تخفيض الدينار العراقي.. مرغماً

Download

تخفيض الدينار العراقي.. مرغماً

Article
(القبس)-24/12/2020

*مروان سلامة

خَفَّضَ العراق سعر صرف الدينار العراقي قبل يومين بما يزيد على %20 نتيجةً لاستمرار التدهور المالي للميزانية العامة (والسيولة)، وتسارع نمو المصاريف العامة، بما فيها رواتب القطاع العام الذي يحتوي حوالي 3 ملايين موظف، معظمهم تعيينات سياسية غير ضرورية وغير منتجة، بل قد جفت السيولة وحالت دون دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين لشهر نوفمبر الماضي، مما أطلق العنان لتذمر واسع قد يولد اضطرابات اجتماعية وسياسية. هذا بالرغم من أن الحكومة قد اضطرت قبل فترة الى اقتراض مبالغ كبيرة فقط لدفع الرواتب.

فالعراق قد أصبح بلداً نفطياً خالصاً (شبه أحادي الموارد)، ويعتمد على استيراد معظم احتياجاته من الخارج، بما فيها الغذاء، وذلك بعد أن كان (قبل 1958) من الدول الرئيسية في العالم لإنتاج وتصدير القمح، بالرغم من أن حوالي ربع أراضيه الزراعية كانت مستغلة، وحوالي %5 الى %10 منها مخدومة بشبكات ري! أي أن قدراته كانت عظيمة، ولكن شاءت الأقدار أن تغير ما كان قائماً طوال 5 آلاف سنة مضت.

ويتوافق تدهور أسعار النفط في السنوات الأخيرة مع سلسلة مصائب من حروب مختلفة (خارجية وداخلية) وفساد مستشرٍ يئن ويشتكي منه الجميع، تنامى عجز الميزانية العامة ليتخطى، حسب التوقعات الأخيرة %20 من الناتج الإجمالي المحلي للسنة الحالية 2020. كما أن عملية الدفاع اليائسة عن قيمة صرف الدينار أًصبحت مكلفة جداً واستنزفت جزءاً كبيراً من احتياطيات الدولة من عملات صعبة، ولم يبق منها سوى حوالي 50 مليار دولار.

تضخم الأسعار

ولحسن الحظ، يمر العالم حالياً بتباطئ اقتصادي (وكساد في بعض الدول) مما يضعف احتمال حدوث تضخم كبير في أسعار المواد المستوردة، وبالأخص الغذائية. كما أن التعامل التجاري العراقي الأكبر هو مع إيران وتركيا، اللتين تعانيان من ظروف اقتصادية غير مواتية خفضت عملتيهما بشكل كبير، مما يساعد على تخفيف أثر تقليص القوة الشرائية للدينار العراقي.

الجدير بالذكر، أن الحكومة العراقية كانت تطالب بتخفيض الدينار منذ 2003، ولكن يبدو أن اعتراض وإصرار البنك المركزي العراقي على المحافظة على سعر الصرف، حالا دون تحقيق ذلك، إلى أن فرض عليه التخفيض وهو في أضعف حال – أي «بيد عَمْرٍ، لا بيدي»!

فمنذ 2003 والوضع المالي والاقتصادي صعب وواضح أنه قد يتدهور، ولكن ترك الأمر إلى أن وقع الفأس بالرأس. ومنذ فترة (وربما ما زال) والحكومة تفكر في اللجوء مضطرة إلى صندوق النقد الدولي للاقتراض لسد عجز الميزانية – أي تلقي بنفسها بين فَكَّي صندوق النقد، مع كل ما يترتب على ذلك من فرض سياسات تقشف قاسية، وشروط صعبة، وتدخل في أمور البلد الداخلية.

كان بالإمكان تدارك الوضع وتخفيض الدينار العراقي مبكراً، قبل سنوات، عندما كانت الملاءة المالية أفضل، فكان سيخفف من آلام التخفيض الحالي، ويزيد من احتمالات نجاح إعادة الهيكلة المقبلة.

سلبيات وإيجابيات

بشكل عام هذا خبر سلبي يعكس ضعفاً مالياً واقتصادياً لدولة جارة، مما قد يؤثر على جاراتها تجارياً واقتصادياً وحتى سياسياً.

سلبي لمن؟ للعراقيين على المدى القصير، لأنه يقلص القوة الشرائية المحلية ويسبب لهم إرباكاً تجارياً وحياتياً.

إيجابي لمن؟ للعراقيين على المدى الأطول، لأن هذا علاج ضروري وكان يجب أن يؤخذ منذ سنوات، لما كان المركز المالي أكثر متانة ويستطيع استيعاب أي ضرر أو إزعاج مرحلي محتمل من التخفيض.

مع ذلك، سيمنح هذا التخفيض الوقت الضروري لتعديل الوضع وإصلاحه وإعادة الهيكلة المالية والاقتصادية لكي يخرج البلد من أزمته ويعود إلى درب النمو الصحيح. كما أنه إيجابي للدول التي وضعها مشابه للعراق، فمثال العراق يُنَبِّهُها إلى الحقائق المحيطة بها ويمنحها فرصة لتقييم ودراسة وضعها وخياراتها، وأفضل توقيت لتنفيذ هكذا خيارات، أياً كانت.

قوة تأثيره: قوي، لأنه يهز الاقتصاد ومن ثم يؤثر على المجتمع العراقي ككل.

المدة الزمنية: قصيرة ومتوسطة المدى. فالأثر السلبي فوري وقصير المدى، أما التأقلم مع الوضع ومن ثم بداية التعافي فذلك على المدى المتوسط.