من أبرز العلماء الشرعيين مهمتها الرقابة على شرعية كل البنوك الإسلامية.

وبالفعل في شهر أكتوبر من 2020 أعلن البنك المركزي عن إنشاء هيئة عليا للرقابة الشرعية ببنك الكويت المركزي وفقاً للقانون رقم 3 لسنة 2020. من أبرز مميزات هذا التعديل إلزام البنوك الإسلامية بالحصول على موافقة من الهيئة العليا قبل تعيين أعضاء هيئات الرقابة الشرعية بما يفرض رقابة مسبقة على تعيين الأعضاء ويضمن التزام البنوك بالشروط القانونية الواجب توافرها في العضو. ومن المهام الموكلة للهيئة العليا أن تقوم بتقديم رأي نهائي في حال حدوث خلاف بين أعضاء الهيئات الشرعية أو في حال عدم توصلهم لرأي شرعي في مسألة مُعينة لتحل بذلك محل هيئة الفتوى بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في هذا الاختصاص، وكذلك تقديم الرأي الشرعي للمحاكم أو مراكز التحكيم في ما يحال إليها بشأن قضايا العمل المصرفي والمالي الإسلامي.

تجدر الإشارة هنا إلى أنه في حال طلب المحاكم الكويتية لرأي هيئة الرقابة العليا، فإن هذا الرأي لا يكون مُلزماً للمحكمة بل استئناسي فقط مراعاة لمسألة استقلال القضاء المعمول بها في الكويت وذلك بخلاف الوضع في ماليزيا التي تلزم المحاكم برأي الهيئة الشرعية المركزية.

ومن المتوقع أن تقوم الهيئة العليا -وفق اختصاصاتها- باقتراح تعليمات وإرشادات لتنظيم أعمال هيئات الرقابة الشرعية بما يشمل حوكمة أنشطة الفتوى والرقابة الشرعية وكذلك فيما يخص المنتجات والخدمات التي تقدمها البنوك الإسلامية التي وإن لم تكن ذات طبيعة إلزامية إلا أنه من المتوقع أن تلتزم بها الهيئات الشرعية بما يساعد على حل مسألة التباين في الفتاوی ويفرض رقابة على صحتها.

على الرغم من إنشاء هيئة عليا للرقابة الشرعية على مستوى البنك المركزي، فإنه ما زال لهيئات الرقابة الشرعية في الكويت حرية إصدار فتاوى شرعية بما تراه مطابقا أو غير مطابق لأحكام الشريعة من أعمال البنوك الإسلامية التي تراقبها بما يتيح لها حرية الاجتهاد والإفتاء ويضفي مرونة وسرعة في إجراءات إصدار الفتاوى دون تطلب الرجوع أولا للهيئة العليا. وبذلك تكون الكويت حققت توازناً ما بين إقرار الرقابة المركزية على شرعية البنوك الإسلامية وعمل هيئات الرقابة الشرعية لتقف بذلك في منطقة وسطی ما بين النظام المركزي للرقابة الشرعية المطبق في بعض الدول كماليزيا وباكستان والإمارات الذي يفرض رقابة مشددة على العمل المصرفي الإسلامي وعلى هيئات الرقابة الشرعية من خلال إصدار فتاوی موحدة ملزمة لكل البنوك والنظام اللامركزي المطبق سابقا في الكويت الذي يفتقر تماما إلى الرقابة المركزية العليا على مستوى البنك المركزي على شرعية البنوك الإسلامية.

أخيرا، بعد إنشاء الهيئة العليا للرقابة الشرعية في البنك المركزي هناك بعض الأمور التي نود الإشارة إليها كما يلي:

أولاً: في السابق كانت هيئة الفتوى بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هي المختصة بحلّ الخلاف بين أعضاء الهيئات الشرعية، ومع إنشاء هيئة الرقابة العليا تم تعديل المادة الـ93 من قانون البنك المركزي لتحل هيئة الرقابة العليا محل هيئة الفتوى، إلا أن اختصاص هيئة الفتوى لم يرد فقط في المادة الـ93 من قانون البنك المركزي إنما ورد أيضا في المادة الـ15 من قانون الشركات، وعليه يتعين تعديل هذه المادة من قانون الشركات كذلك ليكون الاختصاص خالصا لهيئة الرقابة العليا في البنك المركزي.

ثانياً: النظام القانوني الكويتي مازال يفتقر إلى معايير ومبادئ شرعية عامة لأعمال وأنشطة القطاع المصرفي والمالي الإسلامي كتلك الصادرة عن منظمة الـ AAOIFI، ومع إنشاء هيئة الرقابة العليا نتطلع إلى أن تقوم بتطوير وإصدار مثل هذه المعايير لتكون المرجعية العامة لهيئات الرقابة الشرعية في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية عند إصدار الفتاوی.

ثالثاً: يتعين وضع تعريف محدد وواضح لمصطلح «المطابقة للشريعة» كي يتسنى لأعضاء هيئات الرقابة الشرعية والمحاكم ومراكز التحكيم والمتعاملين كافة مع البنوك الإسلامية والمؤسسات المالية الإسلامية معرفة الأساس الذي على إثره يتم اعتبار أمر مطابق أو غير مطابق للشريعة.

د. دانة الدعيج

(دكتوراه في حوكمة الشركات)