العقوبات الأميركية تزداد على شخصيات لبنانية

Download

العقوبات الأميركية تزداد على شخصيات لبنانية

مقابلات
العدد 481- كانون الأول/ديسمبر 2020

العقوبات الأميركية تزداد على شخصيات لبنانية

فكيف تؤثر على عمل المصارف؟

ليس تفصيلاً، أن تكون شخصيات سياسية لبنانية تحت مجهر وزارة الخزانة الأميركية ومطرقتها المؤلمة، ونعني بذلك العقوبات التي تفرضها الخزانة على هؤلاء الأشخاص وحرمانهم (مع مقربين منهم) من القيام بعمليات مصرفية في الولايات المتحدة الأميركية والدول الموقعة لإتفاقيات تعاون معها.

هذه العقوبات طالت العديد من الشخصيات والمؤسسات التي تتبع لأحزاب في لبنان (حزب الله تحديداً) خلال السنوات الماضية، لكنها مؤخراً، باتت تطال شخصيات سياسية من الصف الأول (أي وزراء سابقين ورؤساء أحزاب ونواب)  وفقاً لقانونين شرّعهما مجلس الشيوخ الأميركي الأول، هو «قانون قيصر» لمحاربة الإرهاب «باتريوت آكت» الصادر بعد إعتداءات سبتمبر/أيلول 2001، والثاني هو «قانون ماغنيتسكي» المختص بمعاقبة الفاسدين ومنتهكي حقوق الانسان، وهذان القانونان هما الذراع الطويلة التي يُمكن للولايات المتحدة أن تُعاقب عبره مَن هو خارج الإقليم الوطني.

بالإضافة إلى التبعات السياسية لقرارات العقوبات، فإن ما يعني مجلة «إتحاد المصارف العربية»، هو البحث في تأثير هذه العقوبات (التي تُفرض على أفراد) على المصارف اللبنانية ودورة عملها في ظل التحديات العديدة التي يعيشها القطاع المصرفي في لبنان، لأن تطبيق هذه العقوبات يعني كل القطاع المصرفي اللبناني، كون الدولار هو عملة عالمية تتداول بها المصارف، وهي ملزمة بتنفيذ القوانين الأجنبية، لأنه المصارف المراسلة التي تتعامل معها وتُحوّل أموالاً عبرها تمتثل أيضاً للقوانين الأميركية.

إذاً، تُشبه العقوبات الأميركية، لعبة الشطرنج التي تهدف إلى هدم كل أسس وبنيان منتهكي قانوني «قيصر» و«ماغنيتسكي»، وما يُساعدها على ذلك تصميم النظام الإقتصادي العالمي الذي يجعل الولايات المتحدة تمتلك عقوبات ذات قوة مميّزة، لا يُمكن لأية دولة في العالم إمتلاك مثيل لها، لذلك يصبح  السؤال مشروعاً: هل يُمكن أن تطال هذه التأثيرات المصارف اللبنانية؟

مسؤوليات المصارف

د. صفير: المصارف ملزمة  تطبيق العقوبات  تحت طائلة القانون الأميركي الذي يُمكنه مقاضاتها

يُجيب الخبير في القانون الدولي الدكتور أنطوان صفير على سؤال مجلة «إتحاد المصارف العربية»، قائلاً: «إن العقوبات التي تفرضها وزارة الخزانة الأميركية على شخصيات لبنان، سواء أكانت في القطاع العام أو القطاع الخاص أو على مؤسسات أو شركات أو منظمات، فهذا يعني أن الشخص المعاقب سواء أكان شخصاً طبيعياً أو معنوياً، أصبح حكماً خارج  النظام المصرفي والمالي، بإعتبار أن المصارف في لبنان وفي الخارج، تُصبح ملزمة إقفال حسابات هذا الشخص إقفالاً تاماً ونهائياً، وفي بعض الأحيان، تُقفل حسابات عائلته والمقرّبين منه، كي لا يكون هناك تلازم في الموضوع».

ويشرح د. صفير «إن المصارف تقوم بهذه الخطوة، لأن أي شخص أصبح تحت طائلة العقوبات لديه حسابات دائنة أو مدينة، ويستعمل النظام المصرفي من خلال تحويلات «سويفت»، أو توطين أو دفع عبر البطاقات الإئتمانية Credit Card، فهذا يُحمّل المصرف مسؤولية، ويُعاقب من قبل وزارة الخزانة الأميركية، وفي بعض الأحيان ُيعاقب إما بغرامات كبيرة على المصارف، كما  حصل في سويسرا منذ سنوات عدة، أو عبر منع المصرف المعني من التعامل بالدولار الاميركي، وبالتالي يُصبح خارج النظام المالي العالمي».

ويُضيف د. صفير: «إن إقفال الحسابات ليست بالأمر السهل أو البسيط، لأن هناك أشخاصاً ربما لديهم علاقات طويلة الأمد مع المصارف ومع النظام المصرفي، وإقفال حساباتهم قد يكون مضراً للمصارف ولهم على حد سواء»، مشيراً إلى «أن الأمر يجب أن يؤخذ من ناحية، أن موجباً إستندت إليه وزارة الخزانة الأميركية لفرض عقوباتها، وهذا الموجب لا يمكن لأحد أن يرفضه، وإلاّ سيُصبح ملاحقاً أو تحت طائلة العقوبات».

في المقابل يلفت د. صفير إلى «أن لا تأثير مباشر لهذه العقوبات على الإقتصاد اللبناني، طالما أن الموضوع لا يزال ضمن إطار معين، ولكن عندما تزيد لوائح  العقوبات، وعندما يكون هناك العشرات وربما المئات من رجال الأعمال والمصرفيين والسياسيين، فهذا يعني أن هناك مئات الحسابات ستُقفل، ما سيتبعها من خسارة للزبائن والتحويلات التي يُمكن أن يستفيد منها المصرف، كما أن الأشخاص الذين تطالهم العقوبات هم ملزمون بالعودة إلى التعامل مع العمليات التقليدية للبيع والشراء، مما يُفقدهم أسواقاً».

ويختم د. صفير: «إن المصارف ملزمة تطبيق هذه العقوبات، وإقفال جميع الحسابات التابعة لهؤلاء الأشخاص المعاقبين، وبالتالي تبقى هذه المصارف تحت طائلة القانون الأميركي الذي يُمكنه مقاضاتها، لأنها سهّلت عمليات تخرق القانون عبر تسهيلها الأعمال المصرفية للأشخاص الذين تطالهم العقوبات، وهنا على المصارف أن تكون في حالة إنتباه كلي وتأكيد على شطب أي شخص معاقب من قبل الخزانة الأميركية بشكل كلي».

 زيادة ضغوط

د. حبيقة: تأثير العقوبات  على المصارف بزيادة المسؤوليات القانونية

يوافق الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة على كلام د. صفير، ويوضح لمجلة «إتحاد المصارف العربية» أنه «مهما كان السبب وراء فرض عقوبات على مؤسسة أو شخصية معينة سواء أكان سياسياً أو غير سياسي، إلا أنها تبقى في النهاية عقوبات»، لافتاً إلى أن «تأثيرها على الشخص المدان واضح، لجهة عدم تمكنه من التعامل بالعملة الصعبة خارج حدود وطنه، وبالتالي يُصبح مقيّداً، كما أنه يُشكل عاملاً سلبياً على سمعته في الداخل أو الخارج بغض النظر إذا كانت هذه العقوبات مبررة أم لا».

ويضيف د حبيقة: «إن التأثير على المصارف هو من خلال إرباكها وزيادة الضغوط عليها وعرقلة أعمالها، وزيادة المسؤوليات القانونية عليها لجهة تطبيق القوانين اللازمة بحق الشخص المُدان، والأهم أن الدولة التي تضم عدداً كبيراً من المدانين بالعقوبات الدولية هي بالنسبة إلى المجتمع الدولي هي دولة موبوءة، وهذا ما يُؤثر على سمعتها الدولية».

ويشرح د. حبيقة المقصود بـ  «إرباك المصارف»، قائلاً: «إذا فرضنا أن شخصاً ما طالته العقوبات، وضع كل أمواله في مصرف معين، عندها يُمكن أن تطال العقوبات لاحقاً هذا المصرف تحت ذريعة السؤال، لمَ يضع هذا الشخص كل أمواله في هذا المصرف أو في مصارف عدة؟ عندها يُمكن توجيه إصبع الإتهام إلى المصرف عن سبب إختياره لهذا المصرف. وفي حال توزيع هذه الأموال على المصارف، فهذا يعني أن كل القطاع المصرفي يُمكن أن يُصبغ بهذه الصبغة، وهذا ما يُعرّض سمعة المصرف للسؤال، ويُؤثر سلباً على كل القطاع المصرفي، لذلك غالباً ما يُطلب من الشخص الذي يتعرّض لعقوبات أن يُقفل حساباته في المصارف».

تفسير مختلف

د. يشوعي: يمكن للمصارف إكمال تعاملاتها مع المعاقبين إلا إذا شملت العقوبات عدم تعاطي النظام المصرفي معهم

يُقدّم الخبير الإقتصادي الدكتور إيلي يشوعي لمجلة «إتحاد المصارف العربية»، شرحاً مختلفاً حول تأثير العقوبات على الأشخاص والمصارف، ويقول: «هناك أربع جهات دولية تفرض عقوبات على أشخاص وجهات حزبية وأحزاب أو دول، وهي وزارة الخزانة الأميركية، والأمم المتحدة، والإتحاد الاوروبي، وبريطانيا، وهذه الجهات تُعاقب الأشخاص أو المؤسسات المستهدفين، لأنهم برأيها، إرتكبوا جرائم ضد الإنسانية، وضد حقوق الإنسان، وهذه الجرائم تم تحديدها بتجارة المخدّرات، وتمويل الإرهاب وتبييض الأموال، وإستعمال الأسلحة البيولوجية الممنوعة والسطو على المال العام».

يضيف د. يشوعي: «هذه العقوبات لا تُحاكم الأشخاص، ولا يُمكن إحالة الشخص المستهدف أو المؤسسة المستهدفة أمام محكمة جنائية دولية كجرائم الحرب، والإبادات الجماعية، ولا سجن ولا تغريم مالي، أو مصادرة أموالهم داخل دولهم، لأن مصادرة المال داخل الدولة هو من إختصاص القضاء الداخلي، والعقوبات تطال أرصدتهم المالية خارج بلدهم، وخصوصاً في البلد الذي فرض العقوبات والبلدان التي يرتبط معها بإتفاقيات، فضلاً عن عزل هذا الشخص عن كل ما يتعلق بالتبادل التجاري مع الدولة المُعاقبة  ومقاطعته مقاطعة نهائية، ومنعه من زيارة بلدانه».

ويعطي د. يشوعي مثلاً أنه «في لبنان تمّت معاقبة مصرف «الجمّال»، لأنه يُسهّل حسابات لشخصيات تتعامل مع «حزب الله»، وتُموّل الإرهاب، والعقوبات لا تمس الأرصدة الداخلية، بل القضاء اللبناني يُمكنه وضع يده على هذه الأرصدة وفقاً للقوانين اللبنانية، والمصارف يُمكنها أن تُكمل تعاملاتها المصرفية معهم، إلا إذا شملت العقوبات عدم تعاطي النظام المصرفي مع الأشخاص الذين طالتهم العقوبات».

باسمة عطوي

  • فور صدور العقوبات تقوم المصارف التي يتعامل معها الشخص، الذي طالته العقوبات بإقفال هذه الحسابات العائدة للشخص المدرج، وتطلب إليه سحب الوديعة، وتمتنع عن التعامل معه، وتحاذر من التعامل مع المقرّبين منه والدائرين في فلكه وأفراد عائلته، وتُراقب عملياتهم المصرفية عن كثب، حتى لا يستفيد منها الشخص المدان، كما أن موجوداته في الخارج عرضة للحجز والتجميد لصالح مكتب الخزانة الاميركية.
  •  العقارات  وسائر الأموال المنقولة غير المالية، تبقى بمنأى عن هذه العقوبات، ما لم تتخذ السلطات المحلية إجراءات إحترازية على هذه الأموال، كما أن الأشخاص المدرجين على قائمة العقوبات، تُلغى تأشيراتهم إلى الولايات المتحدة الأميركية وتصبح لاغية حكماً.