تأثير تشريع زراعة الحشيشة في لبنان على المجتمع الدولي

Download

تأثير تشريع زراعة الحشيشة في لبنان على المجتمع الدولي

مقابلات
العدد 452

تأثير تشريع زراعة الحشيشة في لبنان على المجتمع الدولي

رئيس منظمة «جوستيسيا» للإنماء وحقوق الإنسان د. بول مرقص

في حوار مع مجلة «إتحاد المصارف العربية»:

تشريع زراعة الحشيشة في لبنان لن يكون مرحباً به كثيراً

من الأسرة الدولية وخصوصاً أنّها زراعة تُعدّ أصلاً ضمن الممنوعات

لبنان مصنّف من بين دول العالم الثالث وغير قادر على الرقابة الفاعلة لضبط هذه الزراعة

يتمثّل المسار القانوني لزراعة الحشيشة في لبنان أولاً لجهة التشريع، بإقتراح قانون موقّع من نائب واحد على الأقل، أو عبر مشروع قانون من الحكومة مباشرة، وفي كلا الحالتين سيُحال إلى اللجان النيابية المختصة لدرسه، ومن ثم يُحال على الهيئة العامة لمجلس النواب للتصويت.

أمّا في حال جاء في صيغة إقتراح قانون معجل مكرر فإنه يتم التصويت عليه لتأكيد أو نفي صفة الإستعجال المكرر عنه، فإذا قبلت صفة الإستعجال المكرر تبحث فيه الهيئة العامة لمجلس النواب من دون المرور على اللجان النيابية.

لكن ثمة أسئلة ينبغي أن نلقى أجوبة حيالها ولا سيما لجهة تقبل المجتمع الدولي لتشريع زراعة الحشيشة في لبنان، وإلتزام مسار زراعة الحشيشة في لبنان من دون الإصطدام بالمجتمع الدولي (تجربة أفغانستان) وماذا عن المنظمات الدولية تجاه هذه الزراعة؟ وما هي آلية الدولة قانونياً لتصدير مادة الحشيشة إلى الخارج، وتجربة التصدير لهذه المادة دولياً وتطبيقها في عدد من الدول، وأخيراً ما هو المردود الإقتصادي لزراعة الحشيشة على لبنان؟

في هذا السياق حاورت مجلة «إتحاد المصارف العربية» رئيس منظمة «جوستيسيا» للإنماء وحقوق الإنسان المحامي د. بول مرقص، حول تأثير تشريع زراعة الحشيشة في لبنان على المجتمع الدولي، فأكد «أنّ تشريع زراعة الحشيشة لن يكون مرحباً به كثيراً من الأسرة الدولية وخصوصاً أنّ هذه الزراعة تُعدّ أصلاً ضمن الممنوعات، كما أنّ لبنان مصنّف من بين دول العالم الثالث وهو غير قادر على الرقابة الفاعلة لضبط هذه الزراعة»، لافتاً إلى «أن للحشيشة أو ما يُعرف بنبتة القنّب الهندي، والتي تُسمى أيضاً بـ«الذهب الأخضر»مردوداً هائلاً على الإقتصاد اللبناني حتى قبل تشريعها. علماً أن خطة «ماكينزي»المتعلقة بتطوير الإقتصاد اللبناني أوصت بتشريع هذه النبتة والتي تُعدّ من أفضل الأنواع في العالم، حيث يُتوقع أن يصل مردودها إلى ما يقارب مليار دولار أميركي سنوياً، مما سيؤدي إلى تحريك العجلة الإقتصادية في البلاد».

في ما يلي الحوار مع المحامي الدكتور بول مرقص:

ما هو مدى القبول الدولي لتشريع زراعة الحشيشة في لبنان؟

– يصعب الجواب على السؤال المطروح نظراً إلى التناقض في موقف المجتمع الدولي، بالأمس القريب كان المجتمع الدولي يُهوّل ويُهدّد بنتائج وخيمة إذا أهملت الدولة اللبنانية مكافحة المساحات المزروعة بقاعاً بهذه النبتة، واليوم نرى أن تشريع زراعة الحشيشة جاء نتيجة إقتراح من شركة ماكينزي بغية تطوير الإقتصاد اللبناني المتردّي.

في جميع الأحوال، يُمكن القول إنّ تشريع زراعة الحشيشة لن يكون مرحباً به كثيراً من الأسرة الدولية وخصوصاً أنّ هذه الزراعة تُعدّ أصلاً ضمن الممنوعات، كما أنّ لبنان مصنّف من بين دول العالم الثالث وهو غير قادر على الرقابة الفاعلة لضبط هذه الزراعة.

ولربما من أكثر الدول التي من المتوقع أن تعارض هي الولايات المتحدة الأميركية نفسها، على إعتبار أن الحشيشة تتم زراعتها في المناطق البقاعية على وجه الخصوص، وربما تكمن مخاوفها في إمكانية مساهمة مردود زراعة الحشيشة في تمويل حزب الله الذي تصنّفه الولايات المتحدة الأميركية «منظمة إرهابية».

 هل يُمكن إلتزام مسار زراعة الحشيشة في لبنان من دون الإصطدام بالمجتمع الدولي (تجربة أفغانستان) وهل تدعم المنظمات الدولية هذه الزراعة؟

– يتمثّل المسار القانوني لزراعة الحشيشة في لبنان أولاً لجهة التشريع، بإقتراح قانون موقّع من نائب واحد على الأقل أو عبر مشروع قانون من الحكومة مباشرة،وفي كلا الحالتين سيُحال إلى اللجان النيابية المختصة لدرسه،ومن ثم يُحال على الهيئة العامة لمجلس النواب للتصويت.

أمّا في حال جاء في صيغة اقتراح قانون معجل مكرر فإنه يتم التصويت عليه لتأكيد أو نفي صفة الاستعجال المكرر عنه، فإذا قبلت صفة الاستعجال المكرر تبحث فيه الهيئة العامة لمجلس النواب من دون المرور على اللجان النيابية.

أما لجهة التنفيذ وتلافياً لأي تصادم مع المجتمع الدولي في ما يختصّ بزراعة الحشيشة وتصديرها، يقتضي إرساء آلية تضمن التصريف بالمعنى القانوني لكي لا نكون أمام شرعنة زراعة ممنوعة تحت غطاء قانوني.

لذلك تقع المسؤولية على عاتق وزارات عدة في متابعة المسار القانوني بدءاًمن الزراعة وصولاً إلى التصدير كوزارة الصحة، ووزارة الصناعة، ووزارة الزراعة،ووزارة الداخلية.حيث تُعنى وزارة الصحة بالإجازة للشركات التي ستتعاطى في هذا الموضوع، في حين تتمثل مسؤولية وزارة الداخلية ببسط سلطة الدولة التي تتمثل بالدور المناط بالأجهزة الأمنية العسكرية والرقابة الحثيثة للوزارات والادارات المعنية بهذه الزراعة.

ويكمن دور الأجهزة الأمنية العسكرية في مراقبة المساحات المزروعة وتحديدها وتسييجها بالأسلاك الشائكة بغية مكافحة أي تهريب من الإنتاج إلى الأسواق المحلّية والخارجية للحؤول دون إنزلاق الشباب اللبناني إلى مستنقع التعاطي والإدمان، إذ في حال غياب سلطة الدولة في مراقبة تصريف هذه الزراعة والتصنيع والإتجار فيها، نصبح أمام فلتان وتشريع للشواذ، وخصوصاً أنّ الدولة عجزت عن السيطرة على هذه الزراعة قبل تشريعها، وكانت أبواب التهريب مفتوحة على مصراعيها.

إذاً، العبرة من القانون تبقى في التنفيذ وفي مدى بسط سلطة الدولة،إن لناحية الزراعة والتصنيع والتجارة بالمعنى الداخلي، أو لناحية السمعة الخارجية المتعلقة بلبنان ومدى مصداقيتنا أمام المجتمع الدولي إذا ما كنا سننتجها لأغراض طبية أم لا.

فمسألة شرعنة زراعة الحشيشة لأجل مستلزمات طبّية وفي حال كانت محصورة ومراقبة، فإنّ الأمر يمرّ عبر تشريع داخلي يتيح إستخدامها لأدوية عالمية معروفة المصدر وضمان عدم إستعمال المنتوج قبل تحوله إلى دواء.

كما أنّ هناك إجماعاً على ضرورة أن تتولى إدارة «الريجي» إدارة الحشيشة أو «الذهب الأخضر» نظراً إلى كفايتها في هذا المجال، ولكن بعيداً عن الإحتكار الذي طال التبغ والتنباك.

تجدر الإشارة إلى تجربة أفغانستان التي تُعدّ أكبر إمداد للحشيش في العالم،حيث تنتج أفغانستان 145 كيلوغراماً من الحشيش في الهكتار الواحد. وقد أثارت الزراعة المذكورة قلق المجتمع الدولي نظراً إلى عدم وضوح أهدافها. فقد كان يُوفرها أمراء الحرب وإنتشار الارهاب، وقد ساهمت عوامل عدة في تهيئة المناخ المناسب لإنتشار زراعة وبيع الحشيشة والأفيون في أفغانستان، منها الحرب وإضطرابات أمنية طويلة الأمد، وعدم وجود حكومة مركزية قوية وشعبية، والضعف في نظام القانون الجنائي، ووجود مافيا المخدرات الداخلي والإقليمي والدولي، وطلب المخدرات على وجه الخصوص من الدول الغربية. كما تورط في تجارة المخدّرات مسؤولون كبار في الجيش والجهاز الإداري والجهاز السياسي الأفغاني.

أمام هذا الواقع وجد المجتمع الدولي حاجة ملّحة في القضاء على هذه الزراعة لأنها باتت تشكل خطراً دولياً.

أما لجهة دعم المنظمات الدولية لهذه الزراعة، فقد بدا واضحاً أنها لا تشجعها،وذلك من خلال ما جاء على لسان المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لمنع الجريمة ومكافحة المخدّرات، أنطونيو ماريا كوستا، في 12 حزيران 2008، إذ أشاد هذا الأخير بمصادرة أكبر شحنة من المخدرات في العالم في أفغانستان والبالغة 237 طناً من الحشيش والبالغة قيمتها 400 مليون دولار،وذلك بمساعدة حلف شمال الأطلسي(الناتو).

أشبه ما يكون الأمر مماثلاً بالنسبة إلى لبنان، إذ بدا جليّاً أنّ الأمم المتحدة لا تشجع زراعة وتصدير الحشيشة، وذلك من خلال وضعها مشروع «الزراعات البديلة» لتشجع المزارعين في بعلبك الهرمل على إستبدال زراعة المخدرات بزراعات أخرى تؤمن مداخيل مالية كبيرة.

وقد كان مقدراً أن يقوم هذا المشروع لفترة 15 عاماً من 1992 إلى 2006 حيث بلغت تكلفة المشروع نحو 300 مليون دولار أميركي، إذ تعهدت بتوفيرها الأمم المتحدة المشرفة عليه. لكن الفساد والتدخلات السياسية أدّت إلى وقف العمل بالمشروع عام 2000، وتالياً إنحصرت التقديمات بـ20 مليون دولار، فضلاً عن إيراداتها الضئيلة.

بناءً على ما أوردناه، وتلافياً لخطر فرض عقوبات على لبنان من قبل المجتمع الدولي، يقتضي أن تكون زراعة الحشيشة في إطار واضح ومنظّم ومضبوط لناحية الكمّية المسموح بها والهدف منها.

 ما هي آلية الدولة قانونياً لتصدير مادة الحشيشة إلى الخارج؟ وهل تجربة التصدير لهذه المادة ناجحة دولياً ومطبقة في عدد من الدول؟

– سبق أن أسلفنا، أنه يقتضي أن يكون البيع والتصدير لأغراض طبّية لكي يبقى إستخدام نبتة الحشيشة ضمن الإطار القانوني.

الجدير بالذكر أن الكثير من الدول شرّعت زراعتها وتصديرها لأغراض طبية ككندا في عام 2000، وتُعدّ الأوروغواي البلد الأوّل الذي أتاح تصنيع وبيع القنب الهندي أو الحشيشة.

ما هو المردود الإقتصادي لزراعة الحشيشة على لبنان؟

للحشيشة أو ما يُعرف بنبتة القُنب الهندي، والتي تُسمى أيضابـ «الذهب الأخضر»مردود هائل على الإقتصاد اللبناني حتى قبل تشريعها،فقد كان لبنان خلال الحرب الأهلية مصدراً للمخدرات في منطقة الشرق الأوسط،حيث كان ينتج سنوياً حوالي الألف طن من الحشيشة وما بين 30 و50 طناً من الأفيون المكوّن الأساسي للهيرويين، ويُحقق أرباحا تُقدّر بأكثر من 500 مليون دولار أميركي.

أمّا اليوم وبعد أن أوصت خطة «ماكينزي»المتعلقة بتطوير الإقتصاد اللبناني بتشريع هذه النبتة والتي تُعدّ من أفضل الأنواع في العالم، فيُتوقع أن يصل مردودها إلى ما يقارب مليار دولار أميركي سنوياً، مما سيؤدي إلى تحريك العجلة الإقتصادية في البلاد ويفتح آفاقاً جديدة في الإقتصاد، ويعالج العجز المالي الذي تضاعف في السنوات الاخيرة، حيث وصل عجز الخزينة إلى 4.8 مليارات دولار في العام الحالي 2018.