تأثير العملات الرقمية على السياسة النقدية للمصارف المركزية

Download

تأثير العملات الرقمية على السياسة النقدية للمصارف المركزية

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 492 - تشرين الثاني/نوفمبر 2021

تأثير العملات الرقمية على السياسة النقدية للمصارف المركزية

 

 

الدكتور عادل عبدالله الكيلاني

عضو هيئة التدريس – قسم التمويل والمصارف ـ

 جامعة عمر المختار

 

كان للتطور الحاصل في التكنولوجيا المالية أثر واضح وجلي على كافة مناحي الحياة الإقتصادية والمالية، تمثلت في سرعة إنجاز المعاملات وتخفيض تكاليفها. وتُعتبر العملات الرقمية إحدى التطبيقات التي أفرزتها هذه التكنولوجيا والتي شكلت تحدياً كبيراً للمصارف المركزية. ومنذ ظهور هذه العملات الإفتراضية خلال العقدين الماضيين، ولا تزال الأسئلة تُثار حول إمكاناتها وقدرتها على التأثير على الإقتصاديات المحلية والدولية، وإيجابياتها وسلبياتها، الأمر الذي دفع المصارف المركزية والمنظمات الإقتصادية إلى إجراء الدراسات والبحوث لتحديد هذه السلبيات والمخاطر التي من المتوقع أن يفرزها تداول هذا النوع من العملات خارج سيطرة المصارف المركزية.

من  هذه المخاطر والتي يجب الإستعداد لها مخاطر التزييف والتزوير وغسيل الأموال، إضافة إلى تأثيرها على السياسة النقدية والتي تُعتبر من أهم أدوات المصرف المركزي لتحقيق الإستقرار الإقتصادي، إذ تُعتبر السياسة النقدية إحدى الدعامات الرئيسية في بناء السياسة الإقتصادية الكلية، ولما للعملات الإفتراضية من تأثير على أدوات السياسة النقدية وأهدافها، لهذا من الضروري أن تضع المصارف المركزية إطاراً موحداً لتنظيم النقود الإفتراضية

 ووضع ضوابط إصدارها وتداولها.

سنحاول في هذه الورقة، التعرف على العملات الإفتراضية وأثرها على السياسة النقدية للمصارف المركزية، وموقف المصارف المركزية تجاه هذا النوع من التكنولوجيا المالية.

مفهوم العملة الإفتراضية

النقود الإفتراضية ويطلق عليها أيضاً (العملات الرقمية أو المشفرة) هي عبارة عن تمثيل للممتلكات رقمية، وهي تستند على التشفير من أجل حماية المعاملات والبيانات. وتتميز بكونها تسمح بتنفيذ المعاملات فوراً ومن دون قيود أو وسيط ثالث. وقد شاع إنتشار هذه العملة الإفتراضية في العقدين الماضيين، في كثير من الدول لإنخفاض تكلفتها، وسهولة إستعمالها، وسرعة إنجازها. تعتمد هذه العملات المشفرة على تقنية تسمى «بلوك تشين» أو ما يعرف بسلسلة الكتل (البنك المركزي الأردني، 2020).

 بدأت فكرة هذه العملة في أواخر العام 2008، وبدأ التطبيق الواقعي لها في بداية العام 2009 من قبل شخص مجهول أو مجموعة معروفة بإسم «ساتوشي ناكاموتو». تم وصف هذه التقنية في ورقة بحثية تحت عنوان  «بيتكوين: نظام نقدي إلكتروني يعتمد على مبدأ الند للند»، وتستند هذه العملة في آلية عملها على تقنية البلوك تشين. كان الهدف من فكرة العملة الإفتراضية هو تقليص سيطرة العملات التقليدية، وإلغاء وجود طرف ثالث، تتمتع بالخصوصية ولا تتحكم بها المصارف المركزية والحكومات، يتم التعامل بها من خلال بروتوكول الند للند (Peer to Peer) مع إعتماد تقنية التشفير لإضفاء مزيد من الأمان بها (عبدالمنعم ، 2020).

هناك العديد من التعريفات للعملة الإفتراضية، منها تعريف البنك الأوروبي المركزي على أنها هي «أحد أنواع النقود الرقمية غير المركزية (غير تابعة لجهة إقتصادية محددة)، والتي يتم إصدارها والتحكم فيها عادةً من قبل مطوريها، كما يتم إستخدامها وقبولها بين أعضاء مجتمع إفتراضي محدد على شبكة الإنترنت». كما عرَّفها صندوق النقد الدولي بأنها «تمثيل رقمي للقيمة، يصدر بواسطة مطورين خاصين بإعتباره وحدة حساب، ويمكن الحصول عليه وتخزينه والوصول إليه والتعامل به إلكترونياً، ويستخدم لمجموعة متنوعة من الأغراض عند إتفاق طرفين على إستعماله (البنك المركزي الأردني، 2020) .

لا نريد الخوض في التعريفات المتعددة والمتنوعة، ولكن ما يهمنا هو أن هذه العملة هي عملة إفتراضية (ليس لها كيان مادي ملموس، أو وجود فزيائي) يتم إنتاجها بواسطة برامج حاسوبية متطورة، ولا تخضع لسيطرة وتحكم المصارف المركزية أو أي سلطة مركزية، يتم عن طريقها تنفيذ العديد من المعاملات عن طريق الإنترنت، ولها قبول إختياري بين المتعاملين.

المصارف المركزية والسياسة النقدية

يُعتبر المصرف المركزي من أهم المؤسسات المالية في أي دولة، بل ويقف على قمة الهرم للقطاع المالي والمصرفي، حيث يُعتبر الدعامة الأساسية للقطاع النقدي والمالي في كل دول العالم نظراً إلى المهام والمسؤوليات المناطة به، وتأتي في مقدمها إدارة السياسة النقدية لتحقيق الإستقرار النقدي والمصرفي والمالي، ومن ثم الإستقرار الإقتصادي للدولة. من هنا يبرز دور هذه المؤسسة وأهميتها في إدارة السياسة النقدية، ونظراً إلى الدور الهام والفعَّال الذي يقوم به المصرف المركزي، فإن ذلك يتطلب أن يتمتع بدرجة عالية من الإستقلالية  (محمد ، 2013).

لن أسترسل كثيراً في سرد نشأة، ومفهوم وأهداف، ووظائف، وأهمية المصرف المركزي، ولكن ما يهمني في هذه المقالة هو التعرض لتأثير العملات الرقمية على السياسة النقدية.

فكما نعلم جميعاً أن السياسة النقدية تحتل مكانة الصدارة في هيكل السياسات الإقتصادية الكلية. ويتم اللجوء للسياسة النقدية لمعالجة الإختلالات الإقتصادية، فهي آلية مهمة تستخدمها الإقتصادات المعاصرة بالشكل الذي يمكنها من تحقيق أهداف السياسة الإقتصادية كتخفيض البطالة، وزيادة الإنتاج، وإستقرار الأسعار، وذلك بإستخدام العديد من الأدوات لتحقيقها. إن التحكم في وسائل الدفع وتنظيمها في الدولة تحتل أهم أهداف السياسة النقدية في الإقتصاد، فالمصرف المركزي بإمكانه إمتصاص النقود الزائدة عن إحتياجات التداول أو عملية التمويل وبإمكانه أن يُوفر أرصدة نقدية جديدة حسب الأوضاع الإقتصادية السائدة (أبوبكر ، 2019). ومن هذه الأدوات النقدية التي يستخدمها المصرف المركزي ما يلي:

أدوات السياسة النقدية

يقوم المصرف المركزي من خلال أدوات السياسة النقدية بالسيطرة على المعروض النقدي مثل زيادة أو تقليل الإصدار النقدي، كذلك الرقابة على المصارف التجارية وذلك من خلال مجموعة من الأدوات النقدية التي منها. (فتان و بوشنتوف، 2017) (ماطي م.، 2009):

أولاً: الأدوات الكمية:

عمليات السوق المفتوحة: حيث يقوم المصرف المركزي بشراء وبيع أذونات الخزانة والسندات الحكومية، أو المضمونة من الحكومة، والأوراق المالية بصفة عامة، قصيرة أو طويلة الأجل، سواء مباشرة أو من خلال سوق رأس المال، وذلك بالتعامل مع المصارف والأفراد والشركات. وتهدف هذه السياسة إلى التأثير على حجم الإحتياطات الفائضة لدى المصارف التجارية بالزيادة أو النقص مما يؤثر على كل من حجم الإئتمان وحجم المعروض النقدي والطلب على الإستثمار بالشكل الذي يتمشى مع الأهداف الإقتصادية للدولة، إضافة إلى محاولة إيجاد علاقة مستقرة بين سعر الفائدة في السوق النقدية.

سياسة سعر الخصم: يُعتبر سعر الخصم من الأسلحة التي يلجأ إليها المصرف المركزي للتأثير على حجم الإئتمان المصرفي، وبالتالي على حجم المعروض النقدي، وذلك في إطار الأهداف المرسومة للسياسة النقدية التقليدية. وسعر الخصم هو السعر الذي يخصم به المصرف المركزي الأوراق التجارية التي تقدم إليه من المصارف التجارية، أو الذي يعيد به خصم أوراق سبق أن خصمتها هذه المصارف لعملائها من المستثمرين، وتتحدد العلاقة بين هذا السعر وقدرة المصارف المركزية على التحكم في حجم المعروض النقدي في إطار تأثير هذا السعر على تكلفة عمليات الإئتمان التي تقدمها المصارف التجارية إلى عملائها. وتوجه البنوك المركزية عن طريق هذه السياسة رسالة للمصارف التجارية عن السياسة النقدية المستهدفة، فإرتفاع معدلات الخصم يُعتبر رسالة تفصح عن السياسة النقدية، فإرتفاع معدل الخصم تعني أن المصرف المركزي ينوي إتباع سياسة إنكماشية بخصوص النقود المتداولة، وهذا من شأنه أن يدفع المصارف التجارية إلى الحد من إستثماراتها والإحتفاظ بمزيد من الموارد في صورة نقدية حتى لا تقع في ضائقة مالية يصعب مواجهتها في ظل السياسة الجديدة المتوقعة والعكس صحيح.

نسبة الإحتياطي القانوني: يطالب المصرف المركزي من المصارف التجارية بالإحتفاظ بنسبة من النقود الحاضرة لدى المصرف المركزي من دون مقابل. ويتحدد هذا القدر بصفة أساسية معينة من إجمالي أرصدة الودائع تحت الطلب التي يحتفظ بها العملاء لدى المصارف التجارية. وتأتي مقدرة المصرف المركزي في التحكم في حجم الإئتمان وإدارة السياسة النقدية باستخدام هذه الأداة عن طريق تغيير نسبة الإحتياطي بالزيادة أو التخفيض، الذي ينعكس على حجم الإحتياطات الفائضة لدى المصارف التجارية، والتي قد تزيد من قدرة المصارف التجارية على الإقراض في حالة تخفيض نسبة الإحتياطي، أو أنها تقلل من قدرة المصارف التجارية على الإقراض في حالة زيادة نسبة الإحتياطي.

ثانياً: الأدوات النوعية:

يستخدم المصرف المركزي الأدوات النوعية للتأثير على إتجاه الإئتمان وليس حجمه الكلي، أي التأثير على حجم الإئتمان وتكلفة القطاع أو بعض الأنشطة الإقتصادية المحددة والتي تريد الدولة تشجيعها أو الحد منها دون غيرها، وتعمل هذه الأدوات عن طريق تحديد الأسعار أو الحد منها (معدلات الفائدة)، أو تحديد الكميات وذلك عن طريق اللوائح وسلطاته التنظيمية بما يخدم أهداف السياسة الاقتصادية العامة، والتي منها مالي: (محمد، 2013).

الرقابة الكمية على الإئتمان

وتهدف هذه السياسة إلى تحديد الحجم الإجمالي للإئتمان في الإقتصاد الوطني من خلال وضع حد أقصى لمعدل الزيادة السنوية للائتمان لا يجب تجاوزه، ويقوم المصرف المركزي بوضع هذا الحد بطريقة تتلاءم مع حالة النمو للإقتصاد القومي، ويقوم المصرف المركزي بتحديد حجم الإئتمان وتوجيهه لقطاعات إقتصادية معينة.

تغيير هامش الضمان

يُقصد بهامش الضمان تحديد النسبة الواجب مراعاتها بين قيمة القرض وقيمة الضمان على ذلك القرض، حيث تقوم المصارف التجارية بتقديم القروض لبعض الأفراد مقابل أسهم أو سندات أو عقارات، وعادة فإنه لا يتم تقديم تلك القروض لتلك الأصول بما يساوي قيمتها السوقية وإنما تحدد قيمتها أولاً ونسبة المخاطرة فيها، ثم تحدد بنسبة معينة وعادة تكون أقل من قيمتها السوقية. ويستخدم المصرف المركزي هذه الأداة للسيطرة والرقابة على نشاط المصارف التجارية، من خلال التغيير في نسبة هامش الضمان (تقليص السيولة المتداولة)، إضافة إلى إستخدامها للحد من إستيراد السلع الاستهلاكية أو الكمالية غير الضرورية، وذلك من خلال توجيه المصارف التجارية بعدم تقديم التسهيلات الإئتمانية للتجار، إلاّ بعد توافر ضمان لا يقل عن 50 % من قيمة فتح الإعتماد.

الحد الأدنى للسيولة

وتستخدم هذه الوسيلة كأداة للسياسة النقدية عن طريق إلزام المصارف التجارية بالإحتفاظ بجزء من الأصول في شكل سيولة وعدم توجيهها لأغراض الإقراض قصد حماية حقوق المودعين، وخوفاً من تهاون المصارف بسيولتها من أجل تحقيق أرباح.

وضع حد أعلى لسعر الفائدة الممنوح للودائع الجارية:

وذلك من خلال قيام المصرف المركزي بوضع حد أعلى لأسعار الفائدة على الودائع الجارية أو لأجل، ولا يجب على المصارف التجارية أن تتعداه، ويتم تغيير هذا الحد حسب الظروف الإقتصادية.

الإقناع الأدبي

يقوم المصرف المركزي بتبني سياسة النصح والإرشاد وتقديم المشورة إلى المصارف التجارية، والتي تُعتبر جزءاً من سياسته في توجيه الإئتمان، والتي تهدف إلى تحقيق أهداف معينة لها علاقة بالإئتمان المصرفي، وهذه التوجيهات والتعليمات تتم عن طريق إجتماعات دورية تضم ممثلين للمصرف المركزي والبنوك التجارية، كما يُمكن أن تتم عن طريق المراسلات والكتب الرسمية.

العملة الإفتراضية ووظائف المصرف المركزي

العملات الرقمية تعتمد على نظام لا مركزي كما ذكرنا سابقاً، حيث لا توجد سلطة نقدية مركزية تتحكم في إنشائها، كما يمكن الحصول عليها من منصات مختلفة، وبالتالي فهي تُعتبر خارج أنظمة الدفع المنظم المتعارف عليها. وبالتالي فإن عرض النقود الإفتراضية لا يخضع للسياسة النقدية المعتمدة للمصارف المركزية، بل يتطور بناء على نشاط المستخدمين في عملية تعدين العملة الرقمية. وهذا قد يشكل تحدياً للمصارف المركزية، حيث إن سياستها النقدية لا يُمكن أن تؤثر على العملة الرقمية الخاصة على نحو فعال. فعلى سبيل المثال، من الصعب على المصارف المركزية أن تحقق أهداف السياسة النقدية من إستقرار الأسعار والسيطرة على التضخم عند إزدياد العرض النقدي من العملات الرقمية التي خارج سيطرتها. وإذا لم تتعامل المصارف المركزية بشكل عملي، فإنها ستفقد سيطرتها على العرض النقدي وتفقد وظيفتها في تحقيق الإستقرار المالي، مع إنتشار التعامل بالعملات الرقمية. أيضاً وجود العملة الرقمية خارج سيطرة المصرف المركزي سيكون لها تأثير سلبي على أنظمة الدفع، التي ستخرج في مجملها عن سيطرة المصرف المركزي، وما ينعكس ذلك  من مخاطر كبيرة ستؤثر على الإقتصاد القومي، وغسيل الأموال والإرهاب (بدر ، 2020).

كما أن العملات الرقمية ستؤثر سلباً على وظيفة الإصدار للمصرف المركزي، حيث يتأثر الطلب على النقود الورقية التقليدية بسبب تعدد الإصدارات من العملات الرقمية، وبالتالي إنخفاض عوائد المصرف المركزي من عمليات الإصدار. أما في ما يتعلق بوظيفة المصرف المركزي كمصرف المصارف، فإن دور المصرف المركزي سيتأثر بشكل كبير، ويتراجع دوره كمقرض أخير للقطاع المصرفي، حيث ستجد المصارف العاملة وسيلة أخرى تُبعدها عن اللجوء للمصرف المركزي (علي ع.، 2020) .

أما دور المصرف المركزي في توجيه الإئتمان وضبط السياسة الإئتمانية فإن العملات الرقمية ستُضعف دور المصرف المركزي في توجيه الإئتمان وتوجيهه نحو القطاعات المستهدفة من السياسة الإئتمانية، وسيصبح دور المصرف المركزي بلا جدوى، لأن العملات الرقمية خارج سيطرة المصرف المركزي ولا حدود لها.

تأثير العملة الرقمية على أدوات السياسة النقدية

إن تطور العملات الرقمية وحلولها محل النقود القانونية أو الورقية تؤثر على الأدوات التي تستخدمها المصارف المركزية لتطبيق السياسة النقدية ومنها:

تأثير العملات الرقمية على عمليات السوق المفتوحة

تقوم سياسة السوق المفتوحة على تدخل المصرف المركزي في بيع وشراء الاوراق المالية الخاصة والحكومية في السوق النقدية،  ويقصد من هذه الوسيلة هو ضمان الإستقرار المالي، والسيطرة على معدلات التضخم، وعليه فإن تعامل الوحدات الإقتصادية بالعملة الرقمية يدفعهم تدريجاً إلى التخلي عن النقود القانونية مما يؤدي الى قيام البنوك التجارية بإعادة النقود الزائدة عن حاجتها الى البنك المركزي وذلك بهدف زيادة نسبة الإحتياطي النقدي لديها وهذا يؤدي إلى الحد من قدرة البنوك المركزية على القيام ببيع الأوراق المالية من أجل إمتصاص جزء من السيولة الموجودة لدى البنوك التجارية ومن ثم التأثير على قدرتها على منح الإئتمان، هذا يعتمد على مدى إنتشار التعامل  بالعملات الرقمية من قبل الوحدات الإقتصادية ،فكلما كان التعامل بالعملة الرقمية كبيراً يكون تأثيرها كبيراً على فعالية سياسة السوق المفتوحة والعكس صحيح. وكما نعلم أن تدخل المصرف المركزي في عمليات السوق المفتوح يؤثر أيضاً على إتجاهات أسعار الفائدة، وهذا له تأثيرات على حجم الإستثمار وغيرها من المتغيُّرات الإقتصادية (علي ش.، 2019).

تأثير العملة الرقمية على الإحتياطي القانوني

إنتشار التعامل  بالعملة الرقمية يؤدي الى زيادة حجم الودائع ثم الإحتياطي الفائض، وهذا يؤدي الى زيادة نسبة السيولة لدى المصارف التجارية، عندها يتقلص الطلب على الإحتياطات لدى المصرف المركزي، من هنا فإن إنتشار التعامل بالعملة الرقمية يؤثر تأثيراً سلبياً على فاعلية سياسة الإحتياطي القانوني.

تأثير العملة الرقمية على سعر إعادة الخصم

يستطيع الأفراد شراء وبيع العملات الرقمية مقابل العملة القانونية الصادرة عن المصرف المركزي، وتدخل هذه النقود الى خزينة البنوك التجارية لأن مصدّري العملة الرقمية يقومون بإيداع الأموال التي حصلوا عليها جرّاء بيع العملة الرقمية في المصارف التجارية، وتقوم الأخيرة بزيادة إحتياطاتها لدى البنك المركزي بسبب زيادة السيولة لديه، مما يؤدي إلى زيادة إحتياطي البنوك التجارية بما يزيد عن الحجم المرغوب فيه، وفي هذه الحالة فإن البنوك تختار بين أمرين:

أولاً: شراء الأصول من المؤسسات غير البنكية ومنح المزيد من القروض .

ثانياً: شراء مزيد من الأصول من البنك المركزي .

إن زيادة الطلب على الأصول في أسواق المال سوف يؤدي إلى إنخفاض سعر الفائدة، ولهذا السبب فإن البنوك التجارية تُفضل الخيار الثاني، وما دامت البنوك المركزية تقوم بتثبيت سعر فائدة على بعض الأصول قصيرة الأجل، فإن البنوك التجارية تقوم بشراء تلك الأصول من البنك المركزي، وبهذا الشكل تقوم البنوك بإستخدام الأموال الزائدة لديها في تخفيض خصومها في مواجهة البنك المركزي، وفي حالة عرض مزيد من العملات الرقمية دون تخفيضها في مكان آخر، سيكون من الصعب على البنك المركزي أن يتحكم في مستوى سعر الفائدة. لذلك يمكن القول إن سعر إعادة الخصم لن يكون له تأثير كبير في السيطرة على حجم الإئتمان وذلك بسبب إرتفاع السيولة النقدية لدى البنوك التجارية، ما سيُخفض من حاجتها إلى المصرف المركزي: (أبوبكر، 2019) .

الإجراءات المطلوبة من المصارف المركزية للتعامل مع العملات الإفتراضية

كما سبق أن ذكرنا، إن السياسة النقدية تهدف إلى تحقيق التوازن النقدي من أجل تلافي حدوث الآثار التضخمية، وذلك من خلال السيطرة على المعروض النقدي والطلب على النقود. وبما أن العملات الإفتراضية أصبحت واقعاً، ويزداد إنتشارها والتعامل بها يوماً بعد يوم على مستوى المتعاملين، وتنفيذ المعاملات العابرة للحدود، وبعيداً عن رقابة المصارف المركزية وسلطتها. لهذا على المصارف المركزية أن تتعامل مع هذا العملات بكل مهنية، بحيث لا تصبح المصارف المركزية في موقع المتفرج ، وحالة ردود الأفعال.

من هنا يتوجب على المصارف المركزية أن تتعامل مع التكنولوجيا المالية، وتستخدم أدواتها عينها، على أن تعمل على ضبطها وتنظيمها بما يحافظ على الإستقرار المالي للدولة، وحتى لا تصبح المصارف المركزية في موقف المتفرج. وعليه فإن على المصارف المركزية أن تعمل على إصدار عملات رقمية خاصة بها، تكون تحت إشرافها ورقابتها، وتطوير تكنولوجيا سجلات الأستاذ الموزع DLT، والتعامل بتقنية سلسلة الكتل Block Chain لتخزين البيانات والمحافظة عليها، هذه الخطوات سيكون لها تأثير كبير في تعزيز دور المصارف المركزية وقدرتها على القيام بوظائفها وسيطرتها على أدوات السياسة النقدية.

إضافة إلى ما سبق، فإن المصارف المركزية مطالبة بتطوير التشريعات والنظم الخاصة بالعمليات المستندة للتكنولوجيا المالية FinTech، بحيث يضمن قيام المصارف المركزية بدورها في الاشراف والرقابة على العمليات المستحدثة والمستندة على التكنولوجيا المالية.