السودان يعود إلى خارطة التحويلات الدولية بالعملات الصعبة

Download

السودان يعود إلى خارطة التحويلات الدولية بالعملات الصعبة

الاخبار والمستجدات
العدد 491 - تشرين الأول/أكتوبر 2021

السودان يعود إلى خارطة التحويلات الدولية بالعملات الصعبة  منذ أكثر من 20 عاماً

أول تحويل مصرفي من السودان إلى الولايات المتحدة أنجزه بنك قطر الوطني

جرت أول عملية تحويل مالية من السودان إلى الولايات المتحدة الأميركية

بعد عقود من الحصار والعقوبات على البلاد ومؤسساتها المالية.

فللمرة الأولى، منذ أكثر من 20 عاماً، جرت أول عملية تحويل مصرفي بين السودان والولايات المتحدة الأميركية،

بالطرق الرسمية، وفق ما أعلنه السفير السوداني في العاصمة الأميركية واشنطن، نور الدين ساتي،

 والذي قال إنه «تسلّم تحويلاً مصرفياً مؤخراً، من بنك قطر الوطني في العاصمة السودانية الخرطوم

على حسابه الشخصي في بنك «ويلز فارغو»، في الولايات المتحدة»، متوقعاً «أن يتم إجراء تحويل آخر،

لكن من الولايات المتحدة إلى السودان»، مشيراً إلى «أن هذا التغيير، سيُسهّل عمل التحويلات

من خلال المعاملات المصرفية المباشرة بين السودان والولايات المتحدة، بما يعود بالنفع على الإقتصاد السوداني والشعب».

قرار رفع العقوبات عن السودان في 2020

أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، سحب الخرطوم، من لائحة العقوبات المفروضة عليها، والتي تعوّق الإستثمارات الدولية». في السياق نفسه، أعلن وزير الخارجية الأميركية السابق مايك بومبيو أنه «تم رسمياً إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب، بعدما وقّع بلاغاً يُلغي إعتبار السودان بلداً يرعى الإرهاب، ويدخل الإجراء حيّز التنفيذ في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2020»، وقال بومبيو: «يُمثّل ذلك تحوّلاً جذرياً في علاقاتنا الثنائية بإتجاه مزيد من التعاون والدعم لإنتقال السودان التاريخي إلى الديموقراطية».

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد حثّت مؤخراً، المصارف على إجراء معاملات مباشرة مع السودان. علماً أن محللين إقتصاديين أفادوا «أن المعاملات المصرفية المباشرة لا تزال تُشكل إشكالية بسبب «التشوهات» في الإقتصاد السوداني، وأسعار الصرف المتعددة والمتغيرة على نطاق واسع للجنيه السوداني مقابل الدولار.

وأصدرت الحكومة الإنتقالية السودانية، في 20 فبراير/ شباط 2021، قراراً بتعويم الجنيه السوداني، لسدّ الفجوة الهائلة بين سعر الصرف الرسمي البالغ 55 جنيهاً للدولار، وسعر الصرف في السوق السوداء الذي بلغ نحو 400 جنيه للدولار.

يُذكر أن هذا التحويل هو أول تحويل أموال بين السودان والولايات المتحدة، يجري عبر القنوات الرسمية، منذ أن فرضت إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، عقوبات إقتصادية على السودان، في العام 1997، والذي جرى بموجبها حظرُ جميع الإستثمارات الأميركية في السودان، وغالبية المعاملات التجارية الثنائية، وذلك بسبب الوصف الأميركي: «إستمرار دعم السودان للإرهاب الدولي، وسجلّه السيئ في مجال حقوق الإنسان، وجهوده لزعزعة إستقرار المنطقة».

تاريخ العقوبات على السودان وتداعياتها

خضع السودان منذ العام 1997 لعقوبات إقتصادية وتجارية، فرضتها إدارات أميركية تعاقبت على البيت الأبيض. وتُفيد الخرطوم «أن هذه العقوبات ألحقت بها خسائر إقتصادية وسياسية فادحة، فاقت 50 مليار دولار، لكن الإدارات الأميركية المتعاقبة، ظلّت تُجدد هذه العقوبات عاماً بعد آخر، من دون أن تضع حساباً لنداءاتها، وللتنازلات الكبيرة التي قدمتها». وبعد دخول المملكة العربية السعودية كقوة إقليمية مؤثرة، وضغوطها المستمرة على الإدارة الأميركية في السنوات الأخيرة، أثمرت بالإنفراج الحالي.

خطة المسارات الخمسة

وإستمر السودان خاضعاً لهذه العقوبات إلى أن أصدر الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، قبل فترة قصيرة من نهاية فترته الرئاسية الأخيرة، أمراً تنفيذياً رفع بموجبه، جزئياً، العقوبات المفروضة على السودان لمدة ستة أشهر، «على أن يتم البت في رفعها كلياً بعد ستة أشهر، في حال إلتزام السودان تعهدات قطعها على نفسه»، عُرفت بـ «خطة المسارات الخمسة»، والتي تتضمن جملة من القضايا المحورية محل الإهتمام المشترك، وفي مقدمها: التعاون في مكافحة الإرهاب والأمن الإقليمي، والسلام في كل من السودان وجنوب السودان، وإحترام حقوق الإنسان.

وقبل أن تنقضي المهلة، إنتُخب دونالد ترمب، رئيساً للولايات المتحدة، الذي أرجأ البت في عقوبات السودان لثلاثة أشهر إضافية، للتحقق من مدى إلتزام الخرطوم تعهداتها.

وتنقسم العقوبات المفروضة على السودان إلى نوعين، واحدة صادرة بقرارات رئاسية تنفيذية، وأخرى بموجب تشريعات سنّها الكونغرس.

وكانت وزارة الخارجية الأميركية، قد أدرجت السودان، ضمن قائمتها للدول التي ترعى الإرهاب في 18 أغسطس (آب) 1993، وإتّهمته بأنه يسمح بإستخدام أراضيه ملجأ للذين تُصنّفهم بأنهم إرهابيون، وتوفير ملاذات آمنة لهم. وأجرت إدارات أميركية متعددة، إتصالات مع حكومة الخرطوم، لكن لم تُحرز خلالها العلاقات أي تقدم، إلى أن إعتبرت سفارة واشنطن في الخرطوم «أن أصل الخلافات بين البلدين، يستند إلى أن السودان يدعم الإرهاب، وينتهك حقوق الإنسان، ويشنّ حرباً دينية على جنوب السودان، ويحول دون وصول المساعدات الإنسانية».

وأصدر الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، أمراً تنفيذياً طبّق بموجبه عقوبات إقتصادية وتجارية ومالية شاملة على السودان، تحت مبرّر دعمه للإرهاب الدولي. وزاد الطين بلّة، قصف الطيران الأميركي لمصنع الشفاء للأدوية في 20 أغسطس (آب) 1998، بعدما إتهمت «أسامة بن لادن» الذي كانت تأويه الخرطوم، بالضلوع في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام ونيروبي، زاعمة أن المصنع يتبع لبن لادن، ويُنتج أسلحة كيمائية.

وتوالت الأوامر التنفيذية ضد السودان، ففي أبريل (نيسان) 2006 أصدر الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، الأمر (13400)، الذي وسّع بموجبه العقوبات، لتشمل حظر الأفراد الذين تثبت مساهمتهم في نزاع دارفور، وحجز أملاكهم، ثم الأمر التنفيذي (13412) الصادر في سبتمبر (أيلول) من العام ذاته، وقضى بإستمرار حجز أموال الحكومة السودانية، وكل المعاملات التي قد يقوم بها أي مواطن أميركي مع الخرطوم، التي تتعلّق بصناعة النفط والبتروكيمياويات.

قانون سلام السودان

في العام 2002 أصدر الكونغرس «قانون سلام السودان» الذي رهن رفع العقوبات الأميركية، بتقدم المفاوضات مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وألحق به في العام 2004 «قانون سلام السودان الشامل»، وفي 13 أكتوبر (تشرين الأول) 2006 أصدر «قانون سلام ومحاسبة دارفور» الذي يستند إلى أن سياسات حكومة السودان تُهدد أمن أميركا وسلامها وسياستها، ثم تلاه «قانون المحاسبة ونزع الإستثمار في السودان» في العام 2007 الذي فرض الكونغرس بموجبه عقوبات ضد الأشخاص الذين إعتبرهم مسؤولين عن الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2011، طرأ تحسن على علاقة البلدين، وأبرمت الخرطوم إتفاقاً مع واشنطن، نص على تعاون العاصمتين بالعمل معاً لمكافحة الإرهاب، لكن هذا الإتفاق لم يُؤثر على العقوبات المفروضة على السودان، رغم إقرار واشنطن بأن النظام السوداني حلّ خلافاته مع جنوب السودان، لكنه ربط تطبيع العلاقات بين البلدين بالتوصل إلى وقف للنزاع في إقليم دارفور السودان.

بيد أن إدارة الرئيس باراك أوباما، أعلنت في 17 فبراير (شباط) 2015 تخفيف العقوبات على السودان، وسمحت للشركات الأميركية بتصدير أجهزة إتصالات شخصية، وبرمجيات تُتيح للسودانيين الإتصال بالإنترنت، وشبكات التواصل الإجتماعي، وهو ما عُد مؤشراً إيجابياً.

رفع جزئي للعقوبات

لكن إدارة أوباما مدّدت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 العقوبات لمدة عام، وأشارت إلى «إمكانية رفعها، في حال تحقيق السودان لتقدم في الملفات التي تطالب بها واشنطن، الخرطوم». ثم فاجأ أوباما المراقبين بإصداره أمرين تنفيذيين في 13 يناير (كانون الثاني) 2017 أعلن بموجبهما رفعاً جزئياً لبعض العقوبات الإقتصادية المفروضة على الخرطوم، بسبب ما سمّاه «التقدم الذي أحرزه السودان»، لكنه أبقى عليه ضمن قائمة الدول الداعمة للإرهاب. وقضى الأمر الرئاسي برفع العقوبات الواردة ضمن الأمرين التنفيذيين (13067)، و(13412) اللذين أصدرهما، في حال إلتزام حكومة السودان، بما أُطلق عليه «الأفعال الإيجابية التي سبق أن إتخذتها، خلال الأشهر الستة الماضية»

ولتفعيل الأمرين التنفيذيين، عدّلت وزارة الخزانة، ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية «أوفاك» لوائح عقوبات السودان، مما جعل الأمرين التنفيذيين ساريين، بمجرد نشرهما في السجل الفيدرالي، ويسمحان بالقيام بالتعاملات المالية التي كانت محظورة، وفقاً للوائح العقوبات السودانية، بما يُتيح للأفراد الأميركيين القيام بتعاملات مالية، مع أفراد وهيئات سودانية، وبرفع حظر الأصول السودانية المجمّدة

وإشترطت الإدارة الأميركية على السودان، ما إصطُلح على تسميته بـ «خطة المسارات الخمسة»، وتضمّنت «مكافحة الإرهاب، والعمل على مكافحة «جيش الرب»، والسلام في دولة الجنوب، والسلام في السودان، وإكمال مسيرته والشأن الإنساني. وقد جاءت هذه الشروط للرفع الكامل للعقوبات الأميركية، بعد مرور ستة أشهر من الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس باراك أوباما.

كيف سيستفيد السودان إقتصادياً من رفع العقوبات؟

لا شك في أن السودان، سيخرج من دوامة الفقر تدريجاً بعد إنهاء العقوبات الأميركية التي فُرضت مؤخراً، وذلك سيسمح بدمج الإقتصاد السوداني وجهاز الدولة المصرفي في الإقتصاد العالمي، وتدفق النقد والإستثمارات الأجنبية للبلاد، وسيُساعد السودان على حيازة تكنولوجيات حديثة، والوصول إلى السوق المالية الدولية، ما يُتيح له تحسين إدارة صادراته ووارداته. وسينجم أيضاً تضاعف قيمة المساعدات التنموية والإنسانية التي تُقدمها واشنطن للسودان، بما في ذلك فائض القمح والإمدادات الطبية التي يحتاجها الشعب السوداني بشدة.

ويتجه السودان راهناً، إلى إنهاء أكبر عقبة أمام الإصلاحات الإقتصادية، وهي رفع إسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فهو إنجاز كبير يضع نهاية لواحدة من أكثر تركات النظام السابق الذي خلّف دماراً للإقتصاد في هذا البلد، وضياعاً لفرص التنمية فيه، إضافة إلى عزلة دولية خانقة.

فالسودان بالتأكيد، لن يُضيّع فرصته لبناء مشروع النهضة، والسير في طريق التنمية والإزدهار، ومن خلفه، يصطف الأصدقاء والأشقاء لمساعدته على تجاوز هذه المرحلة الحرجة من تاريخه، وتدشين عهد جديد يعود عبره السودان، مارداً إقتصادياً، وأحد أبرز الدول الغنية في قارة أفريقيا.

ويختم السفير السوداني في واشنطن نور الدين ساتي بالقول: «إن الحكومة السودانية، تأمل في أن يؤدي توحيد أسعار الصرف إلى تشجيع التجارة والإستثمار المباشر في السودان، وتسهيل التعاملات بين البنوك التي تتخذ من السودان مقراً لها وفي العالم الخارجي، من خلال القنوات الرسمية»، مؤكداً أنه «سيتم إجراء تجربة أخرى (قريباً)، لإرسال أموال من بنك أميركي إلى السودان، وإذا نجحت هذه التجربة، فسيكون السودانيون في الولايات المتحدة قادرين على إرسال التحويلات إلى بلدهم الأم، من خلال قنوات رسمية موثوقة للمرة الأولى منذ عقود».

السودان يحرك الدولار الجمركي تمهيداً لإلغائه تدريجياً

من جهة أخرى، أفادت هيئة الجمارك السودانية، في بيان أنها «عدّلت قليلاً سعر الصرف الذي تستخدمه لحساب الرسوم والضرائب على الواردات، وقد تلغي الدولار الجمركي تماماً مع إستقرار الجنيه السوداني بعد خفض حاد لقيمته».

ولفتت الهيئة في بيان إلى «أن السعر الجديد سيكون 20 جنيهاً سودانياً للدولار الأميركي، بعدما كان 18 جنيهاً، وهو تقييم أعلى بكثير للعملة المحلية مقارنة بنحو 379 جنيهاً عُرضت مؤخراً في السوقين الرسمية والسوداء».

وإستُثني السعر الجمركي من نظام جديد، كان قد أعلنه البنك المركزي السوداني في 21 فبراير/ شباط 2021، يهدف إلى توحيد سعر الصرف الرسمي والسعر في السوق السوداء لمساعدة السودان، على تجاوز أزمة إقتصادية خانقة، ونيل إعفاء من الديون. وكان قد حُدد في وقت سابق سعر الصرف الرسمي للجنيه السوداني عند 55 للدولار.

يُذكر أنه كان التعديل الذي طلبه المانحون الأجانب وصندوق النقد الدولي، متوقعاً في أواخر العام الماضي (2020)، لكنه تأجل بعدما عقَّد شح في السلع الأساسية وتسارع لوتيرة التضخم إنتقالاً سياسياً هشاً. ويريد صندوق النقد الدولي إصلاحات أيضاً لسعر الدولار الجمركي.

وأفادت هيئة الجمارك «أن الدولار الجمركي، قد يُلغى بالكامل تدريجاً، لأن الجنيه يشهد راهناً إستقراراً واضحاً مقابل العملات الأجنبية». علماً أنه يُتوقع أن يرتفع.

وأضافت الهيئة في بيان «أن هذا التعافي للجنيه هو الدافع الأساسي الذي سوف يؤدي إلى إلغاء الدولار الجمركي، والذي لم يعد لوجوده داع، إعتماداً على المعطيات الماثلة».