الفرنسيون يُوفرون حوالي 130 مليار يورو على مدى عام

Download

الفرنسيون يُوفرون حوالي 130 مليار يورو على مدى عام

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 484 -آذار/مارس 2021

الفرنسيون يُوفرون حوالي 130 مليار يورو على مدى عام من «كوفيد -19»

ماذا لو تم الإفراج عن هذا المبلغ وتنشيط الإستهلاك؟

من إغلاق كلي إلى إغلاق جزئي، حظر تجول، محلات ومطاعم أحياناً مغلقة، وإذا فتحت تعمل على الطلبية، رحلات وسفريات تم إلغاؤها، فنادق أغلقت أبوابها وعادات إستهلاكية كثيرة تعطلت.

والنتيجة، فإن عدم القدرة على الإستهلاك كما لو كانت الأمور طبيعية، جعل الفرنسيين موفرين من الدرجة الأولى، مع فرملة الحركة الشرائية المعتادة، والإكتفاء بالحاجة التي تفرضها الإقامة والعمل من المنزل في غالب الأحيان والشهور. وأحصت الهيئات المختصة حوالي 130 مليار يورو توفير لدى الفرنسيين عن العام 2020 بحسب بنك فرنسا المركزي.

إنطلاقاً من هذا الواقع، وأمام الأموال التي ضختها الحكومة الفرنسية لمساندة المؤسسات والمشاريع والأفراد المتضررين من تداعيات كورونا بمئات المليارات، بدأت علامات إستفهام تلوح في السماء الفرنسية مثل: هل من الممكن تمويل مرحلة الإنتعاش الإقتصادي بواسطة هذا التوفير الهائل من الأموال؟ أم هل يجب فرض ضرائب أو أمور مشابهة؟

دعم العجلة الإستهلاكية

في الواقع، هذه ليست المرة الأولى التي يوفر فيها الفرنسيون المال، فالتوفير خيار مصرفي متاح وفي كل عام. إنما الحجم الذي تم توفيره بسبب كورونا فهو غير مسبوق، وتأمل الحكومة الفرنسية في دفع الفرنسيين نحو الشراء والإستهلاك عندما تخرج البلاد من الرعب الذي فرضه الوباء، وبشكل يُعيد للحركة الإقتصادية رونقها، حيث يُعتبر عامل الإستهلاك إلى جانب الإستثمار من أهم المحركات للنمو الفرنسي. لكن ما هي الوصفة السحرية التي تسعى الحكومة الفرنسية لطرحها وترغيب المواطنين بالإفراج عن أموالهم؟

العنصر المهم في الموضوع الذي يُعتبر حجر الزاوية في مستقبل إستمرارية العمل والتوظيف، التحقيق في الغيوم الملبدة في سماء الشركات التي منها من يستفيد من دعم الحكومة حتى الآن، ومنها من لم تكفه المساعدة لكبر حجم الشركة، فإضطرت إلى تسريح الموظفين. من هنا تسعى الحكومة الفرنسية إلى إشراك الناس وإقناعهم إلى جانب حقهم في الإستهلاك، عندما تتحسن الظروف الصحية، في الإستثمار في تمويل الشركات المنتجة للحفاظ على الموظفين، وربما إعادة التوظيف. لكن هذا مشروع يستدعي موافقة الموفرين والبنوك المؤتمنة على هذا التوفير الهائل المضاف على التوفير المعتاد والإستثمار في المشاريع التي تشجعها الحكومة الفرنسية.

هذا من جانب الإستثمار في جزء من هذه الأموال التي وفرها الفرنسيون، وسنعود إليه في هذا النص. وفي الجزء الثاني، يتطلع وزير المال والإقتصاد برينو لومير، إستناداً إلى الطفرة التي حققها الإستهلاك في الفصل الثالث من العام 2020، مع فترة هدوء الوباء، أن يدفع بالعجلة الإستهلاكية شرط أن لا يؤثر ذلك على نشاط الإنتاج. بمعنى أن وزير الإقتصاد يريد تنشيط الإستهلاك بشكل يتماشى مع وتيرة العجلة الإنتاجية الفرنسية كي لا يزيد الطلب بشكل غير منتظم، وأن يُصار إلى زيادة حجم الواردات على حساب الميزان التجاري، وبالتالي الوقوع في عجز للميزان. الحكومة الفرنسية تنوي أيضاً تبسيط قواعد ونظم التحويلات المالية والهبات المالية بين الأجيال مع تخفيف الضريبة عليها بهدف دفع الإقتصاد بعد الجائحة.

مساندة عملية تمويل الشركات الفرنسية

الرهان الآخر، الذي لفتنا إليه سريعاً وفي ما سبق هو دفع الفرنسيين إلى توجيه الأموال التي وفروها بسبب الإغلاق وعدم الإستهلاك كالمعتاد، نحو منتجات إدخار تهدف إلى تمويل المؤسسات النشيطة والمنتجة والتي تلعب دوراً في الإنتعاش وعودة الحياة إلى مجاريها. فبسبب الجائحة الصحية الكونية، الكثير من الشركات في فرنسا وفي العالم أيضاً، تحتاج إلى أموال بين يديها. ومن هذا المنطلق، أصبح من الضروري التفكير في أن يتم تحويل الإدخارات لدى الفرنسيين التي نتحدث عنها إلى أموال صالحة للإستثمار ومنتجة. لكن هل هذا وارد لدى هذه الفئة الكبيرة من المدخرين الفرنسيين؟

هذا النوع من الإستثمار، يرى فيه المدخرون الفرنسيون مخاطر، حيث إنه سبق وإستخدمت أموال تم توفيرها في ظروف مختلفة في تمويل شركات معينة. وبعد فترة من الزمن، جاءت نتائج هذه الشركات ضبابية، الأمر الذي يدفع بالمدخرين بسبب كورونا إلى التفكير مئة مرة قبل زج أموالهم في مشاريع كهذه. فالإدخار الشعبي في المصارف الفرنسية تسيطر عليه صفة الإدخار على المدى القصير، والسيولة تصبح في ما بعد متوافرة للتصرف بها. وهذا النموذج يجعل من الصعب قبول المشاركة في تمويل الشركات.

ويبقى جانب الدولة، وتدخلها في ضمان للمدخر، فإن أمواله المستخدمة في تمويل شركة من الشركات مضمونة بما في ذلك الضمان من أي مخاطر أو أي خسارة محتملة لرأس المال.

وهناك إحتمال آخر، عرفت مثيلاً له فرنسا في الثمانينيات من القرن العشرين، مثل إعلان السلطات أنها تستقطع، بحسب مستوى دخل المودعين، نسبة ضريبة إلزامية من الأموال المدخرة كما حصل في العام 1983 عندما تم إستخدام الأموال لتمويل عجز الضمان الإجتماعي على سبيل المثال.

ضريبة «كوفيد-19»

خطوة كهذه ممكن اللجوء إليها، وتبقى من السيناريوهات المرتقبة في حال فشلت كل المساعي الحكومية لدفع المدخرين في زمن كورونا لإخراج ملياراتهم وتمتيع العجلة الإستهلاكية والإستثمارية بها. البعض من المراقبين يتوقع أن تلجأ الحكومة إلى إجراءات كهذه تُلزم أصحاب الإدخارات الميسورة دفع ضريبة على أموالها المدخرة بعنوان: «ضريبة كورونا» بإعتبار أن هذه الفئة من المودعين هي التي إدخرت أكبر مقدار ممكن من المال الذي كان من الممكن أن تستخدمه في ظروف عادية جداً من دون حجر أو إغلاق.

لكن مسألة فرض ضريبة على الإدخار في فرنسا تلقى دائماً جدلاً بين الأوساط السياسية، حيث إن اليسار الفرنسي من المشجعين على فرض ضريبة على الثروات. وهنا تحديداً ستزداد حدة المطالبة بذلك.

يبقى أنه كلما قررت السلطات فرض ضريبة على المدخرات، سيلجأ المودعون إلى الإدخار أكثر لتعويض الضريبة التي سيدفعونها على أموالهم التي تم توفيرها، والإدخار أكثر يعني إستهلاك أقل، وتالياً المسألة ستظل معقدة. ننتظر ونرى الحلول أين ستستقر؟.

مازن حمود

محلل إقتصادي ومالي/ باريس