العولمة أقوى.. بعد عام الأزمة

Download

العولمة أقوى.. بعد عام الأزمة

Article
(القبس)-02/04/2021

*سليمة لبال

على الرغم من تداعيات وباء كورونا، ما تزال دول العالم متصلة ببعضها وأكثر ارتباطاً من أي وقت مضى، لكن يبدو وفق تقرير لصحيفة لوفيغارو أن العمل عن بُعد والأتمتة سيعززان المنافسة التي يتوقع أن تكون أشرس خلال السنوات المقبلة.

وتساءلت لوفيغارو عما إذا كان وباء كورونا سيحفّز ظهور أشكال جديدة من التعاون الدولي غير التي نعرفها اليوم، في وقت ما يزال فيه ثلث عدد طائرات الأسطول التجاري العالمي، التي يبلغ مجموعها 23 ألف طائرة، مرابطاً في الأرض.

وأوضحت الصحيفة أن صناعة السياحة عانت من عام كارثي في أعقاب إلغاء %75 من الرحلات الدولية، بينما أعلنت منظمة التجارة العالمية تراجع حجم المبادلات التجارية في 2020 بنسبة %9.2، وأما تحويلات العاملين المهاجرين فقد تراجعت هي الأخرى بنسبة %20، أي انخفضت بمقدار 100 مليار دولار وفق البنك الدولي.

الانهيار لم يحصل

في خضم أزمة وباء كورونا في مايو 2020، أشارت لوفيغارو إلى أن الأسبوعية البريطانية ذي إيكونوميست دعت إلى توديع العولمة والقلق بشأن النظام الذي سيعوضها، على الرغم من أن كورونا ليست الضربة الأولى التي استهدفت العولمة، فقد سبقتها أحداث 11 سبتمبر وأزمة الركود الكبير في 2009 والحرب التجارية الأميركية الصينية منذ 2017. فرغم كل تلك الأحداث لم يتوقف التبادل الحر عن إثبات قوته اعتباراً من نهاية الإمبراطورية السوفيتية في 1990 وبروز الصين، لكنه بدأ يتباطأ قبل الوباء، ومع إغلاق الحدود وتوقف شبه كامل للسفر الجوي، تأثر شريان النظام التجاري العالمي.

وتوقعت منظمة التجارة العالمية في ربيع 2020 الأسوأ مع تراجع المبادلات التجارية من %13 إلى %20، لكن التوقعات المؤقتة أشارت إلى أن التراجع كان بنسبة %9.2.

في المقابل، قاومت سلاسل التوريد الدولية التي تسمح بإنتاج سيارة تتكون من 10 آلاف قطعة تصنع في خمس قارات مثلها مثل منتجات أبل. ويقول سيباستيان جان، مدير مركز الدراسات والمعلومات الدولية المستقبلية: «ليس علينا أن نقلل من قدرة الشركات التي تمكنت من استخلاص العبر في 2009، من خلال تنويع قائمة مورديها بهدف مقاومة اضطرابات السوق».

وبيّن جان بيرسون، رئيس مجموعة «دي أتش إل»، أمام منتدى دافوس، أن وباء كورونا أبرز أن الترابط العالمي ليس مشكلة، ولكنه حل يستفيد منه العالم كله، إذ ساهمت آلاف الطائرات في نقل الكمامات الصينية وتوزيع اللقاحات، وأما فيما يتعلق بالترابط الافتراضي فقد زادت وتيرته بنسبة %50 في 2020 مع نجاح التجارة الإلكترونية ومنصات ترفيه مثل نتفليكس. كما شكلت المبادلات العالمية للبيانات والأفكار النظام العصبي للعولمة والداعم الأساسي لتدفق البضائع ولرؤوس الأموال والعمل.

صعود ثلاثة ابتكارات

تدخل الأزمة الصحية في السياق الجيوسياسي للصراع الصيني الأميركي، الذي يبدو أنه امتد إلى أوروبا، فهل سيؤدي ذلك إلى انطواء كل قارة على نفسها، وتقليص سلاسل التوريد العالمية في شكل من أشكال الاحتياطات مثلما وصفها المدير العام السابق لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي؟

في الواقع انطلقت المناطقية فعلا مثلما أوضح الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون آسيا هوبير تاستار في كتابه الذي صدر في مارس الماضي تحت عنوان «الوباء: العالم يتغير»، إذ كتب «المبادلات داخل الاتحاد الأوروبي تمثل %64 من التجارة الخارجية للاتحاد الأوروبي، غير أن هذا الاندماج لا يتقدم أكثر منذ 1990، بينما سجلت آسيا ارتفاعا مستمرا للمبادلات التجارية بين المناطق، والتي ارتفعت من 48 الى %57 من تجارتها الخارجية بين 1990 و2018».

وحتى الصين تعتزم التركيز على سوقها المحلي بالتزامن مع ارتفاع دخل المستهلكين الصينيين، إذ لا تمثل الصادرات سوى %23.4 من الناتج المحلي الصيني في 2019، مقابل %36.5 في 2009.

ويرى تاستار أن صدمة الوباء تتزامن مع صعود قوة ثلاثة ابتكارات تسمح بإعادة تأسيس السلاسل ذات القيمة، وهي رقمنة عمليات الانتاج واستخدام الروبوتات والطباعة ثلاثية الأبعاد، فيما وصف ريتشارد بالدوين الأستاذ في معهد الدراسات العليا والتنمية في جنيف بأن العمل عن بعد أصبح منافسا شرسا للعمال المهاجرين، ففي المستقبل يمكن لمغربي في الرباط أن يوفر خدمة تنظيف عن طريق الروبوتات في باريس من دون أن ينتقل شخصيا.:

مراقبة الأتمتة

كانت بيانات وضع سوق العمل في القارات الخمس مروعة في عام 2020، إذ أكدت منظمة العمل الدولية تراجع ساعات العمل بنسبة %8.8، أي ما يعادل فقدان 255 مليون وظيفة. وأما منظمة أوكسفام غير الحكومية فحذرت من معاناة مئات الآلاف من البشر من الفقر خلال السنوات العشر المقبلة، وعبرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جيورجيفا عن خشيتها من اختفاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وظهور استحواذات واندماجات جديدة.

ويربط ديرون أسيموغلو الأستاذ في معهد ماساشوستس في بوسطن توقف هوة الفوارق الاجتماعية بكبح الأتمتة، لأن الشركات حين تتخذ قرارا بتعويض العمال بالموظفين لا تأخذ بعين الاعتبار بالاضطرابات الاجتماعية التي تنجم عن فقدان العمل.

ومن دون الرجوع إلى الاكتشافات العلمية والجغرافية العظيمة لعصر النهضة، كانت الثورات التقنية والصناعية المتتالية مع استثناءات نادرة جدا، على مدى 150 عاما تسير جنبا إلى جنب مع تزايد عولمة المبادلات، لذلك لا يبدو أن العالم سيفرط في ارتباطه ولا في شبكات الاتصال الواقعية والافتراضية التي تعززت بمرور الوقت.