اليورو يقترب من الدولار: الأسباب والمخاطر

Download

اليورو يقترب من الدولار: الأسباب والمخاطر

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 498 - أيار/مايو 2022

اليورو يقترب من الدولار: الأسباب والمخاطر

لم تكف اليورو مشاكله الداخلية، حتى زادت الحرب الروسية على أوكرانيا، والسياسة المتبعة في الصين ضد كورونا من معاناته. وجاءت سياسة الإحتياطي الفدرالي مع التشدّد في أسعار الفائدة لتُعزّز من منافسه الأساسي الدولار.

ووصل اليورو خلال أيار / مايو 2022 إلى مستوياته منذ 5 أعوام، متدنياً ما دون الدولار والخمسة سنتات (1.03). وبالأصل يعاني اليورو من سياسة نقدية أوروبية موحّدة، محافظة على سعر متدن جداً بل لا يُذكر للفائدة، بحجة دعم الإقتصاد ومسيرة النمو وعدم رفع الفائدة، كي لا يتمّ خنق الإقتصاد الذي بدأ ينتعش لدى خروجه من أزمة كورونا، وإغلاق لأكثر من عام.

أضف إلى ذلك، سياسة زيادة الرواتب في منطقة اليورو لم تصل إلى مستوى الزيادة في الولايات المتحدة لدعم القدرة الشرائية للمستهلكين أمام إرتفاع غير مسبوق للأسعار نتيجة الحرب في أوكرانيا، ليصل معدّل التضخم في الولايات المتحدة إلى أكثر من 8 %، وإلى أكثر من 5 % في منطقة اليورو بمستويات لم تشهدها تلك البلدان منذ الحرب العالمية الثانية.

وأمام هذا الواقع، زادت الرواتب في الولايات المتحدة في حدود 6 %، بينما لم تزد عن 2 % في منطقة العملة الأوروبية الموحّدة.

المواجهة بين اليورو والدولار

الدولار يرتفع مدعوماً بسياسات أميركية نقدية وتجارية، كما يرتفع ميكانيكياً عندما يهبط اليورو، في ظاهرة لا تعد بالنفع على عملة المنطقة الأوروبية الموحّدة التي وصلت إلى دولار وثلاثة سنتات، في مستوى أعلى بقليل عن مستويات متدنية جداً عرفها اليورو بعد إدراجه عملة موحدة أواخر التسعينات (من القرن الماضي)، ليستعيد الدولار دوره كعملة ملجأ تتجه إليها الإستثمارات عندما تتعرّض العملات العالمية الأخرى للإهتزاز ولا سيما في ظروف جيوإستراتيجية صعبة في العالم.

إضافة إلى الأسباب الخارجية والداخلية التي أشرنا إليها، هناك مسلّمة اليوم تقول: «إن صحة الدولار الجيدة هي التي تفسر أوجاع اليورو»، حيث إن العملة الأميركية تستفيد من قرار الفدرالي الأميركي (البنك المركزي) رفع معدلات الفائدة تدريجاً، بعدما ظلّت لسنوات قريبة من الصفر %، وعندما يرفع البنك الفائدة يستفيد الدولار تلقائياً، ويتفوّق على اليورو.

قرار المركزي الأميركي لا يهدف إلى رفع الدولار، إنما لإحتواء معدّلات التضخّم الخيالية التي إقتربت من 9 % في إستراتيجية دفاعية ينوي البنك المركزي الأميركي مواصلتها، ويرفع الفائدة إلى مستويات 2 % أو حتى 2.5 %، في الوقت الذي لا تزال الفائدة المركزية الأوروبية قريبة من الـ 0 %.

وهنا بالتحديد، وأمام هبوط متسارع لليورو، وبالأخص أمام تحليق معدّلات التضخّم في بلدان العملة الموحّدة، وجد البنك المركزي الأوروبي نفسه مضطرّاً للقيام بخطوة متشابهة للخطوة الأميركية، ليُعلن عن نيته رفع سعر الفائدة إعتباراً من الفصل الثالث من هذا العام، لتكون الخطوة الاولى في هذا الإتجاه منذ 10 سنوات بهدف إحتواء التضخم.

هذه الخطوة تعني أيضاً أن سياسة الكرم المتبعة من قبل البنك في التسيير النقدي، وشراء الديون مقابل السيولة، قد تتوقف مع رفع الفائدة، وربما يعود اللون الزهري إلى وجه العملة الموحدة. علماً أن الهدف من رفع الفائدة ليس لدعم اليورو بقدر ما هو لإحتواء التضخم. ومع ذلك، فإن مسار اليورو النزولي وهبوطه في سوق الصرف العالمية، قد يُعوّق من جهود البنك المركزي الأوروبي للوصول إلى هدفه في لجم صعود الأسعار والحدّ من التضخم.

حتى اليوم، لا بد أن نطرح السؤال التالي: لماذا تأخّر البنك الأوروبي المركزي حتى الآن ليُعلن عن نيته النظر في سعر الفائدة مطلع الصيف المقبل، وليس قبلاً؟

البنك الأوروبي المركزي برئاسة كريستين لاغارد يعي تماماً، أن خطوة رفع الفائدة قد تقضي على النمو الأوروبي في مهده، ولا سيما بعدما عرفت إقتصادات أوروبية كثيرة وخصوصاً الكبرى منها، معدّلات إنكماش حرمت بلدانها النمو بسبب جائحة الكوفيد، وتوقف عجلة الإستيراد والتصدير وتعطل الإقتصاد الصيني الثاني عالمياً، والمنافس الأكبر للإقتصاد الأميركي.

فالنمو الأوروبي اليوم عاد إلى مسيرته الحيوية، إنما لسوء حظ اليورو، فإن الصين عادت للإغلاق، بعدما إنتشرت الجائحة في شانغهاي، حيث تم إغلاق المدينة من جديد، لأسابيع عدة بهدف الوصول إلى «كوفيد صفر» بحسب السلطات الصينية. وهذا أدى إلى تسبّب أوجاع إضافية لليورو، وما أدى إلى تريّث البنك الأوروبي لإتخاذ قرار برفع الفائدة. فالصين المصدّر الأول للمنطقة الاوروبية، وتالياً النمو الأوروبي، يرتبط بالعجلة الصينية الخارجية.

علماً أن نسبة 60 % من التبادل تتم داخل المنطقة وبالعملة الموحدة. ومع ذلك، فإن جزءاً كبيراً من فائض التجارة لألمانيا، أكبر إقتصاد في اليورو، يعتمد على الصين، كما أن توقف النشاط الصيني أدى إلى إضعاف النشاط الصناعي الفرنسي.

من هنا، فإن الهدوء الذي إعتمدته الصين، نتيجة الجائحة، وإستعادة الدولار دوره كعملة ملجأ، أديا إلى إضعاف مسيرة اليورو، وتالياً إلى تحوّل المستثمرين للبحث عن إستقرار في إستثمارات أخرى.

تداعيات تراجع اليورو على التبادل التجاري  مع منطقة العملة الموحدة

بحسب إحصاءات بنك التسويات الدولية (بنك البنوك) للعام 2019، أي قبل جائحة «كوفيد»، فإن نسبة تجارة 88 % بين منطقة اليورو الخارج، كانت تتم بالدولار مقابل إستيراد تصدير بنسبة 32 % تتم باليورو، ونسبة 17 % كانت تتم بالين الياباني، بحسب ما نقلت دراسة تعود إلى المرصد الفرنسي للأحوال الإقتصادية OFCE. ومن بين السلع، هناك النفط الذي يدفع الأوروبيون ثمنه بالدولار، وسعره اليوم مرتفع جداً، ويتبع الإتجاه التضخمي للعملة الأميركية.

في المقابل، فإن هبوط قيمة اليورو قد تكون له تداعيات إيجابية على السياسة الأوروبية. علماً أن سعر الإستيراد سيرتفع، بينما سعر التصدير يعود بالنفع على الأوروبيين عندما يدفع المشتري الأجنبي باليورو الرخيص.

فرغم إرتفاع قيمة الإستيراد، فإن الشركات الأوروبية تكسب من جهة التنافسية. وهنا تحديدا،ً فإن هيمنة السوق الصينية على الإستيراد والتصدير مع أوروبا والذي يخضع اليوم لضغط سياسة الصين مع صفر كوفيد، فإن التنافسية الاوروبية قد تشهد حدّاً لتألقها.

ماذا عن المرحلة المقبلة لتقلب اليورو؟

إذا أخذنا في الإعتبار مستوى اليورو اليوم، نرى أن هبوط العملة الموحّدة، لا يزال ضمن مستويات متدنية، عرفتها عملة اليورو مقابل الدولار في السنوات الماضية. وقد تعود وتتعافى لتصل على الأقل إلى المستوى الذي حُدّدت به عملة موحدة أواخر التسعينيات (من القرن الماضي) بقيمة اليورو مقابل 1.18 دولار.

وللتذكير، فإن اليورو، تعرّض لموجة هبوط تاريخية بعد إعتماده عملة موحّدة، ووصل إلى نحو 0.88 سنتاً (من الدولار)، ما إستدعى حينها تدخلاً من قبل البنك الأوروبي المركزي، والفدرالي الأميركي، لأن من مصلحة الجهتين، التدخل وشراء اليورو، كي يستعيد مستوى مقبولاً في السوق. فالأميركي كان مضطراً لشراء اليورو، وكسر شوكة الدولار، الذي أدى إرتفاعه حينها إلى ضرب الصادرات الأميركية، والأوروبي كان مضطرّاً لشراء اليورو لإستعادة الهيبة الأوروبية الموحّدة في سياسة نقدية مشتركة، وعملة حلّت محل العديد من العملات.

على أي حال، إن هبوط اليورو اليوم، لا يزال بعيداً عن مستوى أواخر التسعينيات (من القرن الماضي)، لكن ذلك لا يمنع أن يتساوى مع الدولار، إذا سارت الأمور أوروبياً عكس ما تقتضي الضرورة.

مازن حمود

محلّل إقتصادي ومالي / باريس