الشراكة بين القطاعين العام والخاص قانون نافذ

Download

الشراكة بين القطاعين العام والخاص قانون نافذ

مقابلات
العدد 480- تشرين الثاني/نوفمبر 2020

الشراكة بين القطاعين العام والخاص قانون نافذ

لكن يُمنع تنفيذه خوفاً على صلاحيات الوزير المختص

ثلاثُ سنوات مرّت على إقرار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص (Public Private Partnership PPP) في مجلس النواب اللبناني (تم طرحه من قبل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في العام 2007، وإقراره في أيلول/سبتمبر العام 2017)، ورغم أن القانون أخذ نقاشاً مستفيضاً في الجلسات التي تمّ دراسة بنوده فيها بين مؤيّد له ومعارض، إلا أنه لا يزال إلى الآن مجرد حبر على ورق، رغم صدور المراسيم التطبيقية لتنفيذه، ما يعني أن لا عوائق إدارية تحول دون أن يُصبح منهجاً للعمل في الإدارات والمرافق العامة، لكن العائق الأساسي هو في غياب القرار السياسي الذي يمنع تطبيقه ويجعله أسير الأدراج.

اليوم لبنان، بلد مأزوم مالياً وإقتصادياً، ويقف على مفترق طرق، إما السير بالإصلاحات المطلوبة من قبل المجتمع الدولي، لتلقي المساعدة والمساندة من صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية، أو الإستمرار في سياسة المراوغة والتسويف التي ستُغرق البلاد بمزيد من الإنهيار والتأزّم. ومن المفيد القول: إن قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص هو أحدى الركائز التي طلب المجتمع الدولي تطبيقها في لبنان لتلقي المساعدة، وسبق أن وعد المسؤولون اللبنانيون بذلك بعد إنعقاد مؤتمر «سيدر» في العام 2018 وبإجراء الإصلاحات، لكنهم لم ينفذوا وعودهم، فهل سيعود السياسيون اللبنانيون إلى عادتهم القديمة أي المراوغة وعدم تنفيذ هذا القانون؟ أم أن ساعة الحقيقة قد دقت، وأن وقت المماطلة قد إنتهى إلى غير رجعة؟

قبل الغوص في مناقشة هذين الإحتمالين من المفيد القول: إن مشروع الشراكة بين القطاعين العام والخاص حظي بإهتمام كبير من قبل الحكومات والمجتمعات والمراكز البحثية في مختلف أنحاء العالم منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، وبالتالي فهو ليس مشروعاً طارئاً أو غير مجرّب عالمياً. وقد زاد الإهتمام بالشراكة بعد أن إتّضح بأنّ عملية التنمية الإقتصادية والإجتماعية تعتمد على حشد جميع إمكانات المجتمع، بما فيها طاقات وموارد وخبرات القطاع العام، كذلك القطاع الخاص، لتتشارك في تنظيمات مؤسسية تتولّى إنشاء المشاريع في مختلف أنواعها وتشغيلها، لذلك تسعى الدول المتقدمة والنامية على حد سواء إلى خلق التنظيمات المؤسسية والتشريعات والنظم لتبنّي التنظيمات التشاركية التي تُسهم فيها قطاعات المجتمع في توجيه المشاريع والأعمال وإدارتها وتشغيلها وتطويرها وتنميتها، من أجل خدمة أغراضها، على أساس تشارك فعلي وحوكمة جيدة ومساءلة شفافة ومنفعة متبادلة.

أسباب عدم التنفيذ

دي فريج: لبنان لن يحصل على مساعدات صندوق النقد الدولي

إذا لم ينفذ القانون

لكن العقدة المخفية التي تمنع من تنفيذ هذا القانون، هو تقليصه لسلطة الوزراء على القطاعات التي سيشملها القانون (أي قطاعات المياه والكهرباء والإتصالات)، بالإضافة إلى تنفيذ الإصلاحات التي يتطلبها المجتمع الدولي لجهة إشراك القطاع الخاص في تمويل المشاريع الإستثمارية للدولة. لكن السؤال: هل أمام المسؤولين اللبنانيين الوقت للتهرّب مجدداً من تنفيذ هذا القانون؟

يُجيب الرئيس السابق  للجنة الإقتصاد الوطني والصناعة والتجارة والتخطيط النيابية  النائب السابق نبيل دو فريج، (الذي واكب القانون منذ تقديمه من قبل حكومة الرئيس السنيورة) بالقول لمجلة «إتحاد المصارف العربية»: «من الضروري أن يُطبّق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص بعد الإتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإلا فإن لبنان لن يحصل على مساعدات، وكل القوانين المتعلقة بالخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص يجب أن تُطبّق أيضاً، لأنها قوانين نافذة، وصادرة عن مجلس النواب اللبناني»، لافتاً إلى أن «الإصلاحات المطلوبة، هناك جزء منها يحتاج إلى إقرار قوانين، وأخرى تحتاج إلى تطبيق قوانين موجودة، مثلاً قطاع الكهرباء حيث إن القانون موجود منذ العام 2003 أي منذ أكثر من 17 عاماً، والكلام عن تطوير القوانين هو محاولة للهروب من تطبيق القوانين، لأن أي وزير يتولى حقيبة عليه تطبيق القوانين التي تتعلق بوزارته، وفي حال أظهرت التجربة أن هذه القوانين تحتاج إلى تطوير، عندها تُقدّم الحكومة مجتمعة إقتراح قانون الى مجلس النواب، لتطوير أو تعديل القانون المشكو منه، وهذا ما لم يحصل لا في قانون الإتصالات ولا الكهرباء، بهدف الحفاظ على هامش للفساد، لأنه حين يكون هناك هيئة ناظمة للإتصالات أو للكهرباء فهذا يُشجع القطاع الخاص على التعاون، ويُخفف من فرص إهدار المال العام ونسب الفساد».

ويضيف دو فريج: «برأيي يجب مقاضاة الوزير الذي لا يُطبّق القوانين الصادرة عن مجلس النواب، وهنا يأتي دور مجلس النواب في محاسبة الحكومة والوزراء المخالفين، وبرأيي يمكنهم القيام بذلك».

تجدر الاشارة إلى أن دو فريج واكب قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص منذ أن كُتبت حروفه الأولى، ويشرح أن «فكرته وُلدت من رحم قانون الخصخصة الذي صدر في زمن حكومة الرئيس سليم الحص في العام 1999، وقبل مجيء الرئيس رفيق الحريري إلى الحكومة في العام 2000، حيث صدر قانون الخصخصة، وعلى أساسه كان ركيزة أساسية للتحضير للبرنامج المالي والإقتصادي لمؤتمر باريس2 والذي على أثره إنتعش الإقتصاد اللبناني، وحقق نجاحاً غير متوقع للمؤتمر. ضمن هذا البرنامج كانت هناك قوانين يجب أن تصدر عن مجلس النواب، أولها قانون تنظيم قطاع الإتصالات والكهرباء، وقوانين تتعلق بالصحة العامة في ما يخص الضمان الإجتماعي والبطاقة الصحية، وهذه القوانين باتت حاضرة منذ العام 2002، وقد صدرت لاحقاً قوانين قطاع الإتصالات والكهرباء، ولكن لم يتم تطبيقها، ولم يتم تشكيل الهيئة الناظمة للإتصالات التي مهمتها تنظيم العلاقة مع القطاع الخاص، بمعنى أن هذه القوانين كانت تأخذ في الإعتبار قانون الخصخصة، لكن كل هذه القوانين كانت مجمّدة، بمعنى آخر، لبنان يمتلك قوانين راقية ومتقدمة، لكن المشكلة في التطبيق.

وبعد التوتر الذي حصل بعد التمديد لرئيس الجمهورية إميل لحود وإغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في العام 2005، وتشكيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الذي قام بتحضير (بالتعاون مع المجلس الأعلى للخصخصة) مشروع قانون للشراكة بين القطاعين العام والخاص، تم درس القوانين وإقتراح أن يكون القطاع الخاص مشاركاً للقطاع العام، وتم تحضير القانون وإقراره في مجلس الوزراء وإحالته في العام 2007 إلى المجلس النيابي مع قواني عدة، لكن لم تتم إحالته إلى الهيئة العامة للمجلس بحجة أن حكومة الرئيس السنيورة لم تكن ميثاقية، وبقي القانون في أدراج المجلس النيابي، وبقي هذا القانون مُجمّداً إلى حين حدث الإتفاق على وصول القانون إلى اللجان المشتركة منذ نحو سنتين، وتم تأليف لجنة نيابية فرعية برئاسة النائب ياسين جابر، وتم الإنتهاء من دراسة القانون وإقراره من قبل الهيئة العامة مؤخراً».

إلى جانب المخاض الذي مرّ به القانون، يشرح دي فريج أهمية القانون بالنسبة إلى لبنان فيقول دو فريج: «الدولة اللبنانية مفلسة، ولا يُمكنها تمويل المشاريع في الكهرباء أو المياه والمستشفيات الحكومية، وبالتالي، إذا كان هناك إرادة سياسية للعمل لصالح المواطن اللبناني، فهذا القانون يُمثل خشبة الخلاص للمواطن اللبناني، لأنه يُؤمّن فرصة للقطاع الخاص بالإتفاق مع أي مؤسسة عامة، ويتشارك مع الدولة اللبنانية، ويُدير المشروع بشفافية، وهذا يُعطي مردوداً سريعاً للمشاريع بمواصفات عالية وخدمة للمواطن، كما أن هذا القانون يسمح للقطاع الخاص بإدارة المرافق العامة كالمستشفيات الحكومية مثلاً، وفقاً لشروط عالمية، وهذا ما يُؤمّن للمواطن خدمات ممتازة، والقانون يُؤدي إلى تشغيل الفائض من السيولة الموجودة في المصارف، وهذا ما يعود بالفائدة على المستثمر والمصرف واليد العاملة والمواطن على السواء».

ويضيف دو فريج: «المواطن العادي سيشعر بتحسن بالخدمات من خلال الكهرباء ونوعيتها وديمومتها وثباتها، وإختصار فاتورته بفاتورة واحدة، كما أن القانون سيخلق منافسة في القطاع الخليوي، مما يُقوي الخدمات ويُخفض الأسعار، ويُشجع على قيام الحكومة الإلكترونية التي تُحارب الفساد، وتُؤمّن الشفافية المطلوبة، وهذا ما يستعد القطاع الخاص للقيام به، وقد بدأ تطبيقه في العديد من دول العالم».

التحرٌّر من العوائق

البستاني: القانون مطبق عامليا ويحرر القطاعات من العوائق التي يعانيها القطاع العام

يُشارك رئيس لجنة الاقتصاد النيابية الحالي النائب فريد البستاني، النائب السابق  دي فريج حول أهمية قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ويقول البستاني لمجلة «إتحاد المصارف العربية»: «الشراكة بين القطاعين العام والخاص أمر مُتّبع في كل دول العالم، لأن القطاع الخاص متحرّر من كل العوائق التي يعانيها القطاع العام (الروتين والحفاظ على الإنضباط)، ونحن وصلنا الى مرحلة إنهيار تام في القطاع العام، لذلك نحتاج إلى تفعيل كل القطاعات الزراعية والصناعية والإتصالات عبر القطاع الخاص. علماً أن قانون الشراكة الذي سيتم تفعيله، هو موجود في خطتي «ماكنزي» وفي مقررات مؤتمر «سيدر».

 يضيف البستاني: «ما نريده هو شراكة بين القطاعين العام والخاص، وسبق أن تحدّث عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الورقة الإقتصادية التي إقترحتها المبادرة الفرنسية، وهو موجود أيضاً في الورقة الإقتصادية التي قدّمها رئيس تكتل لبنان القوي الوزير السابق، النائب جبران باسيل، وبالتالي لا بد من تفعيله، وخصوصاً أن لبنان مقبل على إستثمار قطاعي الغاز والنفط، بعدما تُحل مشكلة الحدود البحرية، وكرئيس للجنة، سأقوم بطرح تطبيق خطة «ماكينزي» التي سبق للبنان أن دفع تكاليف إنجازها، والتي تتضمن أيضا التشديد على تطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص».

قانون قابل للتطبيق  في أكثر من قطاع

عازار: لنحتذي بنموذج دبي لتطبيق انون المشاركة بين القطاعين العام والخاص

 على ضفة عضو لجنة الاقتصاد النائب روجيه عازار، فإن «المشاركة بين القطاعين العام والخاص برأيه، باب لتفعيل الإقتصاد اللبناني»، إذ يقول لمجلة «إتحاد المصارف العربية»: «لا شك في أنها خطوة ضرورية للنهوض بالإقتصاد اللبناني في ظل الأزمة التي نعيشها اليوم، إذ إن لبنان يمتلك الكثير من المؤسسات والقطاعات التي يُمكن أن تُدار بناء على قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص مثل كازينو لبنان، والإتصالات والكهرباء».

ويضيف عازار: «كصناعي، أعرف أهمية القطاع الخاص وإدارته للمرافق العامة، وهناك أمثلة دولية ناصعة، وأنا أُرحب بهذا الأمر، والمثال الأبرز دبي، حيث المشاركة بين القطاعين العام والخاص، وبرأيي صندق النقد الدولي لن يتدخل لمساعدة لبنان إلا عبر تطبيق الإصلاحات، ومنها تطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص».

معاقبة المخالفين للقانون

مالك: لا مسؤولية قانونية على الوزير الذي لا يطبق القوانين بل يخضع لمحاسبة سياسية من قبل مجلس النواب

والسؤال الذي يُطرح هنا، هل يُمكن مقاضاة الوزراء الذين تغاضوا عن تطبيق قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص؟

يُجيب الخبير الدستوري المحامي سعيد مالك لمجلة «إتحاد المصارف العربية» قائلاً: «عندما يصدر قانون عن مجلس النواب، يُصبح على الحكومة إصدار المراسيم التنظيمية والتطبيقية للقانون، ويُفترض متابعة الموضوع مع الحكومة التي ستُشكل،  من أجل تطبيق هذه القوانين التي باتت قابلة للتنفيذ».

ويضيف مالك: «ليس هناك من مسؤولية قانونية على الوزير الذي لا يُطبّق القوانين الصادرة عن مجلس النواب، ومنها قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بقدر ما هي مسؤولية سياسية، إذ يُمكن مساءلة الحكومة ورئيسها من ضمن إطار المساءلة السياسية والدور الرقابي لمجلس النواب، وأن يُطرح الصوت عن مصير القوانين التي أقرها».

باسمة عطوي

تتميّز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بأنّها شراكة طويلة الأمد تهدف إلى تقديم خدمات عامة، وإنشاء البُنى التحتية عن طريق الإستفادة من الكفاءة الإدارية والقدرات التمويلية للقطاع الخاص. وتتميّز هذه الشراكة بأنّها ليست شراكة برأس المال ولا شراكة بالأرباح، بل هي أيضاً شراكة بالمخاطر، بحيث إنّ القطاع العام يُحوّل إلى القطاع الخاص جزءاً من مخاطر المشروع ويحتفظ بأخرى, وهذا ما يُميّز الشراكة عن الخصخصة وعقود الإدارة.

– تهدف الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى تغيير نشاط الحكومة من تشغيل البنية الأساسية والخدمات العامة، إلى التركيز على وضع السياسات لقطاع البنية الأساسية، ووضع أولويات لمشروعات البنية الأساسية، كذلك لمراقبة مقدّمي الخدمات بغية تحسين نوعيّتها ورفع جودتها. كما تهدف هذه الشراكة إلى إدخال الكفاءات الإدارية والقدرات التمويلية لدى القطاع الخاص وإشراكه في تحمل المخاطر.

– الشراكة بين القطاعين تُحقق أيضاً قيمة أفضل مقابل النقود في ما يتعلّق بالإنفاق العام من خلال السعر الأمثل للعميل على أساس التكلفة خلال مدّة العقد. أمّا السعر الإجمالي لمناقصة القطاعين العام والخاص المقدّمة من الشريك، فيجب أن يكون أقل من التكلفة التي تتحمّلها الحكومة لو قامت بتوفير مستوى الخدمة نفسه، متضمّنة التكاليف الإضافية للمخاطر التي يُمكن للحكومة أن تواجهها.

– الشراكة بين القطاعين العام والخاص تهدف إلى تفادي تراجع الأصول والمنشآت الضرورية للقطاع العام، نتيجة الصيانة غير الفعّالة أو التّشغيل السيء للأصول، وإدخال الإبتكارات على تصميم المشروع بالنسبة إلى هذه الأصول.