اليونان تستدين على فائدة سلبية وتدخل ملعب الكبار – العدد – 471

Download

اليونان تستدين على فائدة سلبية وتدخل ملعب الكبار – العدد – 471

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 471 شباط/فبراير 2020

من دولة متأزمة إلى نموذج يحتذى به:

اليونان تستدين على فائدة سلبية وتدخل ملعب الكبار

من كان يتخيّل أن تتعافى اليونان بهذه السرعة من ورطتها المالية التي هزّت منطقة اليورو وهدّدت مصداقية هذه المنطقة والتي هي عضو فيها.

فاليونان التي انتقلت عام 2010 من شعلة للأولمبياد إلى شعلة للديون في منطقة اليورو، وبعدما أعلنت صيف عام 2018 خروجها من برنامج الوصاية المالية التي فرضها الدائنون والمانحون عليها، ها هي اليوم تدخل نادي الدول التي تصدر سندات دين على معدل فائدة ما دون الصفر وتحديداً (0.02- في المئة)، سندات طرحتها أمام المستثمرين في أواخر شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019 وحان أجلها مؤخراً وبحجم نصف مليار يورو تقريباً، في حين أن المستثمرين كانوا مستعدين لشراء سندات بأكثر من مليار.

هذه المستجدات المالية الإيجابية بحق أثينا لا تنفي في الوقت ذاته أن ديون اليونان لا زالت في خانة التصنيف من فئة «المضاربة» «Junk» في مصطلح مضاربة السوق وطرح السندات ما دون الصفر في المئة على فترة عشر سنوات يعتبر الأول من نوعه في تاريخ البلاد التي كانت بعد اندلاع أزمتها عام 2010 وعلى مدى سنوات قليلة عرضة للمخاطر المالية وعرضة لتصريحات هذا الفريق أو ذاك، ولا سيما من أهل مجموعتها وبالأخص ألمانيا التي رفضت في البداية مساعدة اليونان التي أخفت في مكان ما أرقاماً أساسية وتلاعبت بأخرى ضرورية للإنضمام إلى منطقة اليورو بحسب معايير محددة.

السندات التي طرحتها اليونان في الأسواق مؤخراً على فترة عشر سنوات وعلى فائدة سلبية، مثلها مثل فرنسا وألمانيا، استطاعت القيام بذلك من خلال الإصلاحات التي أقرّتها نزولاً عند رغبة دائنيها مثل صندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية، ونتيجة ما تكلفته على سندات سابقة قبل تعافيها، حيث دفعت 30 في المئة أكثر مما يفترض مقابل حصولها على المال للإستثمار وللإيفاء بإلتزاماتها تجاه مواطنيها من رواتب تقاعد ومعاشات وقضايا أخرى تستهدف مطبات إجتماعية غير مسبوقة من قبل الشعب اعتراضاً على التشدّد بالإصلاحات الموجعة.

فالذي حصل هو أن حاملي سندات اليونان عام 2019 حققوا أرباحاً من فوائد فاقت الـ30 في المئة بحسب بلومبرغ، وبالتالي فإن الإقبال على سندات ديون اليونان ساهم في رفع ثمن الديون وفي تخفيض الفائدة إلى ما دون الصفر، كما حصل في سندات خريف عام 2019 على ثلاثة أشهر،  حيث اعتبر حاملو تلك السندات أن اليونان خلال فترة قصيرة من الزمن لن تتعرض لأزمة مشابهة لعام 2010، وبالتالي لن تشهر إفلاسها في ثلاثة أشهر، بعدما كانت عام 2012 على شفير الإفلاس وعملت عائلتها الأوروبية والمؤسسات المانحة على بقائها صامدة على قدميها وتعزز من مصداقية منطقة اليورو وجنَّبتها مخاطر عزوف المستثمرين عن أسواقها نتيجة التردد الذي أبداه الأوروبيون في البداية عندما وقعت أثينا في مستنقع لم تنجو منه في ما بعد إيطاليا وإسبانيا وقبرص وإيرلندا، كل دولة حسب ديونها وحسب اقتصادها، وللإشارة فإن الاقتصادين اليوناني والقبرصي هما أصغر الاقتصادات في اليورو.

على الرغم من كل ذلك التحسُّن على صعيد سوق السندات، فإن من ناحية الثوابت الاقتصادية لا زالت الأوضاع المالية والاقتصادية لليونان ضعيفة في كثير من المواقع، لأنها تكافح للإمتثال لما التزمت به أمام المجتمع الدولي، وأول الغيث أنها بدأت تسجل معدلات للنمو لا بأس بها، ولا سيما للعام 2019 وبنسبة تقارب 2 في المئة.

إنما ديون اليونان ما زالت الراية العليا التي ترفرف في أسواق العالم وبحجم ناهز 170 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الرغم من هذا الرقم المرعب، إلا أن المستثمرين وحاملي سندات اليونان مقتنعون بأن مخاطر ديون اليونان اليوم تختلف عن المخاطر التي شكلتها الديون نفسها بداية الأزمة وبعدها بعامين أو ثلاثة، والسبب أن قسماً من الديون امتصه الاتحاد الأوروبي وغير قابل للسداد، وأن ما تبقى لن يكون موضع إفلاس ولن تسمح منطقة اليورو بذلك، بل ستفعل المنطقة ما بوسعها لعدم حصول تخلف أو إفلاس، من هنا ازدادت قناعة المستثمرين بمستقبل اليونان المالي وأصبحت نوعية سندات اليونان من فئة Obligation Assimilable du Trésor (OAT)T، أي عبارة عن قروض تطلبها الدول من السوق لمدة عامين على الأقل ولمدة خمسين عاماً على الأكثر، ما يعني أنها أقل سيولة إنما سندات دولة.

فاليونان كونها عضو في الاتحاد الأوروبي جعلها ذلك تستفيد خلال فترة الإنقاذ من مستنقع الإفلاس من مساعدات سخية موجهة لقطاعات حيوية، كما وفّرت عضويتها في الإتحاد الأوروبي لها أكثر من 250 مليار يورو، الأمر الذي مكّنها من تعويم مصارفها وإعادة جدولة ديونها، مع العلم أن القروض التي استفادت منها من المفوضية الأوروبية تعتبر ذات آجال طويلة وسيتم تسديد قسم منها في العام 2060.

أما صندوق النقد الدولي فوافق على قرض لليونان صيف عام 2010 بقيمة 30 مليار يورو، تم صرفها على ثلاث سنوات في إطار برنامج تمويلي مشترك مع الإتحاد الأوروبي يتيح في البداية 110 مليارات لمساعدة هذا البلد على تجاوز أزمة المديونية وإنعاش النمو وتحديث الاقتصاد وإعادته إلى المسار الصحيح، والعمل على ضبط الموازنة وتوجيه المصارف الحكومية نحو القطاعات المنتجة ومحاربة الفساد في الدوائر.

  وكان من أبرز شروط صندوق النقد في برنامج إنقاذه لليونان التركيز على عدم ارتفاع المديونية وتقوية تنافسية الاقتصاد اليوناني التي خسرت موقعها في السوق الأوروبية، علماً أن اليونان بلد خدماتي وسياحي شبيه إلى حد ما لإقتصادات قبرص ولبنان.

إن مشكلة اليونان الأساسية لم تكن الديون بحد ذاتها، فكل الدول تستدين لتقوية اقتصاداتها، إنما المشكلة بالنسبة لهذا البلد هي إزالة العجز الأولي للمالية (أي العجز باستثناء مدفوعات الفائدة).

وهذا الذي راهن عليه صندوق النقد الدولي، فالأجور والمزايا الاجتماعية في اليونان تشكّل عادة 75 في المئة من مجموع النفقات الحكومية، فكان لا بد من تخفيض مجموع الأجور ومعاشات التقاعد العامة، حيث لا تكاد توجد أي فرصة أخرى لضبط أوضاع المالية العامة.

وتجدر الإشارة إلى أن اليونان في البداية لم تعمد إلى مشاورات مع دائنيها لإعادة هيكلة الديون، لأن ذلك يولد مشكلات أكبر مما يمكن أن تحل، ولا سيما في حالة العجز عن السداد، فالمشكلة ستظل قائمة مع تأجيل الكارثة، لا سيما إن لم تقم الدولة بإصلاحات تحفيزية للاقتصاد تفتح شهية المستثمرين على القدوم إلى أسواقها وعلى الثقة بنهوضها من جديد.

فصندوق النقد الدولي وبعد عشر سنوات تقريباً على الكارثة التي تفادتها منطقة اليورو مع تفادي سقوط اليونان التي أقفلت مصارفها لأسابيع وأشهر، توقع مطلع هذا العام لهذا البلد أن يحقق معدلات نمو في العام 2020 شبيهة بالعام 2019 بحدود 2 في المئة تفوق معدل منطقة اليورو.

كما اعتبر صندوق النقد الدولي الذي كان صارماً مع اليونان في البداية، وأدت شروطه الإصلاحية إلى خروج عشرات آلاف اليونانيين إلى الشارع، أن وضع الموازنة في تحسُّن مستمر وستسجل فائضاً عام 2020 بنسبة خجولة إنما إيجابية بمعدل (0.3+ في المئة)، في حين أن الموازنة في منطقة اليورو ستسجل عجزاً بنسبة (1.1- في المئة).

فأمام هذا الواقع والتحسُّن ولو البسيط في وضعية اليونان بعد كل المصائب التي حلّت بهذا البلد، أصبحت وكالة الديون في اليونان، ومنذ مطلع العام 2020 تستدين وتطرح سندات دولة على 15 عاماً لأول مرة منذ آب/أغسطس 2018 تاريخ إنتهاء برنامج المساعدة المشترك بين المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي، وسجلت سندات اليونان إقبالاً متزايداً في إشارة إلى ثقة المستثمرين بقدرة اليونان على سداد ديونها وسنداتها لأصحابها عند آجالها، ناهيك عن أن مؤسسة التصنيف العالمية فيتش رفعت علامتها في تصنيف اليونان إلى (BB) في الشهر الأول من العام 2020 مع نظرة مستقبلية إيجابية، أما مؤسسة التصنيف الثانية ستاندرد أند بورز ستعلن عن تصنيفها لليونان في نيسان/أبريل القادم.

فنجاح اليونان ولو بمستوى مقبول نظراً لما عانت منه خلال تسع سنوات يشكِّل فارقاً على طريق التضحية والمثابرة على الرغم من تحمل شروط المانحين والدائنين.

فمن المخطىء يا ترى، صندوق النقد الذي أقرض اليونان بشروط؟ أم اليونان التي قبلت القروض وتحمّلت النصائح الموجعة؟ على أية حال فلتكن اليونان عبرة لمن لا يعتبر.

مازن حمود

محلل اقتصادي ومالي/باريس