العملات الافتراضية على مفترق طرق بعد الجائحة .. هل تنجح في مقارعة الأصول الآمنة؟

Download

العملات الافتراضية على مفترق طرق بعد الجائحة .. هل تنجح في مقارعة الأصول الآمنة؟

International News
(الإقتصادية)-01/07/2020

في زمن جائحة كورونا تراجع النمو الاقتصادي، وسيطر عدم الاستقرار وتقلبات الأسعار على سوق الأسهم، وخسرت شركات الطيران المليارات، وتعرضت السياحة لأوضاع مأساوية غير مسبوقة، وضخت الحكومات حزما من المساعدات المالية بتريليونات الدولارات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وارتفع سعر الذهب، ولجأت البنوك المركزية إلى تكديسه تحسبا للمستقبل.
في ظل تلك الأوضاع الاقتصادية الصعبة غير المألوفة، بدت العملات الافتراضية التي كانت محور الحديث والنقاش قبل الجائحة، وكأنها اختفت من المشهد، وغابت عن الحوار، وبات السؤال مطروحا لماذا لم يهرب المستثمرون إلى الأصول البديلة مثل العملات الافتراضية خلال الجائحة؟
هل كشف تفشي وباء كورونا حقيقية أوضاع تلك العملات، وأن الأسواق لا تثق بها كأصول استثمارية بديلة، أم أن الأمر بخلاف ذلك، إذ إن كورونا وأزمته كشفا تماما أنه لم يعد أمام بيئة النظام المالي العالمي غير أن يسير أكثر وأكثر في اتجاه تعزيز البيئة المالية الرقمية، ومن ثم فإن العملات الرقمية ستكون سيدة المشهد والنجم الساطع في سماء العملات.
لا تزال الأسواق والمهتمون بعالم العملات الافتراضية يناقشون قضيتين في آن، الأولى تتعلق بتقييم أداء العملات الافتراضية خلال الأزمة، والأخرى تنصب على الدروس المستفادة ومستقبل هذا النوع من العملات.
يقول لـ”الاقتصادية” ستيورت كريج الخبير المصرفي في مجموعة لويدز المصرفية، “فقدت سيدة العملات الافتراضية بيتكوين نحو 40 في المائة من قيمتها في يوم واحد خلال آذار (مارس)، وعلى الرغم من أنها استردت بعضا من عافيتها في صباح اليوم التالي، إلا أن ذلك كشف وجهة نظره للأسواق، وأنها لن تتعامل مع العملات الافتراضية بوصفها ملاذا من الملاذات الآمنة”.
تنبع أهمية هذا التقييم وفي الحقيقية خطورته على مستقبل العملات الافتراضية، حيث إنه ينفي واحدة من أبرز وأهم الصفات المالية التي يسعى أنصار هذا النوع من العملات إلى الترويج لها. فقبل أزمة كورنا جادل مؤيدو العملات الافتراضية بأن عملاتهم ستكون حجر الزاوية للنظام المالي خلال الأزمات الاقتصادية الضخمة، وبرروا ذلك بأنها عملات غير مرتبطة بالأسواق التقليدية مثل أسواق الأسهم والسندات، ومن هذا المنطلق نظروا إليها باعتبارها ملاذا آمنا ضد التقلبات العنيفة للأسواق مثل الموجودة حاليا، لكن وفقا لوجهة نظر الخبير المصرفي ستيوارت كريج هذا لم يتحقق.
بالنسبة إلى خصوم العملات الافتراضية تبدو جائحة كورونا فرصة ذهبية، للبرهنة على صدق تقييماتهم السلبية تجاهها، ورفضهم النظر إليها على أنها شكل من أشكال “الذهب الرقمي” في مواجهة “الذهب الحقيقي” بوصفه أبرز مخزونا موثوقا به للقيمة، وبوصلة تأمين حقيقية ضد الانكماش الاقتصادي. ففيروس كورونا والأزمة الاقتصادية أثبتا أن الاعتقاد برسوخ أقدام العملات الافتراضية ما هو إلا زيف محض.
وعبر براين أرمسترونج الرئيس التنفيذي لبورصة كوينبيس الشهيرة في الولايات المتحدة في تغريدة له عن الألم الذي يشعر به عديد من أنصار العملات الافتراضية، بالقول “من المدهش أننا نشهد انخفاضا في سعر بيتكوين في هذه البيئة، كنا نتوقع العكس”. والمثير حقا أن تلك التغريدة نشرت قبل أيام معدودات من المذبحة التي تعرضت لها “بيتكوين” في 12 آذار (مارس) الماضي عندما خسرت 40 في المائة من قيمتها.
بالطبع يدافع أنصار العملات الافتراضية عن عملاتهم وأدائها خلال أزمة كورونا، حيث يعتقدون أن هناك كثيرا من التجني بشأن تقييم أدائها، وأن ما جرى من هزة عنيفة لبيتكوين أبرز العملات الافتراضية في آذار (مارس) الماضي، والخسائر التي منيت بها، ليس حالة فريدة وإنما مشابه لما تعرضت له عديد من الأصول الآمنة في أوقات مختلفة من أشهر أزمة كورونا، إذ فقد الذهب في بعض مراحل تفشي وباء كورونا 10 في المائة من قيمته لكنه استعاد عافيته مجددا.
من جهته، يقول لـ”الاقتصادية” لارسن دين المحلل المالي في بورصة لندن والخبير في العملات الافتراضية، “لا يمكن إنكار أن صناديق التحوط التي تستثمر في العملات الافتراضية خسرت في آذار (مارس) نحو 26 في المائة وهي ثاني أسوأ خسارة شهرية لها منذ عام 2015، لكن منذ ذلك الحين ارتفعت أسعار العملات الافتراضية وتحديدا بيتكوين بقوة، وارتفعت أرباح صناديق التحوط التي تستثمر في تلك العملات بأكثر من 13 في المائة منذ بداية العام، وبذلك تتفوق بقوة على صناديق التحوط الأخرى التي لا تستثمر في العملات الافتراضية، التي منيت بخسائر بلغت في المتوسط 7 في المائة”.
تكشف وجهات النظر والتقييمات المختلفة بين خصوم العملات الافتراضية وأنصارها أن الأزمة الناجمة عن كورونا لم تحسم الموقف، وأن الجدل سيستمر بشأن مستقبل العملات الافتراضية وتحديدا الأداء المتوقع لها في مرحلة ما بعد انتهاء جائحة كورونا.
الدكتورة كيرا ماك جورج الاستشارية في بانتيرا كابيتال أحد صناديق التحوط التي تضارب في العملات الافتراضية، ترى أن الاتجاه العام بشأن الاستثمار في هذا النوع من العملات سيكون إيجابيا في مرحلة ما بعد الجائحة.
وتؤكد لـ”الاقتصادية” أن أحد أبرز ملامح المرحلة الاقتصادية المقبلة ضخ البنوك المركزية عديدا من التريليونات في الأسواق عبر ميزانياتها العمومية، وإذا تواكب هذا الوضع مع عدم انخفاض في قيمة الأصول التقليدية، فإن السيولة الجديدة المتاحة في الأسواق ستبحث عن قنوات استثمارية جديدة مثل العملات الافتراضية.
وتضيف، “في الواقع سلوك الحكومات الاقتصادي في مرحلة ما بعد كورونا، سيكون له التأثير الأكبر في علاقة المستثمرين بالعملات الافتراضية، وليس تأثير الأزمة الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا نفسها”.
لا يزال رد فعل العملات الافتراضية وتحديدا بيتكوين التي تعطينا مؤشرا على الاتجاه العام لتلك العملات فاترا تجاه حزم التحفيز الكمي التريليونية التي طرحتها الاقتصادات الكبرى خاصة الاقتصاد الأمريكي، فسعر بيتكوين يتجاوز قليلا سبعة آلاف دولار للعملة الوحدة، إلا أن الخبراء في مجال العملات الافتراضية يدعون مع ذلك إلى التريث، حتى تبدأ ميكانيزمات السوق في استيعاب حزم المساعدات المالية، وتفعيلها وحينها يمكن ان نشهد تغيرات في أسعار العملات الافتراضية.
لا توجد إجابة واضحة قاطعة حول مستقبل العملات الافتراضية بعد جائحة كورونا، هذا ما يعتقده هاردي كين الاستشاري المالي المستقل.
ويقول لـ”الاقتصادية”، “الأفق مفتوح لجميع الاحتمالات، فإحدى نقاط الضعف الرئيسة في العملات الافتراضية هو الارتفاع والانخفاض العنيف الذي تتعرض له في تقلباتها، إذ يمكن أن تنخفض في يوم واحد بعدة آلاف من الدولارات، لتعاود الارتفاع في صباح اليوم الثاني وتعوض خسائرها محققه مزيدا من الأرباح، هذا بالطبع يوجد حالة من عدم الارتياح بين المتعاملين بها، ويجعل العملات الافتراضية عملات نخبوية تهتم بها فئة محدودة من المختصين على غرار المضاربات المحدودة التي يقوم بها بعض المضاربين بشأن المعادن الأرضية النادرة مقابل المضاربة على الذهب والاستثمار فيه وهو سلوك اقتصادي يمارسه مليارات من البشر”.
في المقابل يشير هاردي كين إلى أن تطورات ما بعد كورونا والأوضاع الاقتصادية المستجدة يمكن أن تعززا الطلب على العملات الافتراضية وتحديدا بيتكوين.
ويؤكد، أن أحد الدروس الرئيسة بالنسبة إلى المستثمرين خلال جائحة كورونا يتمثل في ضرورة تنويع المحافظ الاستثمارية بشكل فعال لتفادي الإصابة بخسائر ضخمة من التركيز على أصل استثماري واحد.
ويضيف، “هنا يمكن أن يزداد الطلب على العملات الافتراضية، فأسعار الفائدة ستظل منخفضة لعدد من الأعوام المقبلة، والتذبذب السعري في أسعار العملات الافتراضية خاصة إذا أخذت في الصعود سيكون جذابا جدا للاستثمار، إذ يمكن الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة، والاستثمار في العملات الافتراضية وبيعها عند ارتفاع أسعارها، وستساعد التطبيقات الحديثة على تسهيل تبادل العملات الافتراضية وتبسيط وخفض تكلفة التبادل على أساس يومي، وهذا يعني أنه خلال العقد المقبل سيصل مستخدمي العملات الافتراضية إلى نحو مليار شخص مقارنة بالتقديرات الراهنة البالغة 50 مليون شخص”.