المصارف المركزية والإشراف والرقابة على منصات التمويل الجماعي

Download

المصارف المركزية والإشراف والرقابة على منصات التمويل الجماعي

الاخبار والمستجدات
العدد 495 شباط/فبراير 2022

    المصارف المركزية والإشراف والرقابة على

منصات التمويل الجماعي القائمة على الإقراض

 

 

إعداد: د. عادل عبدالله الكيلاني

محاضر في كلية الإقتصاد

 جامعة عمر المختار ـ البيضاء

التمويل الجماعي كان نتيجة للتطور الهائل في تكنولوجيا الإتصالات والمعلومات، والذي إنعكس على تطور كبير في التكنولوجيا المالية التي ساهمت في ظهور وسائل وأدوات تمويل متنوعة ومتعددة وغير تقليدية، والتي منها منصات التمويل الجماعي. وكان لتوظيف منصات التمويل الجماعي لوسائل التكنولوجيا بأدواتها ومنتجاتها، وسيلة للوصول لقاعدة كبيرة من الناس، وذلك بإستخدام وسائل بسيطة مثل الهواتف النقالة وغيرها. كما ساهمت في تغيير مفهوم التمويل وتعبئة المدخرات وطرق وأساليب توجييها، والتي كان من مزاياها تخفيض تكاليف المعاملات والخدمات المقدمة. وكان لمنصات التمويل الجماعي دور كبير في الوصول لأصحاب المشاريع الناشئة والمبادرات الرائدة، والمساهمة في توسيع أعمال الشركات الصغيرة والمتوسطة، وأعطت فرصة للمساهمين والمتبرعين للمساهمة في دعم المشروعات بالإتصال المباشر ووفق مبدأ الند للند.

وأظهر الكثير من الدراسات تطوراً تصاعدياً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين، حيث بدأ التمويل الجماعي كإمتداد للتمويل التقليدي من قبل الأصدقاء والعائلات عبر الإنترنت، وفي فترة وجيزة إكتسب التمويل الجماعي زخماً في عدد من الدول المتقدمة، ثم إنتشر ليشهد إهتماماً متزايداً في الدول النامية، حيث قفز سوق التمويل الجماعي من حجم 1.5 مليار دولار في العام 2011، إلى 11.06 مليار دولار في العام 2013 ، ثم ليصل إلى 41 مليار دولار في العام 2017. هذا ويُقدّر البنك الدولي أن التمويل الجماعي سيصل إلى أكثر من 142 مليار دولار في حلول العام2022 ، تبلغ حصة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منها حوالي 5.5  مليارات دولار.

وأمام هذا التطور الكبير الذي يشهده قطاع التمويل المستند على منصات التمويل الجماعي القائمة على الإقراض، مدفوعاً بالتطور الكبير في قطاع الإتصالات وتقنية المعلومات، ونمو سوق التكنولوجيا المالية، يتطلب الأمر أشراف ورقابة المصارف المركزية بسبب قيامها بتقديم الإئتمان للمستفيدين منه. هذه الورقة لن تتعمّق كثيراً في تفاصيل منصات التمويل الجماعي، بل ستنحصر في محاولة لتحديد كيفية إشراف ورقابة المصارف المركزية على أداء وآلية عمل منصات التمويل الجماعي.

مفهوم منصات التمويل الجماعي

تقوم فكرة التمويل الجماعي على تجميع مبالغ صغيرة من المال من قبل عدد كبير من المستثمرين أو المتبرعين، عبر منصّات الإنترنت أو منصات التواصل الإجتماعي، حيث يُمثل آلية تمويل للمشاريع، تسمح بجمع مبالغ مالية، من عدد من الأشخاص، بحيث يتم التواصل المباشر بين المتبرع والمقترض. يُمثل التمويل الجماعي ظاهرة جديدة تعطي الجمهور (Crowd) الفرصة لتمويل مشاريعهم وأعمالهم عبر منصات إلكترونية ومواقع الإنترنت.

تاريخياً، يعود تاريخ ظهور التمويل الجماعي عندما قام أعضاء فرقة روك في المملكة المتحدة بحملة لجمع أموال لجولة لمّ الشمل من خلال منصة على الإنترنت، علاوة على ذلك، قامت Artist Share بتطوير هذه الفكرة وتنفيذها في العام 2000 لتُصبح أول منصة تمويل جماعي في العصر الحديث. ثم قامت مجموعة من الفنانين بإنشاء موقع إلكتروني لجمع التبرّعات بغرض إنجاز مشاريعهم الفنية، تحول في ما بعد لأدارة تمويلية في مجال الأعمال، ولا سيما بعد الازمة المالية العالمية التي تُعتبر من العوامل الرئيسية التي ساهمت في إنتشار منصات التمويل الجماعي.

أهداف التمويل الجماعي: هناك أهداف عدة للتمويل الجماعي منه:

– توفير التمويل اللازم لمختلف المشاريع والمؤسسات التي عجزت عن توفيره من مصادر أخرى كالمصارف نظراً لمخاطر عدم السداد التي تكتنف مثل هذا النوع من المشاريع.

– يُجسد هذا النوع من التمويل مبادئ المشاركة والتعاون.

– يُمكن التمويل الجماعي الشركات الناشئة من الوصول لأعداد كبيرة من المستثمرين والمتبرعين.

– يُعتبر التمويل الجماعي للشركات المبادرة والناشئة، أكثر سهولة من حيث الإجراءات، مقارنة بطرق التمويل التقليدية.

أنواع التمويل الجماعي هناك أربع أنواع من التمويل الجماعي:

أولاً: المنصات القائمة على التبرّع: ويخدم هذا النوع عادة القضايا الخيرية أو الإجتماعية وفي المقابل، لا يحصل المموّلون على مكافأة أو خدمة مادية كما تفسر كلمة تبرع. هذا النوع يدعم المبادرات أو المشروع عبر المساهمة في شكل هبة، حيث يقوم المموّل بالتبرّع بمبلغ من المال بدافع فعل الخير أو لأسباب إجتماعية، دون توقع الحصول على أرباح أو عوائد.

ثانياً: المنصات القائمة على المكافأة: وهنا يقوم المموّل أو الداعم بتمويل المشروع للحصول على عائد غير مالي، أي يحصل على تعويض رمزي مقابل مساندته للمبادرة أو المشروع، مثل: هدية، شهادة تقدير، أو عينة من السلعة أو الخدمة المنتجة. ويُعتبر هذا النوع وسيلة ممتازة للمبادر لبيع منتجاته مسبقاً.

ثالثاً: المنصات القائمة على إقراض النظراء: وهذا النوع من التمويل هو ما يستدعي الإشراف والرقابة من المصرف المركزي ، حيث تمنح مجموعة من المستثمرين قروضاً لشركات ناشئة أو صغيرة الحجم لبداية نشاطها أو لتوسيع أعمالها، مقابل الحصول على دخل دوري في شكل فوائد، إلى جانب إسترداد رأس المال المستثمر أو المقرض. وتعمل هذه المنصة كقناة تمويل منافسة لقنوات التمويل التقليدية من خلال المصارف والمؤسسات المالية الأخرى.

رابعاً: المنصات القائمة على المساهمة: وفي هذا النوع من التمويل يحصل المستثمرين أو المموّلين على تعويض في شكل حصة من رأس المال في المشروع. ويُمكن التمويل الجماعي القائمة على المساهمة الممول من الحصول على تعويض في شكل عدد من أسهم المشروع المؤسس، ودخل ناتج عن توزيع الأرباح المحققة.

إذاً، من خلال ماسبق نلاحظ أن النوع الأول والثاني يدخل من باب التمويل التبرّعي والخيري الإجتماعي، فإن النوعين الثالث والرابع يُعتبران وسيلة إستثمارية بالدرجة الأولى. أما النوعان الثالث والرابع فيخضعان لإشراف المصرف المركزي وهيئة سوق الأوراق المالية، حتى لا توظف توظيفاً لا يخدم الإقتصاد الوطني ويُعرّض المستثمرين للمخاطر. لكن في العموم جميع أنواع منصات التمويل الجماعي، يجب أن تخضع لأشراف الدولة خوفاً من إستغلالها إستغلالاً سيئاً من قبل المنظمات الإرهابية وغسيل الأموال.