المصارف المركزية ومدى الإستفادة من تقنية دفتر الأستاذ الموزع

Download

المصارف المركزية ومدى الإستفادة من تقنية دفتر الأستاذ الموزع

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 486 - أيار/مايو 2021

المصارف المركزية ومدى الإستفادة من تقنية دفتر الأستاذ الموزع

وسلسلة الكتل (Block-Chain)

 

 

 

 

إعداد الدكتور: عادل عبدالله الكيلاني

المحاضر في كلية الإقتصاد، جامعة عمر المختار

كان للتطور التكنولوجي في السنوات الأخيرة وخصوصاً في ما يتعلق بتكنولوجيا الإتصالات والتواصل تأثير كبير على مختلف القطاعات الاقتصادية، وكان القطاع المالي والمصرفي أحد القطاعات التي تأثرت بشكل كبير بهذا التطور، كما دخلت أساليب وتقنيات جديدة للتمويل وتقديم الخدمات المالية والمصرفية لم تكن معروفة في السنوات الماضية، إضافة إلى دخول لاعبين جدد لساحة العمل المالي والمصرفي شكَّل تحدياً كبيراً للقطاع المصرفي، وتحدياً أكبر أمام المصارف المركزية للقيام بدورها كمؤسسات، هدفها إدارة السياسة النقدية والحفاظ على الإستقرار المالي والنقدي.

ومن ضمن التقنيات التي أصبحت تشكل تحدياً كبيراً للمصارف المركزية هي تقنية البلوك تشين (Block Chain) أو ما يُعرف بـ (سلسلة الكتل) ، ودفتر الحساب الموزع Distributed Ledger Technology (DLT) والعملات الرقميةDigetel Currence . ظهور هذه التقنيات خلال العقد الماضي وتطورها عبر الزمن فرض على المصارف المركزية حول العالم أن تتعامل معها، وأن تستفيد من الإمكانات التي توفرها، لما يخدم مصالحها ويُعزز من دورها في الرقابة والإشراف والحفاظ على الإستقرار المالي والنقدي.

وفي هذا الخصوص، بدأت العديد من المصارف المركزية التعامل مع تقنية البلوك تشين، ودفتر الأستاذ الموزع (DLT) (ولو بشيء من الخجل)، وإتخذت بعض المصارف المركزية مثل بنك إنكلترا، وهونغ كونغ، والبرازيل، ومؤسسة النقد السعودي، وبنك الإمارات المركزي …. الخ، خطوات عملية في هذا الإتجاه.

ورغم ما تتمتع به هذه التكنولوجيا من مزايا ومخاطر، إلا أنها إجتاحت القطاع المالي والمصرفي، لِما قدمته من خدمات ومعاملات مالية ومصرفية حديثة ومبتكرة، كان لها إنعكاس كبير في تخفيض تكلفة المعاملات وسرعة تنفيذها.

سنحاول في هذه الورقة أن نتعرف على مكونات التكنولوجيا المالية، وكيف يُمكن للمصارف المركزية الإستفادة من إمكاناتها الكبيرة لتعزيز دورها في الاشراف والرقابة وإدارة السياسة النقدية بكل كفاءة وفاعلية ، وسيكون تركيزنا في هذه الورقة على موقف المصارف المركزية من تقنية البلوك تشين ودفتر الحساب الموزع، وسنتناول العملات الإفتراضية في ورقة مستقلة. 

ماهي تقنية البلوك تشين؟

لعل السؤال الذي يتبادر لدى البعض، هو ماهي تقنية البلوك تشين أو سلسلة الكتل؟ وكيف ظهرت؟ وممَّ تتكون هذه التقنية؟

 وللإجابة على هذه التساؤلات، علينا أن نعرض مراحل تطور هذه التكنولوجيا عبر العقود الماضية. فقد شهِد العقدان الماضيان نمواً سريعاً وملحوظاً  لتقنية  blockchain (سلسلة الكتل)  والتي مرت بثلاث مراحل، كانت البداية بالمرحلة الأولى، والتي بدأت مع ظهور عملة الـ Bitcoin والتي تُعرف بالجيل الأول (blockchain 1.0) إلى المرحلة الثانية أو ما يُعرف بالجيل الثاني Ethereum (Blockchain2.0)،  وصولاً إلى ما يُعرف اليوم الجيل الثالث (الجيل: Blockchain 3.0)  أو ما يُعرف بالحوسبة السحابية. خلال هذه الرحلة، تطورت هذه التكنولوجيا من مجرد قاعدة بيانات إلى منصة حوسبة سحابية كاملة وموزعة عالمياً.

تاريخياً، تعود جذور تقنية blockchain إلى العام 1998 عندما إقترح المهندس الصيني Wei Dai نظاماً للعملات المشفرة يُسمى «b-money» حيث يُمكن للأفراد تكوين الأموال من خلال حل المعادلات الخوارزمية المعقدة. غير أن إقتراحه غاب عنه العديد من تفاصيل التنفيذ العملي . في العام 2005 حاول عالم الكومبيوتر الشهير الراحل هال فيني، التغلب على الصعوبات التي واجهت Wei Dai  من خلال تقديم مفهوم «أدلة العمل القابلة لإعادة الإستخدام» لإنشاء مفهوم لعملة مشفرة تعمل على خلفية مركزية موثوقة. في العام 2008 كان العالم على موعد بظهور فكرة مبتكرة كانت نتيجة للأزمة الإقتصادية العالمية التي ضربت العالم في العام 2008، وهي التكنولوجيا المعروفة الآن بإسم «blockchain» من قبل شخص مجهول أو مجموعة معروفة بإسم «ساتوشي ناكاموتو». تم وصف هذه التقنية في ورقة بحثية تحت عنوان  «بيتكوين: نظام نقدي إلكتروني يعتمد مبدأ الند للند».

وفقًا لذلك، تم تطوير منصة Bitcoin في العام 2009 إستنادًا إلى تقنية blockchain وعملت كدفتر الأستاذ العام لجميع معاملات العملات المشفرة، وعُرف بالجيل الأول من تقنية Blockchain (Papadoopulos 2020).

في العام 2013 ظهر الجيل الثاني من blockchain  والذي يُعرف بـ الايثيريوم (Ethereum) (Blockchain 2.0 أو Child prodigy Ethereum)، والذي تم تطويرها بواسطة Vitalik Buterin، وهو مبرمج روسي كندي كمنصة حوسبة موزعة مفتوحة المصدر وعامة تعتمد على تكنولوجيا الـ blockchain، ولكن ليس لإستخدامها كعملة إفتراضية فقط، وإنما تستند على العقود الذكية لإلغاء الحاجة إلى طرف ثالث. في حلول العام 2015، تم إطلاق هذا النظام وجذب إنتباه العديد من المطورين والداعمين والمؤسسات المتخصصة.

في الحقيقة، تكمن قوة منصة Ethereum في توسيع نطاق تقنية blockchain من مجرد قاعدة بيانات تدعم العملات المشفرة إلى منصة أكثر عمومية يمكنها تشغيل العديد من التطبيقات اللامركزية في مجالات متنوعة من بينها الخدمات المالية وأي صناعة يمكن أن تستفيد من استخدام العقود الذكية. تعتبر Ethereum ، الآن أكبر منصة وأكثرها شعبية لبناء التطبيقات الموزعة. بلغت القيمة السوقية لإيثريوم أكثر من 100 مليار دولار أمريكي خلال الفترة (2015-2018). (Lannquist 2019)

من هنا يمكن تعريف البلوك تشين (سلسلة الكتل) بأنها «قاعدة بيانات لامركزية مفتوحة المصدر تعتمد على معادلات رياضية وعلم التشفير لتسجيل أي معاملة أو صفقة أو معلومة كالمعاملات النقدية أو نقل البضائع أو معلومات عامة أو حتى الأصوات الإنتخابية». قاعدة البيانات هذه مفتوحة المصدر للجميع لمراقبة تطورها وتوثيق المعلومات الواردة فيها، كما أنها غير قابلة للإختراق وغير قابلة للتعديل بأي حال من الأحوال . متى تمت المعاملة، فإنه لا يُمكن تغييرها أو تعديلها. تتكون قاعدة البيانات من دفتر أستاذ موزع واحد مفتوح المصدر، موزع على جميع المستخدمين، يتم تلقائياً تحديثه عن طريق خوارزميات حوسبية معقدة، يقوم بعملية التحقق من صحة كل المعاملات والمبادلات للمستخدمين بشكل دائم. (النمر 2017).

مجالات إستخدام التكنولوجيا المالية

أحدث ظهور تقنية سلسلة الكتل Blockchain فرصة لتطوير الخدمات المالية والمصرفية التقليدية، حيث تُوفر تقنية سلسلة الكتل فرصاً مختلفة للخدمات المالية التقليدية بما في ذلك (الخير 2020):

– زيادة كفاءة المعاملات المالية من خلال تقليل تكلفتها وجعلها سريعة وآمنة، ويُمكن تتبعها عبر جميع أنحاء العالم.

– ضمان الشفافية والجدارة بالثقة وهما عنصران أساسيان في التعامل المالي.

– دعم وتطوير منصات التجارة الإلكترونية.

– زيادة الشمول المالي من خلال توفيرها بسهولة ورقمنة المعاملات المالية بتكلفة منخفضة نسبياً لمليارات الأشخاص الذين لا يتعاملون مع البنوك في جميع أنحاء العالم وخاصة في البلدان النامية.

– التمويل الجماعي.

-تعزيز الامتثال لمتطلبات قواعد إعرف عميلك، وإجراءات العناية بالعملاء، وتيسير التوافق مع نظم الإستعلام الإئتماني.

أشكال التقنية المالية

لقد فتحت تقنية سلسلة الكتل (البلوك تشين) آفاقاً رحبة لأشكال عديدة من التكنولوجيا التي تعتمد عليها، والتي سنحاول بشكل مختصر التطرق إلى بعض منها:

l تقنية دفتر الحساب الموزع  (distributed ledger technology (DLT): وتهدف هذه التقنية إلى القضاء على فكرة المركزية، حيث لا توجد جهة واحدة أو خادم واحد أو جهاز واحد يتحكم في سلسلة الكتلة، ويكون فيها لمنفذ التطبيق القدرة الأكبر على التحكم بالطريقة التي تنفذ بها العمليات. بحيث يتم تخزين كل معاملة وتفاصيلها في أماكن مختلفة في نفس الوقت مما يجعل إمكانية حدوث هجمات إلكترونية لسرقة محتويات السجلات أمراً صعباً أو شبه مستحيل. (الخير 2020).

l الذكاء الاصطناعي: نموذج تقني له القدرة على تكرار التفكير البشري ، بصورة عامة، حيث يُكسب الذكاء الإصطناعي الآلة صفة «الذكاء» بما يجعلها قادرة على محاكاة قدرات البشر الذهنية.

المنصات الرقمية: وهي عبارة عن نظام يسهل عملية التواصل لمجموعة من الناس لتحقيق أهداف معينة، قد تكون خدمات أو منتجات أو فعاليات، أو خدمات تعليمية، أو خدمات مالية ومصرفية. ومن أبرز الخدمات التي تقدمها المنصات الرقمية ما يعرف بالتمويل الجماعي، والذي يُعد بديلاً عن التمويل التقليدي. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، منصة التمويل الجماعي (Peer-to-Peer)، والتي نشأت في المملكة المتحدة في العام 2005، وإنتشرت في العديد من دول العالم تقريباً. عربياً هناك منصة منافع (Manafa) في السعودية العربية. (البشير 2018).

الحوسبة السحابية: تعتمد هذه التقنية على التخزين على شبكة الإنترنت، حيث يتم تخزين البيانات على خوادم ظاهرية متعددة بدلاً من تخزينها على خادم واحد، ويتم عرضها من شركات كبرى يتم تأجير السعة التخزينية بما يتواءم وحاجة العملاء، وتستمد الحوسبة السحابية أهميتها من سعتها التخزينية للبيانات الضخمة (Big Data).

العملات الرقمية: وهي عملة رقمية مشفرة افتراضية غير ملموسة، تم إنشاؤها بهدف تسهيل عملية الدفع دون وسيط ثالث، وتسوية المدفوعات، وإتمام المعاملات التجارية، ونقل الأموال وتحويلها بسرعة من بلد إلى آخر من دون قيود أو رقابة أو حدود للتحويل. (البشير 2018).

موقف المصارف المركزية من تقنية البلوك تشين

لقد كانت هذه التقنية وإنتشارها، محفزاً للمصارف المركزية حول العالم للإستفادة من إمكاناتها المتعددة والمتنوعة. ووفقًا لتقرير بنك التسويات الدولية (BIS) الصادر في يناير/ كانون الثاني 2019 في بازل بسويسرا، يقوم ما لا يقل عن 40 مصرفاً مركزياً حول العالم حالياً بإجراء سلسلة تجارب وبحوث للعملة الرقمية للمصرف  المركزي (Central Bank Degital Currency) (CBDC). ويُعتبر CBDC تطبيقاً يعتمد بشكل كبير على تقنية blockchain ودفتر الأستاذ الموزع (DLT) ، حيث حاز على إهتمام القطاع المصرفي عموماً والمصارف المركزية على وجه الخصوص، وذلك لقدرة هذا النظام  على تسهيل وتبسيط الخدمات المالية والمصرفية مثل الشمول المالي وكفاءة نُظم المدفوعات، ونظام الدفع التشغيلي والمرونة الإلكترونية. وتبذل المصارف المركزية جهوداً مضنية من البحث والتجارب على تقنية الـ blockchain وDLT، ومحاولة التعرف وإكتشاف الفرص الكبيرة التي يُمكن أن تفتحها هذه التقنية في مجال العمل المصرفي والنقدي وتحسين العمليات.

وتعتبر تقنية دفتر الأستاذ الموزع (DLT) قاعدة بيانات تحتفظ بقائمة متزايدة من السجلات. والـ Blockchain هو مثال على DLT حيث يتم تجميع المعاملات في كتل، يتم تسجيلها بالتسلسل في سلسلة من الكتل. يتم ختم سجلات Blockchain بالطابع الزمني وتخزينها بطريقة مشفرة بترتيب زمني، مما يجعلها غير قابلة للتغيير، ولا يُمكن التلاعب بها، ودفتر الأستاذ والسجلات المضمنة فيه جديرة بالثقة من دون الحاجة إلى سلطة مركزية.

لكي تتم إضافة أي معاملات، يجب على أطراف دفتر الأستاذ تأكيد صحة هذه المعاملة، وتحدث عملية التحقق من خلال عملية معقدة تُسمى الإجماع الذي يُلغي الحاجة إلى طرف ثالث أو وصي. يُمكن لهذا النوع من قواعد البيانات الآمنة أن يحتفظ بمتابعة ملكية أي أصول مادية أو رقمية أو مالية بطريقة الند للند، من دون الحاجة إلى سلطة مركزية. إن الشفافية والأمان والجدارة بالثقة والفعالية من بين مزايا منصات DLT.

في هذا الخصوص، تتخذ المصارف المركزية مواقف متنوعة ومتباينة في ما يتعلق بتطوير blockchain تُراوح من الموقف الأكثر حزماً في كوريا الجنوبية إلى الأكثر ترحيباً في إمارة دبي، والتي تتبنى إستراتيجية لتطوير تقنية البلوك تشين blockchain.

في الآونة الأخيرة، حيث تعمل العديد من البنوك المركزية على التحقق من استخدام تكنولوجيا blockchain  لإختبار ما إذا كانت هذه التكنولوجيا يمكن أن تقدم مزايا لصناعة الخدمات المالية. ونظراً إلى أن هذا الموضوع معقد للغاية ويتطلب الكثير من البحث المكثف والتحليل الشامل للآثار الإيجابية والسلبية الواسعة المحتملة لهذه التكنولوجيا، فإن العديد من البنوك المركزية تشارك في مشاريع مشتركة مع أقرانها وبالتعاون مع الأكاديميين ومراكز الأبحاث، والمجموعات الصناعية وشركات التكنولوجيا المهتمة بتقنية الـ blockchain الرائدة لإكتشاف المزايا والمخاطر المحتملة. في هذا المجال، يتعاون بنك اليابان والمصرف المركزي الأوروبي بدءاً من العام 2016 في مشروع يسمى «Stella»، وهو بحث تم إطلاقه لتقييم إمكانية تطبيق تقنية دفتر الأستاذ الموزع في البنى التحتية للأسواق المالية.

وبالمثل، تتعاون سلطة النقد في سنغافورة (MAS) مع جمعية البنوك في سنغافورة (ABS)، في تطوير مجموعة جديدة من نماذج دفتر الأستاذ الموزع التي تهدف إلى إختبار كيفية إنشاء نسخة رقمية من الدولار السنغافوري للتسوية، من أجل تسوية جميع أشكال المدفوعات بين المصارف. ستكون نماذج البرامج هذه من بين أولى النماذج في العالم التي تطبق نظام المبادلة اللامركزية الآمنة للمدفوعات. تعتمد برامج المبادلة الحالية المستخدمة في المدفوعات بين البنوك على قائمة انتظار دفع واحدة للمشغل للعثور على المدفوعات التعويضية.

من جهة أخرى، إتخذ بنك الإحتياطي في جنوب إفريقيا (SARB) خطوة مماثلة في العام 2018 حيث أطلق برنامجاً سيحاول تجريب إمكانات بلوك تشين في المقاصة والتسوية بين البنوك. ستسمح التجربة لـ SARB والصناعة بتقييم الفوائد والمخاطر المحتملة لـ DLTs بشكل مشترك. في السياق عينه، بدأ بنك إنكلترا متحمساً للتكنولوجيا المالية في العام الماضي إستنادًا إلى blockchain ويرى أن هذه التكنولوجيا فرصة كبيرة لتمكين البنوك المركزية من تعزيز الأمن السيبراني، وتحسين نظام المدفوعات. في مجال العملة الرقمية، تهتم المصارف المركزية أكثر بفكرة العملات الرقمية للمصرف المركزي (CBDC) بدلاً من العملات المشفرة اللامركزية (العملات الخاصة). يمكن أن يجني النوع السابق من التكنولوجيا ثمار جميع التطورات في تقنية blockchain من دون تعريض إدارة السياسة النقدية أو الإستقرار المالي للخطر بشكل كبير.

 في هذا الخصوص، أكد بنك التسويات الدولية أن صانعي السياسات النقدية والمالية لا يمكنهم تجاهل تطور العملات المشفرة، وعليهم أن يقرروا ما إذا كانت هناك حاجة لإصدار عملة رقمية مستقبلاً. يرى البعض من الخبراء الماليين، أن ذلك قد يحدث خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، أو قد يستغرق وقتًا أطول، وفقًا لكينيث روجوف، أستاذ جامعة هارفارد الشهير والمتحصل على جائزة نوبل، والذي أكد أن الحكومات قد تحتاج أولاً إلى إصلاح بعض الإجراءات الأمنية والتنظيمية لتمكين التحول الرقمي.

حالياً، تعمل بعض البنوك المركزية مثل بنك إنكلترا على فهم أفضل للآثار المترتبة على إصدار المصرف المركزي للعملة الرقمية. ويدرس بنك الاحتياطي الهندي الآن ما إذا كان يمكن استخدام العملات الرقمية المدعومة من البنوك المركزية كعملة قانونية، بينما أشار كل من بنك إنجلترا وبنك الشعب الصيني إلى أنهما بعيدان عن إنشاء عملات رقمية. على العكس من ذلك، لا تزال بعض المصارف المركزية مترددة في التحرك نحو العملات الرقمية مثل بنك اليابان، لأنه يرى إصدار عملة رقمية للمصرف  المركزي للجمهور كما لو أن المصرف المركزي يمد الوصول إلى حساباته لأي شخص. بينما تتعامل بعض المصارف المركزية مع فكرة إصدار العملات المشفرة للمصارف المركزية كما هو موضح سابقًا، فإنها أقل إهتماماً وأحيانًا تعارض تماماً فكرة إصدار العملات المشفرة الخاصة. وهذا يفسر سبب إتخاذ عدد من هذه البنوك موقفاً حازماً ضد العملات المشفرة اللامركزية، وحظر تداولها، وحتى أن بعض البنوك المركزية تعتبر العملات المشفرة نشاطًا غير قانوني.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت العديد من  المصارف المركزية للعديد من الدول بخطوات عملية في هذا الإتجاه ، والتي منها مؤسسات إضافية تجري مشاريع بإستخدام blockchain تشمل التكنولوجيا ما يلي:

– يخطط بنك ليتوانيا لإصدار «عملة التجميع الرقمي» لإختبار blockchain في بيئة حقيقية وصغيرة الحجم. سيتم ربطها بقطع نقدية مادية يتم جمعها في خزائن بنك ليتوانيا. يرعى المصرف أيضاً صندوق رمل blockchain يسمى LBChain.

– يقوم بنك تايلاند بإستكشاف عملات البنوك المركزية للمدفوعات بين البنوك وكفاءة إدارة السيولة مع مشروع Inthanon.

– يستكشف المصرف المركزي البرازيلي تقنية المعالجة الرقمية المباشرة (DLT) من أجل نظام طوارئ للمدفوعات بين البنوك ونظام المرونة (Project SALT) بالإضافة إلى منصة تبادل المعلومات اللامركزية (Project PIER).

– يستكشف المصرف المركزي لشرق الكاريبي مدى ملاءمة عملة شرق الكاريبي القائمة على DLT لمتابعة أهداف متعددة مثل دفع النمو الإقتصادي، ومرونة نظام المدفوعات، والشمول المالي.

– يقوم المصرف المركزي الألماني (Deutsche Bundesbank) بإستكشاف DLT لأغراض متعددة بما في ذلك تحسين الكفاءة وتقليل المخاطر في عمليات تسوية الأوراق المالية بين البنوك بإستخدام نموذج BLOCKBASTER الأولي والجهود الأخرى.

– تُجري سلطة النقد في هونغ كونغ أبحاثًا وتجارب حول حالات الإستخدام المتعددة بما في ذلك التمويل التجاري وإدارة الهوية الرقمية وعمليات «اعرف عميلك / مكافحة غسيل الأموال».

– تُجري مؤسسة النقد العربي السعودي مشروع (عابر) Aber مع الإمارات العربية المتحدة لتجربة DLT للمدفوعات والتسويات بين البنوك بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

– يقوم المصرف الإحتياطي لجنوب إفريقيا باستكشاف عملات المصرف المركزي التجاري (CBDC) للدفع المحلي بين البنوك وكفاءة التسوية مع مشروع Khokha.

– يقوم المصرف المركزي السويدي (Sveriges Riksbank) بالتحقيق في «e-krona» المستندة إلى blockchain لتكون بمثابة نموذج بديل للأموال التي يصدرها المصرف المركزي مع إنخفاض الإستخدام النقدي في البلاد. وتجدر الإشارة إلى أن المصرف المركزي السويدي لم يحدد بعد ما إذا كان سيستخدم DLT، إذا طبق ekrona.

ورغم أن المصارف المركزية تُعد من أكثر المؤسسات حذراً وحكمة في العالم، إلا أن المنتدى الإقتصادي العالمي أًصدر تقريراً معتمداً جديداً يشير إلى أن المصارف المركزية وعلى عكس المتوقع، كانت من أوائل المؤسسات التي سعت إلى تطبيق تقنية البلوكشين.

ولعل أنشطة المصرف المركزي التي قد تعتمد على تقنية البوكشين وتكنولوجيا دفتر الأستاذ الموزع  (DLT) ليست معروفة  أو واضحة تماماً بالنسبة إلى الكثيرين. ولذلك، نجد أن هناك العديد من التكهنات السلبية وسوء الفهم الخاطئ حولها.

ما هي المجالات التي يمكن أن توظفها المصارف المركزية من تقنية الحساب الموزع والـ البلوك تشين؟

إنطلاقاً من الدور الدقيق الذي تلعبه المصارف المركزية في الإشراف على السياسة النقدية للدولة، والمحافظة على الإستقرار المالي والإقتصادي للبلاد، فلا بد أن تبذل تلك المصارف المركزية غاية حرصها عند تطبيق أي تكنولوجيا لم تثبت جدارتها أو أداة قد تكون لها آثار سلبية العواقب.

ولكن ذلك الحرص، لا يعني وقوف المصارف المركزية موقف المتفرج، من دون أن يكون لها رأي وموقف واضح من هذه التكنولوجيا. لهذا يسعى العشرات من المصارف المركزية حول العالم من السويد إلى جنوب إفريقيا إلى سنغافورة، لإستكشاف إستخدامات إمكانات تلك التكنولوجيا في حل المشكلات التي تواجه مجال الخدمات المصرفية حالياً، مثل المشاكل المرتبطة كفاءة نظام الدفع والخصوصية والآمان والمرونة، وتحديات الشمول المالي، ولكن بطريقة آمنة ومنظمة ومحكمة في الوقت عينه.

وفي ما يلي أهم الأنشطة والمجالات التي حددتها المصارف المركزية حول العالم للإستفادة من تقنية الحساب الموزع والبلوك تشين  من خلالها: (Lannquist 2019)

– العملة الرقمية للمصرف المركزي بالتجزئة:

  هي عملة رقمية يصدرها المصرف المركزي ليتم تشغيلها وتسويتها بطريقة الند للند اللامركزية أي من دون الحاجة لطرف ثالث. والتي تكون متاحة للبيع ولتعاملات جمهور العملاء، بحيث يمكنهم إستبدالها بعملاتهم المحلية الورقية وإستخدامها على نطاق واسع. ومن المفترض أن تكون تلك العملات الرقمية المركزية مكملة أو بديلة للنظام النقدي المادي، كذلك بديل للودائع المصرفية التقليدية. وبالفعل شرعت المصارف المركزية في العديد من البلدان بتجربتها، بما في ذلك مصارف مثل (شرق الكاريبي، السويد ، جزر البهاما ، كمبوديا).

– العملة الرقمية للمصرف المركزي بالجملة:

 هي أيضاً عملة رقمية يصدرها المصرف المركزي ليتم تشغيلها وتسويتها بطريقة الند للند اللامركزية أي من دون طرف ثالث، إلا أنها ستخصص للبنوك التجارية ودور المقاصة فقط، وذلك لإستخدامها في سوق الجملة بين المصارف. وتُعد المصارف المركزية في كل من (جنوب أفريقيا، كندا، اليابان، تايلاند، السعودية، سنغافورة) من أبرز المصارف المركزية التي تهتم بهذه الخدمة.

– تسوية الأوراق المالية بين المصارف:

 الذي يمثل نظام مقاصة وتسوية يعمل وفقاً لتطبيق يُركز على العملات الرقمية القائمة على تقنية البلوك تشين، بما في ذلك العملة الرقمية للمصرف المركزي سواء بالتجزئة أو بالجملة.

ويهدف هذا التطبيق إلى تطوير أنظمة التسليم مقابل الدفع بين المصارف مما يتيح المقاصة السريعة بين المصارف والتسوية اللحظية للأوراق المالية بالنقد. حيث يتبادل الطرفان الأصل مقابل النقود آنياً لحظة تنفيذ العملية. لقد شرعت بالفعل بعض المصارف المركزية بإسكتشاف كفاءة هذا النظام وعلى رأسها (بنك اليابان، وهيئة النقد بسنغافورة، وبنك إنكلترا، وبنك كندا).

– مرونة نظام الدفع والطوارئ وإستمرارية العمل:

من المفترض أن يُوفر إستخدام دفتر الأستاذ الموزع DLT في نظام الدفع والتسوية المحلي الأساسي أو الإحتياطيات بين المصارف الأمان، ويضمن كذلك إستمرارية الأعمال في ظل  تهديدات الأعطال الفنية أو تعثر الشبكات، والكوارث الطبيعية، والجرائم الإلكترونية وغيرها من التهديدات. وغالباً ما يقترن إستخدام وتنفيذ طريقة دفتر الاستاذ الموزع بالأطراف ذات الصلة، والذي يُعد من أهم فوائد إستخدام دفتر الأستاذ الموزع. ومن المصارف التي تبحث على فوائد هذه التقنية هي (المصرف المركزي البرازيلي ، المصارف المركزية لشرق الكاريبي) .

– إصدار وإدارة السندات:

إن استخدام دفتر الأستاذ الموزع خلال المزادات الحكومية للسندات أو خلال عملية إصدار السندات أو غيرها من العمليات اللازمة على مدار عمر السندات يؤدي لخفض التكاليف وزيادة الكفاءة. حيث يمكن تطبيق هذا الاستخدام لإدارة السندات التي تصدرها وتديرها دول ذات سيادة أو منظمات دولية أو جهات حكومية. ويتمثل دور البنوك المركزية أو الجهات التنظيمية الحكومية في هذه الحالة لمجرد “نقاط مراقبة” تراقب نزاهة العمليات عند الاقتضاء. ويعد البنك الدولي أول من أصدر سنداً قائماً على تكنولوجيا البلوكتشين في أغسطس/ آب 2018، وأطلق عليه إسم  .bond-i

– نظام إعرف عميلك ونظام مكافحة غسيل الأموال الرقميين:

 يستفيد نظاما إعرف عميلك ومكافحة غسيل الأمول الرقمي، من توظيف تكنولوجيا دفتر الأستاذ الموزع DLT لتتبع ومشاركة هوية العميل ومعلومات الدفع بشكل مبسط ويسير، حيث إنه من الممكن ربط هذا الحل الرقمي بقاعدة بيانات الهوية الوطنية الرقمية أو بتوصيله بأنظمة إعرف عميلك ومكافحة غسيل الأمول القائمة. كما أنه يُمكن إقترانه بالعملات الرقمية للمصارف المركزية كجزء من عملية المدفوعات ولتتبع النشاط المالي. وهذا ما تبحث فيه هيئة النقد في هونغ كونغ حالياً.

– أنظمة تبادل المعلومات والبيانات:

 يُمكن إستخدام قواعد البيانات الموزعة أو اللامركزية لإنشاء أنظمة بديلة لتبادل المعلومات والبيانات داخل أو بين مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص ذات الصلة ويبحث المصرف المركزي البرازيلي في كفاءة هذه الطريقة أيضاً إلى جانب بحثه في الطرق الأخرى التي سبقت الإشارة إليها.

– التمويل التجاري:

أطلقت هيئة النقد في هونغ كونغ العام الماضي، منصة للتمويل التجاري تعتمد على قاعدة بيانات وتشغيل لامركزيين، كتجربة رائدة تهدف لتمويل تجاري أسرع وأكثر كفاءة وأوسع شمولاً، حيث تتم مشاركة معلومات العملاء وتاريخ المعاملات بين المشاركين في قاعدة بيانات لامركزية، تُعرض فقط للأطراف المعنية مع الحفاظ على الخصوصية والسرية. ومن المفترض أن تحسن تلك المنصة من عمليات التمويل التجاري الحالية والتي غالباً ما تتطلب عملاً مكثفًا ووقتاً مطولاً وقائمة طويلة من الأوراق.

– سلسلة إمداد النقدية

 ومن جانب آخر، يبحث المصرف المركزي الكاريبي الشرقي في إمكانية إستخدام دفتر الأستاذ الموزع DLT لإصدار وتتبع وإدارة تسليم وحركة النقدية من مرافق الإنتاج مروراً بالمصرف المركزي وصولاً إلى فروع المصرف التجارية، وذلك لتسهيل وتحسين كفاءة عملية طلب الأموال أو إيداعها أو نقلها، كذلك لتبسيط عملية رفع التقارير الرقابية.

– توفير محدد لدرجة الإئتمان   SEPA للعميل:

تتيح المشاركة اللامركزية الموحدة والقائمة على تقنية البلوك تشين، تعريف محددات إئتمان منطقة الدفع الأوروبية الموحدة (SEPA)، والتي يُديرها المصرف المركزي والمصارف التجارية في نظام منح القروض الخاص بتلك المنطقة بشكل أسرع وأكثر بساطة، وتوفير نظام لامركزي يحدد الهوية ويشاركها.

الخلاصة

من العرض السابق، يتبين لنا مما لا يدعو مجالاً إلى الشك، أن هناك إمكانات هائلة كامنة في تكنولوجيا دفتر الأستاذ الموزع DLT وتقنية البلوك تشين، ونظراً إلى حداثة هذه التكنولوجيا والآفاق اللامحدودة لها من خلال التجارب والأبحاث، فإن هناك حاجة إلى توخي اليقظة تجاه التحديات والقضايا التي قد تنشأ عنها. إن تبني مثل هذه التكنولوجيا يختلف من بلد إلى آخر، يعتمد على مدى إستعداد البنية التحتية وإنخراط الدول في التحول الرقمي، لهذا نجد تبايناً بين الدول في تبني هذه التقنية. أما في خصوص دول العالم الثالث،  عليها أن تواكب هذه التطورات، وأن يكون هناك إطار تنظيمي مرن للإشراف على الصناعة، وأن تحتفظ المصارف المركزية بدورها في الإشراف والرقابة والحفاظ على الإستقرار المالي والنقدي، بمواكبتها لكل تطور يحصل في هذا المجال. بالنظر إلى أن طبيعة التكنولوجيا تتميز بالصعوبة وليست سهلة الفهم،  لهذا فالأمر يتطلب الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث والدراسات بشكل شامل ومستمر، وتطوير وتدريب الكوادر البشرية للمصارف المركزية على ذلك.