العودة إلى الأساسيات.. ما هي أسباب التضخُّم ومَن يتحكم فيه؟

Download

العودة إلى الأساسيات.. ما هي أسباب التضخُّم ومَن يتحكم فيه؟

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 500 - تموز/يوليو 2022

العودة إلى الأساسيات ما هي أسباب التضخُّم ومَن يتحكم فيه؟

الدكتورة سهى معاد

نُلقي الضوء على حجم التضخم المتزايد في العالم، من ثم نعرض أساسيات التضخم بما في ذلك أنواع التضخم، وأسبابه، ومقاييسه، وتأثيره، وكيفية والسيطرة عليه، والتحوّط من التضخم، منوهين بالعلاقة بين التضخم والركود. ونختم بدعوة المصارف والسلطات الحكومية في الدول العربية إلى مواجهة التحدّي من خلال العودة إلى الأسباب الأساسية للتضخم من أجل حلّ المشكلة من جذورها.

إرتفاع التضخم في العالم

وفقاً للإحصاءات العالمية في العام 2022، إرتفعت معدّلات التضخم في الولايات المتحدة وحول العالم إلى أعلى مستوياتها منذ أوائل الثمانينيات في القرن الماضي، رغم عدم وجود سبب واحد لهذا الإرتفاع السريع في الأسعار العالمية، فقد كانت هناك سلسلة من الأحداث التي عملت معاً لتحريكها. وقد أدت جائحة كورونا في مطلع العام 2020 إلى الإغلاق وغيرها من التدابير التقييدية التي عطّلت بشكل كبير سلاسل التوريد العالمية، بدءاً من إغلاق المصانع إلى الإختناقات في الموانئ البحرية. في الوقت نفسه، أصدرت الحكومات حزم تحفيز وزيادة الإعانات لمواجهة البطالة والمساعدة في تخفيف آثار الضرر على الأفراد والشركات الصغيرة جرّاء الإجراءات لمواجهة جائحة كورونا. مع إنتشار لقاحات «الكوفيد-19» وإنتعاش الإقتصاد بسرعة، تزايد الطلب على السلع والخدمات مدفوعاً جزئياً بأموال التحفيز وأسعار الفائدة المنخفضة.

كما وأدى الغزو الروسي لأوكرانيا في أوائل العام 2022 إلى سلسلة من العقوبات الإقتصادية والقيود التجارية على روسيا، مما حد من إمدادات العالم من النفط والغاز، علماً أن روسيا من أكبر الدول المنتجة للوقود. وإرتفعت أسعار المواد الغذائية بسبب تعذُّر تصدير محاصيل الحبوب الكبيرة في أوكرانيا. إن إرتفاع أسعار الوقود والغذاء، أدى أيضاً إلى زيادة تعطل سلاسل القيمة، إضافة إلى الضرر الناجم إثر جائحة كورونا.

تشير إحصاءات مركز بيو للأبحاث، المستندة إلى بيانات من منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية OECD حول التضخم في 37 دولة من أصل 38 دولة عضو في منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية، وسبع دول أخرى ذات أهمية إقتصادية، إلى ان أسعار المستهلك إرتفعت بشكل كبير في كل هذه الدول منذ فترة ما قبل الجائحة، حيث بلغ متوسط ​​معدل التضخم السنوي في الربع الأول من العام 2022 ضعف العامين السابقين على الأقل في هذه الدول. في 16 دولة، بلغ التضخم في الربع الأول من العام 2022 أكثر من أربعة أضعاف ما قبل عامين.

من بين هذه الدول، سجلت تركيا أعلى معدل تضخم في الربع الأول من العام 2022 بلغ 54.8%. وقد شهدت تركيا إرتفاعاً في معدلات التضخم لسنوات عدة، لكن معدل التضخم إرتفع بشكل حاد في أواخر العام 2021 مما دفع الحكومة إلى وضع سياسات إقتصادية مثل خفض أسعار الفائدة بدلاً من زيادتها.

الدولة التي نما فيها التضخم بشكل سريع خلال العامين الماضيين هي إسرائيل. كان معدّل التضخم السنوي في إسرائيل أقل من 2.0% كل ربع سنة مطلع العام 2012 حتى منتصف العام 2021. وبلغ معدل التضخم في الربع الأول من العام 2020 0.13%. لكن بعد ركود معتدل نسبياً، بدأ مؤشر أسعار المستهلك في إسرائيل يرتفع بسرعة حيث بلغ متوسطه 3.36% في الربع الأول من العام 2022، أي أكثر من 25 ضعف معدل التضخم في الفترة عينها من العام 2020.

إلى جانب إسرائيل، هناك دول أخرى شهدت زيادات كبيرة جداً في التضخم بين عامي 2020 و2022 ومنها إيطاليا، التي شهدت زيادة بنحو عشرين ضعفاً في الربع الأول من العام 2022 مقارنةً بالعامين السابقين (من 0.29% إلى 5.67%).

بلغ متوسط ​​التضخم السنوي في الولايات المتحدة الأميركية في الربع الأول من العام 2022 ما يقارب 8.0%، وهو أعلى معدل من بين الـ 44 دولة. بلغ معدل التضخم في الربع الأول من العام 2022 في الولايات المتحدة أربعة أضعاف مستواه في الربع الأول من العام 2020.

وبغض النظر عن المستوى المطلق للتضخم في كل دولة، فقد شهدت معظم البلدان مستويات تضخم منخفضة نسبياً قبل فترة وباء «كوفيد-19» في الربع الأول من العام 2020. نظراً إلى أن العديد من الحكومات قلّصت بشكل حاد معظم الانشطة الإقتصادية، فقد بدأت معدلات التضخم ترتفع من منتصف إلى أواخر العام 2021، مما دفع العالم للعودة إلى نشاط العمل الطبيعي.

لكن هناك إستثناءات لهذا النمط العام. في روسيا، على سبيل المثال، إرتفعت معدلات التضخم بشكل مطرد طوال فترة الوباء، قبل أن ترتفع عقب الغزو لأوكرانيا. في إندونيسيا، إنخفض التضخم خلال فترة الوباء وظل عند مستويات منخفضة. واصلت اليابان صراعها المستمر منذ سنوات مع معدلات تضخم منخفضة للغاية. في المملكة العربية السعودية إرتفع معدل التضخم خلال فترة الوباء لكنه إنخفض بشكل حاد في أواخر العام 2021.

أنواع التضخم

التضخم هو إنخفاض القوة الشرائية لعملة معينة بمرور الوقت. إن الإرتفاع في الأسعار، والذي يتم تقديره غالبًا كنسبة مئوية، يعني أن وحدة العملة تشتري فعلياً أقل مما كانت عليه في الفترات السابقة.

هناك أنواع مختلفة من التضخم كالآتي:

التضخم من زيادة الطلب Demand-Pull Inflation

يحدث التضخم من زيادة الطلب عندما يتزايد الطلب الإجمالي على السلع والخدمات في الإقتصاد بزيادة أسرع من القدرة الإنتاجية للإقتصاد.

مع توافر المزيد من الأموال للأفراد، تؤدي معنويات المستهلك الإيجابية إلى زيادة الإنفاق والطلب على السلع مما يؤدي إلى إرتفاع الأسعار. وبذلك يخلق فجوة بين العرض والطلب مع إرتفاع الطلب وقلة مرونة العرض لتلبية الطلب، مما يؤدي إلى إرتفاع الأسعار.

التضخم من إرتفاع التكلفة Cost-Push Inflation

إن التضخم من إرتفاع التكلفة هو نتيجة الزيادة في أسعار الإنتاج، ولا سيما عندما يكون ذلك مصحوباً بصدمة إقتصادية سلبية لتوريد السلع الأساسية، حيث ترتفع تكاليف جميع أنواع السلع التي تُستخدم في الإنتاج intermediate goods.

يؤدي إرتفاع تكاليف المنتج النهائي أو الخدمة إلى ارتفاع أسعار السلع المستهلكة. على سبيل المثال، عندما يؤدي زيادة عرض النقود إلى ارتفاع في أسعار النفط، يُمكن أن ترتفع تكلفة الطاقة لجميع أنواع الإستخدامات مما يُساهم في إرتفاع أسعار السلع المستهلكة، وينعكس ذلك على إرتفاع في مختلف مقاييس التضخم.

التضخم الداخلي Built-In Inflation

يرتبط التضخم الداخلي بالتوقعات المتكيفة وفق الأحداث adaptive expectations. العديد من الأفراد يتوقعون إستمرار معدّلات التضخم الحالية في المستقبل. مع إرتفاع أسعار السلع والخدمات، يتوقع العمال والكثير من الناس أن تستمر الأسعار في الإرتفاع في المستقبل بمعدل مماثل. نتيجة لذلك، يُطالب العمال بمزيد من الأجور للحفاظ على مستوى معيشتهم. ويؤدي تزايد الأجور إلى إرتفاع تكلفة السلع والخدمات، وتستمر دوامة إرتفاع أسعار الأجور مما يزيد من حجم التضخم.

أسباب التضخم

تُعتبر الزيادة في المعروض من النقود السبب الرئيسي وراء التضخم، رغم أن التضخم يُمكن أن يحدث من خلال آليات مختلفة في الإقتصاد. يُمكن للسلطة النقدية أن تزيد المعروض النقدي في بلدها من خلال:

  • طباعة المزيد من الأموال وتوزيعها على المواطنين.

  • تخفيض قيمة النقد.
  • شراء السندات الحكومية من البنوك في السوق الثانوية.

في كل من هذه الحالات المذكورة أعلاه، ينتهي الأمر بفقدان القوة الشرائية للنقد. ويرى علماء الإقتصاد أن التضخم هو عدم توازن بين إجمالي الطلب والعرض الكلي للسلع والخدمات. لذلك، إذا تجاوز إجمالي الطلب عن العرض الكلي، فإن الأسعار تستمر في الإرتفاع.

تشمل الأسباب المختلفة للتضخم التالي:

  • الأسباب الأساسية: في الإقتصاد، عندما يتجاوز الطلب على سلعة عن العرض لها، يؤدي الطلب الزائد إلى رفع سعر السلعة.

  • زيادة الإنفاق العام: في أي إقتصاد حديث، يًعتبر الإنفاق الحكومي عنصراً مهماً من إجمالي الإنفاق. كما أنه يزيد من الطلب الكلي للسلع والخدمات.
  • تمويل العجز للإنفاق الحكومي: هناك أوقات يزداد فيها إنفاق الحكومة بما يتجاوز ما يُمكن أن تموله الضرائب. لذلك، من أجل تحمل النفقات الإضافية، تلجأ الحكومة إلى تمويل العجز بتطبع المزيد من المال وإنفاقه. وهذا بدوره يزيد من حدة التضخم.
  • زيادة سرعة التداول: في الإقتصاد، إن إجمالي إستخدام النقود هو عرض النقود من قبل الحكومة مضروباً بسرعة تداول الأموال. عندما يمرُّ الإقتصاد بمرحلة إزدهار، يميل الناس إلى إنفاق الأموال بمعدّل أسرع مما يزيد من سرعة تداول الأموال.
  • النمو السكاني: إن نمو السكان يؤدي إلى زيادة الطلب الكلي في السوق. ويؤدي الطلب المفرط لعدد السكان المرتفع إلى التضخم.
  • الإحتكار: المحتكرون هم أشخاص أو كيانات يقومون بتخزين السلع ولا يطلقونها في السوق، مما يؤدي الى فائض طلب تم إنشاؤه بشكل مصطنع في الإقتصاد، وذلك يؤدي أيضا إلى التضخم.
  • النقص الحقيقي: من الممكن أن يكون الطلب على وسائل الإنتاج أقل من العرض في أوقات معينة، وذلك يؤثر على الإنتاج، مما يؤدي إلى زيادة الأسعار والتضخم.
  • الصادرات: في الإقتصاد، يجب أن يلبي إجمالي الإنتاج إحتياجات الطلب المحلي كذلك الطلب الخارجي. إذا فشل إجمالي الانتاج في تلبية هذه المطالب، يتم اللجوء إلى الإستيراد مما يخلق تضخماً في الإقتصاد المحلي.
  • النقابات العمالية: تعمل النقابات العمالية لصالح الموظفين. مع إرتفاع الأسعار، تطالب هذه النقابات بزيادة أجور العمال. يؤدي ذلك بشكل دائم إلى زيادة تكلفة الإنتاج مما يؤدي بدوره إلى زيادة في الأسعار.
  • تخفيض الضرائب: في بعض الأحيان، تقوم الحكومات بتخفيض الضرائب لإكتساب الشعبية، مما يؤدي إلى المزيد من الأموال في أيدي الناس. ومع ذلك، إذا لم يزداد معدل الإنتاج بمعدل مماثل، فإن الفائض النقدي في متناول اليد يؤدي إلى التضخم.
  • فرض الضرائب غير المباشرة: الضرائب هي المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومة. في بعض الأحيان، تفرض الحكومات ضرائب غير مباشرة مثل ضريبة الإنتاج وضريبة القيمة المضافة على الشركات. نظراً إلى أن هذه الضرائب غير المباشرة تزيد التكلفة الإجمالية للمصنعين والبائعين، فإنها تزيد من سعر المنتج لكي يحافظ المنتجون على مستوى أرباحهم.
  • إرتفاع الأسعار في الأسواق الدولية: تتطلب بعض المنتجات إستيراد سلع أو وسائل إنتاج من الأسواق الدولية الخارجية. إذا رفعت هذه الأسواق الخارجية أسعار السلع المستوردة أو أسعار وسائل الإنتاج المستوردة، فإن تكلفة الإنتاج الإجمالية تزداد أيضاً. ذلك يؤدي إلى التضخم في السوق المحلية.
  • أسباب غير اقتصادية: هناك العديد من العوامل غير الإقتصادية التي يُمكن أن تُسبّب في تضخم الإقتصاد. على سبيل المثال، في حال حدوث كوارث طبيعية مثل الفيضانات وخلال الحروب، تتدمر المحاصيل. وهذا يُقلل من المعروض من المنتجات الزراعية مما يؤدي إلى إرتفاع أسعار السلع. لذلك يُعتبر الإستثمار في الذهب والعقارات والأسهم وصناديق الإستثمار المشتركة والأصول الأخرى إحدى الطرق لمواجهة مع التضخم.

مقاييس التضخم

هناك مقاييس عدة لمعدل التضخم. من أهم هذه المقاييس مؤشر أسعار المستهلك (Consumer Price Index CPI)، الذي يقيس أسعار سلة من السلع والخدمات في الإقتصاد، بما في ذلك الطعام ووسائل النقل كالسيارات والتعليم والترفيه.

هناك أيضاً مقياس آخر للتضخم هو مؤشر أسعار المنتج (Producer Price Index PPI)، الذي يوضح تغيّرات الأسعار التي تؤثر على المنتجين المحليين، ويعتمد على قياس أسعار الوقود والمنتجات الزراعية (اللحوم والحبوب) والمنتجات الكيماوية والمعادن، إذا إرتفع مؤشر أسعار المنتج مما ينعكس ذلك على مؤشر أسعار المستهلك.

في ما يلي عرض موجز لمؤشرات الأسعار المختلفة المستخدمة في قياس التضخم:

مؤشر أسعار المستهلك (CPI Consumer Price Index)

مؤشر أسعار المستهلك هو مقياس يفحص المتوسط ​​المرجح لأسعار سلة من السلع والخدمات التي هي من إحتياجات المستهلك الأساسية. وهي تشمل النقل والغذاء والرعاية الطبية. يتم حساب مؤشر أسعار المستهلك بأخذ تغيّرات الأسعار لكل عنصر في سلة السلع المحددة مسبقاً وإحتساب متوسطها بناءً على وزنها النسبي في السلة بأكملها. الأسعار المعتمدة هي أسعار البيع بالتجزئة retail prices لكل عنصر من عناصر سلة السلع، كما هو معروض للشراء من قبل المواطنين الأفراد.

مؤشر أسعار الجملة (Wholesale Price Index WPI)

يُعدُّ مؤشر أسعار الجملة (WPI) مقياساً شائعاً آخر للتضخم، وهو يقيس ويتتبع التغيّرات في أسعار السلع في المراحل التي تسبق مستوى البيع بالتجزئة. بينما تختلف عناصر مؤشر أسعار الجملة (WPI) من بلد إلى آخر، إلا أنّها تتضمّن في الغالب عناصر على مستوى المنتج أو البيع بالجملة. على سبيل المثال، يشمل أسعار القطن: القطن الخام، والغزل القطني، والسلع القطنية، والملابس القطنية.

مؤشر أسعار المنتج (Producer Price Index PPI)

مؤشر أسعار المنتج هو مجموعة من المؤشرات التي تقيس متوسط ​​التغير في أسعار البيع التي يعتمدها المنتجون المحليون للسلع والخدمات الوسيطة بمرور الوقت. يقيس مؤشر أسعار المنتج تغيّرات الأسعار من منظور البائع ويختلف عن مؤشر أسعار المستهلك الذي يقيس تغيّرات الأسعار من منظور المشتري.

بشكل عام، يُمثل كل من هذه المؤشرات متوسط ​​تغيّر السعر المرجح لمكونات معينة والتي قد تنطبق على مستوى الإقتصاد أو القطاع أو السلع الأساسية.

صيغة قياس معدل التضخم

يُمكن إستخدام مؤشرات الأسعار لحساب نسبة التضخم بين شهرين أو عامين معينين. في حين أن الكثير من حاسبات التضخم متوافرة على مختلف البوابات المالية والمواقع الإلكترونية، من المفيد معرفة المنهجية الأساسية لضمان الدقة مع الفهم الواضح للحسابات المعتمدة.

بإستخدام علم الرياضيات، يتم قياس معدل التضخم كالتالي:

نسبة للتضخم = (القيمة النهائية لمؤشر أسعار المستهلك / القيمة الأولية لمؤشر أسعار المستهلك) × 100

Inflation Rate = (Final CPI Index Value/Initial CPI Value)

آثار التضخم

في حين أن المستهلكين لا يستفيدون كثيراً من التضخم، يُمكن للمستثمرين الإستفادة من التضخم إذا كانوا يمتلكون أصولًا في الأسواق المتأثرة بالتضخم.

تجني بعض الشركات ثمار التضخم، إذا كان بإمكانها فرض رسوم أعلى على منتجاتها نتيجة لزيادة الطلب على سلعها. على سبيل المثال، إذا كان أداء الإقتصاد جيداً، وكان الطلب على الإسكان مرتفعاً، فيُمكن لشركات بناء المنازل فرض أسعار أعلى لبيع المنازل.

بعبارة أخرى، يُمكن للتضخم أن يزوّد الشركات بقوة تسعير ويزيد هوامش ربحها. إذا إرتفعت هوامش الربح، فهذا يعني أن الأسعار التي تفرضها الشركات على منتجاتها تزداد بمعدّل أسرع من الزيادات في تكاليف الإنتاج.

أيضاً، يُمكن لأصحاب الأعمال حجب الإمدادات عن السوق عمداً (الإحتكار)، مما يدفع الأسعار بالإرتفاع إلى مستويات عالية. الا أنه، يُمكن للشركات أيضاً أن تتضرّر من التضخم إذا كان نتيجة إرتفاع تكاليف الإنتاج.

غالباً ما يؤدي التضخم إلى المضاربة من قبل الشركات في المشاريع المحفوفة بالمخاطر، ومن قبل الأفراد الذين يستثمرون في أسهم الشركات، حيث يتوقعون عوائد أفضل بسبب التضخم. غالباً ما يتم رفع مستوى التضخم لتشجيع الإنفاق إلى حد معين بدلاً من الإدخار. إذا إنخفضت القوة الشرائية للنقود بمرور الوقت، فقد يكون هناك حافز أكبر للإنفاق الآن بدلاً من الإدخار والإنفاق لاحقاً. وبذلك يزيد الإنفاق، ممّا يُعزّز الأنشطة الإقتصادية في البلاد.

إن إتباع النهج المتوازن balanced approach يحافظ على قيمة التضخم في النطاق الأمثل والمطلوب.

إن الأشخاص الذين يمتلكون أصولاً مقومة بعملتهم المحلية، مثل النقد أو السندات، لا يحبُّون التضخم، لأنه يؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية لممتلكاتهم. وعليه، يجب على المستثمرين الذين يتطلّعون إلى حماية محافظهم من التضخم أن يستحوذوا على فئات الأصول المحوطة ضد التضخم، مثل الذهب والسلع وصناديق الإستثمار العقاري (Real Estate Investment Trusts REITs). تُعتبر السندات المرتبطة بمؤشر التضخم (Inflation-indexed bonds) خياراً شائعاً آخر للمستثمرين للإستفادة من التضخم.

يُمكن أن تفرض معدلات التضخم المرتفعة والمتغيرة تكاليف كبيرة على الإقتصاد. يجب على الشركات والعاملين والمستهلكين مراعاة آثار إرتفاع الأسعار بشكل عام في قرارات الشراء والبيع والتخطيط، مما يخلق مصدراً إضافياً لعدم اليقين في الإقتصاد، لأنه قد يتم تخمين معدل التضخُّم بشكل خاطئ في المستقبل.

من المتوقع أن يؤدي زيادة الوقت والموارد التي يتم إنفاقها على البحث والتقدير وتعديل السلوك الإقتصادي إلى إرتفاع المستوى العام للأسعار.

حتى معدل التضخم المنخفض والمستقر والذي يُمكن التنبؤ به بسهولة، والذي يعتبره البعض هو الأفضل، قد يؤدي إلى مشاكل خطيرة في الإقتصاد، بسبب كيفية ووقت ومكان دخول الأموال الجديدة في الإقتصاد. عندما تدخل الأموال والإئتمان الجديد إلى الإقتصاد، تصل دائماً الى أيدي أفراد معينين أو شركات تجارية، وتجري عملية تعديل مستوى السعر لعائدات المعروض النقدي الجديد حيث ينفقون الأموال الجديدة ويتم تداولها من يد إلى أخرى ومن حساب لحساب خلال دورة الإقتصاد.

السيطرة على التضخم

إن المنظم المالي للدولة هو الكيان المهم المسؤول عن السيطرة على التضخم. يتم التحكم في التضخم من خلال تنفيذ تدابير السياسة النقدية، ويشمل ذلك إجراءات البنك المركزي أو اللجان الأخرى التي تُحدد حجم ومعدل نمو المعروض للنقد.

في الولايات المتحدة، تتضمّن أهداف السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي للولايات المتحدة) معدّلات فائدة معتدلة طويلة الأجل، وإستقرار الأسعار، وزيادة اليد العاملة إلى أقصى حد، ويساعد كل من هذه الأهداف إلى تعزيز بيئة مالية مستقرة. إن الإحتياطي الفيدرالي يسعى إلى الحفاظ على معدل تضخم ثابت طويل الأجل، والذي يُعتقد أنه مفيد للإقتصاد.

يسمح إستقرار الأسعار، أو مستوى التضخم الثابت نسبياً، للشركات بالتخطيط للمستقبل، لأنها تعرف ما يُمكن توقعه. يتمثل دور البنوك المركزية في وضع السياسات النقدية التي يُمكن أن تعزّز الحدّ الأقصى من فرص العمل وتحافظ على إستقرار الأسعار.

التحوط ضد التضخم

تعتبر الأسهم أفضل وسيلة للتحوط ضد التضخم، حيث أن ارتفاع أسعار الأسهم يعكس آثار التضخم.

توجد أدوات مالية خاصة يُمكن للفرد إستخدامها لحماية الإستثمارات من التضخم. وهي تشمل أوراق الخزانة المالية المحمية ضد التضخم (Treasury Inflation-Protected Securities TIPS)، وأوراق الخزانة منخفضة المخاطر المرتبة وفق حجم التضخم (low-risk treasury security that is indexed to inflation) حيث يتم زيادة المبلغ الأساسي للإستثمار بنسبة التضخم.

أثار التضخم على الفقراء

يُمكن أن يكون التضخم المرتفع أو الذي لا يُمكن التنبؤ به والذي لا تتفوق عليه مكاسب الأجور صعباً بشكل خاص على الفقراء.

تُنفق الأسر الفقيرة جزءاً أكبر من ميزانياتها على الضروريات مثل الطعام والسكن وخصوصاً الغاز، والذي غالباً ما يُساهم في إرتفاع التضخم. أما الأسر الغنية التي لم تواكب أجورها نسبة ارتفاع التضخم، فقد تضطر إلى تقليص الإنفاق على الكماليات مثل الإجازات أو تناول الطعام خارج المنزل. إن الأسرة الفقيرة تضطر إلى تقليص الضروريات مثل الطعام جرّاء إرتفاع التضخم.

العلاقة بين التضخم والركود الاقتصادي

لا يتوقع الخبراء حدوث ركود إقتصادي في العام 2022، لكنهم يوصون المستثمرين بتحويط محافظهم من مخاطر التضخم في الوقت الحالي.

إن النمو الإقتصادي مرتبط بإرتفاع أسعار الفائدة، لأن مديري الصناديق يستخدمون عادة نماذج التدفقات النقدية المخصومة لتحديد حجم الإستثمارات التنموية.

تُجبر معدلات التضخم المستثمرين على تحويل تركيزهم من السياسات النقدية إلى مقاييس التقييم الأساسية.

كما يتوقع الخبراء الماليون إستمرار تقلّب الأسعار في العالم، وينبغي إعتماد تدابير سياسية للسيطرة على التضخم.

توصيات للمصارف العربية

بالعودة إلى الأساسيات وراء إرتفاع معدّلات التضخم العالمية، و بناءً على توقعات الخبراء المستقبلية لإستمرار إرتفاع التضخم وتقلّب الأسعار، نُوصي المصارف والسلطات العربية بمعالجة مشكلة التضخم وحلّها من جذورها الأساسية وذلك من خلال:

  • وضع إطار سياسة نقدية مرنة: يجب على البنوك المركزية في الدول العربية أن تتبنى إطاراً مرناً للسياسة النقدية يُمكن أن يساعد في خفض التضخم تدريجاً بمرور الوقت وتقليل تأثيره الضار.
  • إبتكار أدوات التحوط المالية: يجب على المصارف العربية بما في ذلك البنوك الإسلامية تطوير أدوات مالية للتحوط من التضخم.
  • إعتماد الذكاء الإصطناعي لتطوير أدوات مراقبة التضخم ودعم القرار: يجب على البنوك المركزية والمؤسسات المالية والمصارف العربية، كذلك شركات التكنولوجيا المالية أن تُطور أدوات وتقنيات الذكاء الإصطناعي لمراقبة التضخم والسيطرة عليه والتحوط ضده.
  • تطوير العملات الرقمية للبنك المركزي: يجب أن تتعاون البنوك المركزية في الدول العربية لتطوير عملة رقمية قوية للبنك المركزي، يُمكن أن تساعد في الحفاظ على معدّلات تضخم مستقرة.