ثلاث أولويات للسياسات من أجل تحقيق تعافٍ قوي

Download

ثلاث أولويات للسياسات من أجل تحقيق تعافٍ قوي

الاخبار والمستجدات
العدد 495 شباط/فبراير 2022

ثلاث أولويات للسياسات من أجل تحقيق تعافٍ قوي

عندما يلتقي وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في جاكارتا بالحضور المباشر وعبر المنصات الإلكترونية أخيراً، يُمكنهم إستقاء الإلهام من العبارة الإندونيسية gotong royong، ومعناها «التكاتف لتحقيق هدف مشترك». فقد أصبحت هذه الروح أكثر أهمية من أي وقت مضى نظراً إلى المسار الشاق والمليء بالعثرات الذي ينتظر البلدان هذا العام.

ومن المبشّر أن التعافي الإقتصادي العالمي لا يزال مستمراً، لكن وتيرته تراجعت مع إرتفاع مستوى عدم اليقين وتزايد المخاطر، إذ خفّضنا مؤخراً تنبوءاتنا العالمية لعام 2022 إلى 4,4 %، وهو مستوى لا يزال جيداً، الأمر الذي يرجع جزئياً إلى إعادة تقييم آفاق النمو في الولايات المتحدة والصين.

ومنذ ذلك الحين، ظلّت المؤشرات الإقتصادية تُشير إلى تباطؤ زخم النمو بسبب ظهور السلالة المتحورة «أوميكرون» والإنقطاعات المتواصلة في سلاسل الإمداد. وكانت قراءات التضخم أعلى من المتوقع في العديد من الإقتصادات، ولا تزال الأسواق المالية متقلّبة، فضلاً عن الزيادة الحادة في الإضطرابات الجغرافية – السياسية.

لذلك نحتاج إلى تعاون دولي قوي ودرجة إستثنائية من سرعة الإستجابة. ويعني هذا في معظم البلدان ضرورة الإستمرار في دعم النمو والتوظيف، مع إبقاء التضخم تحت السيطرة والحفاظ على الإستقرار المالي وكل ذلك في سياق مستويات الدين المرتفعة.

ويُوضح تقريرنا الجديد المقدم لمجموعة العشرين G20 مدى تعقد هذا المسار المليء بالعقبات، وما يُمكن أن يتخذه صنّاع السياسات من تدابير لإجتيازه. وأود التركيز هنا على ثلاث أولويات:

أولاً، الحاجة إلى بذل جهود أوسع نطاقاً لمكافحة «كوفيد الإقتصادي طويل الأمد»: نتوقع أن تبلغ خسائر الناتج العالمي التراكمية جرّاء الجائحة نحو 13,8 تريليون دولار حتى نهاية العام 2024. وتمثل سلالة «أوميكرون» المتحورة الجديدة أحدث تذكِرة لنا بإستحالة تحقيق التعافي الدائم والشامل للجميع ما دامت الجائحة مستمرة.

غير أنه لا تزال هناك درجة عالية من عدم اليقين في شأن مسار الفيروس بعد «أوميكرون»، بما في ذلك مدى إستمرارية الحماية التي تتيحها اللقاحات أو الإصابات السابقة، ومخاطر ظهور متحورات جديدة.

وفي هذه البيئة، تصبح أفضل وسيلة للدفاع هي التحول من التركيز الحصري على اللقاحات إلى ضمان قدرة كل بلد على الوصول العادل إلى مجموعة شاملة من وسائل التصدي لـ «كوفيد- 19» بإستخدام اللقاحات وإختبارات تشخيص الإصابة والعلاجات المختلفة. وللحفاظ على حداثة هذه الأدوات في ظل تطور الفيروس، سيتعيّن توجيه إستثمارات مستمرة إلى أعمال البحث الطبي، وتَرَصّد المرض، والنظم الصحية التي تصل إلى كل شبر في كل مجتمع.

وسيكون توفير 23,4 مليار دولار مقدماً لسدّ فجوة تمويل «مبادرة تسريع إتاحة أدوات مكافحة كوفيد- 19» (Act-Accelerator) خطوة مهمة تكفل التمويل مسبقاً لتوزيع هذه الأدوات الديناميكية في كل مكان. وإعتباراً من الآن، سيكون توثيق التنسيق بين وزراء المالية والصحة في بلدان مجموعة العشرين أمراً ضرورياً لتعزيز الصلابة سواء في مواجهة إحتمال ظهور سلالات جديدة متحورة من فيروس كورونا «سارس- 2»، أو الجوائح المقبلة التي يُمكن أن تفرض مخاطر نظامية.

وسيُساعد إنهاء الجائحة أيضاً في معالجة الندوب الناجمة عن «كوفيد الإقتصادي طويل الأمد». ولنفكر هنا في الإضطرابات العميقة التي أصابت الكثير من مؤسسات الأعمال وأسواق العمل. ولنفكر أيضاً في التكلفة التي يتحملها الطلاب حول العالم على مدار حياتهم والتي تصل إلى ما يقدر بنحو 17 تريليون دولار تقريباً، بسبب خسائر التعلم وتراجع الإنتاجية والإضطرابات في أوضاع التوظيف.

وكان لإغلاق المدارس تداعيات حادة للغاية على الطلاب في الإقتصادات الصاعدة خصوصاً، حيث كانت مستويات التحصيل الدراسي أدنى بكثير في الأصل مقارنة بالإقتصادات الأخرى – مما يُهدّد بتفاقم التباعد الخطير بين البلدان.

بقلم كريستالينا غورغييفا

المدير العام لصندوق النقد الدولي