جائحة كورونا سرَّعت من عملية تحوُّل  في عمل بنوك التجزئة في فرنسا

Download

جائحة كورونا سرَّعت من عملية تحوُّل  في عمل بنوك التجزئة في فرنسا

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 484 -آذار/مارس 2021

جائحة كورونا سرَّعت من عملية تحوُّل ضرورية

في طبيعة عمل بنوك التجزئة في فرنسا

منذ عام بالتمام والكمال، جاءت أزمة كورونا لتُضاف إلى الرهانات التي طرحها الوسط المصرفي، في شأن مردودية نشاط بنوك التجزئة الفرنسية، وعمّقت من هجر الفروع المصرفية، والتركيز على رقمنة التعامل مع البنوك، وما يتبع ذلك من صعوبة في تحقيق مداخيل تُحدّد ربحية المصارف.

أزمة الكوفيد، لا شك في أنها تركت بصمات على كافة القطاعات بشكل مباشر أحياناً، وأحياناً أخرى بشكل غير مباشر. فالأزمة الصحية العالمية، وبخصوص القطاع البنكي في العالم عموماً، وفي فرنسا خصوصاً، لعبت دوراً رئيسياً في الإسراع من التحوّل في العمل المصرفي بواسطة وسائل التواصل الرقمية، وساهمت في الإسراع في التوجّه نحو إغلاق المزيد من الفروع المصرفية، بهدف تخفيف التكلفة، وفي المقابل التركيز على الإستثمار في العمل المصرفي الرقمي.

أمام هذا التوجه والنية في ذلك، جاءت كورونا لتُعزّز هذا النهج، ولا سيما أن البنوك الفرنسية، وحتى بنوك العالم، التي تُواجه تداعيات الوباء، تُعاني مسبّقاً من عائد قليل، نتيجة معدلات الفائدة المتدنية التي تتأثر بفوائد البنوك المركزية، والتي تؤثر سلباً على الهامش الصافي للأرباح المصرفية، وتدفع بإتجاه الضغط على المنافسة، وتالياً تجد البنوك نفسها أمام مداخيل ضعيفة.

من هنا، فإن هذا الموضوع ليس جديداً في عالم البنوك، إنما جاءت جائحة كورونا لتزيد من الطين بلة، وتؤكد رغبة قيادات المصارف للتوجه نحو رقمنة العمل البنكي، ولا سيما التعامل مع الزبائن على هذا النحو. ومن جهتهم، أصبح الزبائن مرغمين على التوجه، أقل من قبل، إلى فروع البنوك لتأدية حاجاتهم، وبالتالي اللجوء على نحو أكثر إلى الأدوات التقنية وعن بُعد.

أضف إلى ذلك، فإنه وبسبب الجائحة، هناك العديد من موظفي المصارف، أصبحوا يعملون من منازلهم في فرنسا، وفي غير فرنسا، الأمر الذي يفرض بيئة عمل جديدة وحساسة في آن واحد، وتؤدي إلى زيادة في كلفة المخاطر، وتجعل من الصعب تأمين مداخيل للبنك، كما لو أن الموظفين في عملهم، في مكاتبهم، ويتنقلون بين زبائنهم بحثاً عن عقود جديدة.

هذا الواقع، يُعزّز من التوجه المسبق نحو الإعتماد على الجانب التقني الرقمي، في عمل بنوك التجزئة، وهذا ما رأيناه في نهاية العام 2020 لدى بنك «سوسيتيه جنرال» (SG) الفرنسي، الذي أعلن حينها عن دمج فرعه في صيرفة التجزئة مع فرعه Credit du Nord، الدمج الذي يسمح بشكل خاص لبنك التجزئة والوحيد في المجموعة، بأن يقوم بإستثمارات في التحوّل نحو الرقميات، ويفرض مناخاً جديداً بين الفروع وزبائنها، الذين يأتون إلى مكان البنك لتأمين حاجاتهم. فهنا أيضاً فرضت الجائحة الصحية الكونية، طريقة جديدة من التعاطي بين البنك وزبائنه، كما فرضت ضرورة حتمية لإعادة النظر في هذه العلاقة، والتي بدأت تأخذ هذا النمط من قبل ظهور الوباء، لكن الأخير عزّز هذا النهج، حيث إن البنوك الفرنسية وغير الفرنسية وبمستويات متفاوتة، تستمر منذ سنوات في هذا التحوّل.

قضايا كثيرة فرضتها السلطات على المواطنين، مثل الإغلاق الكلي أو الجزئي، وحظر التجوال، وعدم السماح بالتنقل حتى إلى مكاتب الدوائر العامة والبنوك، والإكتفاء بالتعامل عن بُعد، وبواسطة القنوات الرقمية، حيث فرضت على الزبائن طريقة جديدة من التعاطي مع الجهات المقابلة، وقد بدأوا التأقلم مع هذا النموذج الذاهب بإتجاه التحوّل، الذي طرأ على العلاقة بين البنك والعاملين في داخله من جهة، والزبائن من جهة أخرى.

لكن أين هي مصلحة البنوك من إعتماد هذا النموذج، مدعومة بصيغة تعاطي جديدة فرضتها جائحة كورونا؟

لا شك في أن البنوك ستجد نفسها تكتفي بمكاتب أصغر من المعتاد، أي أعباء أقل، مع تكلفة مخاطر أقل. أضف إلى ذلك، أن البنوك تعمل على خلق بيئة جديدة من العلاقة مع الزبائن أكثر فأكثر، بواسطة الرقميات والتقنيات، مع الإحتفاظ بالرغبة في الجمع ما بين التعامل بواسطة التكنولوجيا والتواصل الإنساني.

في هذا الإطار، لفت بنك BNP Paribas إلى أن خدمة Affinité بسعر 12 يورو شهرياً، وتمّت تجربتها مؤخراً في تأمين خدمات للزبائن عن بُعد، بيّنت أن نسبة 15 % إلى 20 % من الزبائن، أعربت عن قبولها وإعجابها بهذه الخدمات.

من المؤكد، أن البنوك الفرنسية بدأت منذ سنوات قليلة، بإغلاق فروع لها، ولا سيما البنوك التجارية، ومن بين البنوك الفرنسية التي أفصحت عن برنامجها بشكل واضح، بنك سوسيتيه جنرال (SG)، الذي ينوي إقفال 30 % من فروعه من اليوم وحتى 2025.

الإشكالية تتمحور حول معادلة غير متوازنة، تتمثل بحضور شخصي كبير للموظفين، وفي المقابل، هذا الحضور، لا يجني الربحية المنتظرة، الأمر الذي يُعزز من التوجه أيضاً نحو الرقمنة أكثر، والذي عزّزت من حضوره كورونا ولم تُقصّر بجهدها.

مازن حمود
محلل مالي وإقتصادي/ باريس