خسائر الإستثمارات العربية في لبنان كبيرة فهل تعود؟

Download

خسائر الإستثمارات العربية في لبنان كبيرة فهل تعود؟

مقابلات
العدد 484 -آذار/مارس 2021

خسائر الإستثمارات العربية في لبنان كبيرة

فهل تعود بعد التعافي من الأزمة؟

يُشبّه أحد المقاولين المخضرمين لبنان، بأنه مثل طائر الفينيق، الذي ينبعث من جديد، رغم كل آثار الدمار والخسائر التي تلحق به، ويُعطي مثالاً على ذلك، بأن 15 عاماً من الحرب الأهلية تم محو آثارها عن العاصمة بيروت، خلال ثلاث سنوات فقط، حين تم إعادة إعمارها على يد الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

لا ينفي هذا المقاول، أن الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان في الحضيض، ولم يسبق أن مرّ لبنان واللبنانيون بمثله، لكنه يُصرّ على التركيز على النصف الملآن من الكوب، أي أن لبنان قادر على النهوض خلال سنوات عدة، إذا إتخذ القرار السياسي في الإصلاح.

كل هذا الإصرار على الإستمرار في لبنان، لا ينفي واقعاً مرَّاً، وهو أن ثمة خسائر فادحة في القطاعين المالي والمصرفي والعقاري، وهي طالت مستثمرين عرباً ولبنانيين، لذلك من المفيد، إلقاء الضوء على إنعكاساتها على لبنان مستقبلاً، وعمّا إذا كانت ستُشكل حاجزاً أمام عودة الإستثمارات إلى لبنان بعد إنتهاء الأزمة.

خسائر كبيرة ومتفاوتة

خوري: الفرص للإستثمارات كبيرة جداً لأن الأسعار متدنية جداً

ولن تنخفض أكثر من ذلك

يُوافق وزير الإقتصاد والتجارة السابق رائد خوري على أن «لبنان يعيش في ظل إنهيار إقتصادي ومالي»، ويُعطي مجلة «إتحاد المصارف العربية» مثالاً على هذا الإنهيار بالقول: «إن الناتج القومي بلغ 55 مليار دولار في العام 2019، وبات اليوم أقل من 20 ملياراً، ومن الطبيعي أن تكون الخسارات في أعلى مستواها في القطاع العقاري، أو ودائع المصارف أو المستثمرين في المصارف، كل هذه القطاعات خسرت من قيمتها كثيراً»، شارحاً أنه «بالنسبة إلى الخسارة والربح، فلا يُمكن إحتسابها بشكل مجمل، بل بكل حالة على حدة، وبتوقيت دخول المستثمر إلى لبنان، بمعنى هل حصل الإستثمار من مدة طويلة وبأي قطاعات؟ لأن المستثمرين منذ عشرين عاماً مثلاً، هم أقل خسارة من المستثمرين الجدد، وهذا ينطبق على المستثمرين العرب واللبنانيين على السواء».

يضيف خوري: «إن أسعار القطاع العقاري هبطت بين 40 % إلى 60 % من أعلى مستوى وصلت إليه، وهذا يعني، أن المستثمرين منذ فترة طويلة، قد لا تلحقهم الخسائر، ولكن هناك فرص ضائعة في مكان ما، وإحتساب الخسائر يتوقف على تاريخ الشراء وفي أي قطاعات».

هل سيُؤثر ذلك على جذب الإستثمارات مستقبلاً؟ يجيب خوري: «يُمكن النظر إلى الموضوع من ناحيتين، هناك مَن يرى، أن المرحلة الحالية فرصة للإستثمار في لبنان، لأن الأسعار في أدنى مستوياتها، سواء في العقارات مقارنة بالدول المجاورة، وهذا يمنح المستثمر الذكي والمحنّك فرصة لإغتنام فرصة الأسعار المنخفضة، لأن بلدنا صغير، ولديه مقومات كبيرة »، مشدِّداً على أنه «صحيح، أن لبنان يعاني مشكلات سياسية وطائفية، لكنه يملك مقومات بشرية كبيرة، ولا سيما خارج لبنان، وهذا يُبقيه على قيد الحياة».

يضيف خوري: «هناك مَن يقول: كيف يُمكن الإستثمار في مكان سبق أن خسرنا فيه، هذا سؤال مشروع، لكن بتجرد، وهذا رأيي الخاص، إن الفرص للإستثمار كبيرة جداً، لأن الأسعار متدنية جداً، ولن تنخفض أكثر من ذلك.

لكن متى سيُشكل القطاع المصرفي عامل جذب للمستثمر العربي قريباً؟ يجيب خوري: «هذا يتوقف على أداء الدولة اللبنانية، وتنفيذ الإصلاحات، لأننا أجّلنا تنفيذ الإصلاحات لمدة 30 عاماً، واليوم لا يُمكننا النهوض إلا من خلال تنفيذ الإصلاحات في مالية الدولة عبر تنفيذ خطة إقتصادية للبلد»، مشدِّداً على أنه «عندها يُمكن أن يستعيد القطاع المصرفي عافيته، وهذا ما حصل مثلاً في قبرص واليونان، وهذا ما لم يحصل في فنزويلا، لأن كل تطور إيجابي في القطاع المصرفي يتوقف على أداء الدولة اللبنانية لإستعادة الثقة به، وهذا ما يُمكّنه من إستعادة صحته خلال سنوات، أما إذا بقينا محاصرين ومعزولين كدولة عن محيطنا العربي وعن العالم الغربي، لن يتحسن الوضع».

إستثمارات عربية بأشكال متعددة

صوما: مستثمرون لبنانيون وعرب يُخطّطون للقيام

بإستثمارات عقارية في لبنان في الوقت الحالي

على ضفة المقاولين وتجار العقارات، يشرح رئيس جمعية منشئي الأبنية وتجارها في لبنان إيلي صوما لمجلة «إتحاد المصارف العربية»، قائلاً: «إن الخسائر في لبنان لم تطل المستثمرين العرب فقط، بل طالت اللبنانيين من مقيمين ومغتربين أيضاً، لأنهم جميعاً  كانوا يعتبرون لبنان بأنه «القجة» أي «الحصّالة» التي تُمكّنهم من وضع أموالهم فيها كضمانة لحياتهم ومستقبلهم»، لافتاً إلى «أن لبنان كان يتمتع بنظام معيشي وضرائبي مريح لهؤلاء الناس، إضافة إلى أن نظام الفوائد المرتفعة، ساهم في جذب الكثير من الإستثمارات إلى لبنان، وهذا أمر لم يكن ممكناً في بلدان الإغتراب».

ويشرح صوما «إن كل المستثمرين العرب واللبنانيين الذين يعملون في الدول العربية، كانوا يضعون إستثماراتهم بأشكال متعددة، إما عبر شراء العقارات، أو ودائع في المصارف، لذلك كل هؤلاء المستثمرين، تضرّروا منذ بداية الأزمة الراهنة، التي لم نشهد مثيلاً لها في تاريخنا».

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل سيبقى لبنان وجهة إستثمارية للغرب واللبنانيين في المرحلة المقبلة؟ يُجيب صوما: «هناك مستثمرون لبنانيون وعرب، يُخطّطون للقيام بإستثمارات عقارية في لبنان (أراض وشقق) في العاصمة بيروت، وفي مناطق المتن وكسروان، بمئات الملايين من الدولارات، لأنهم يعتبرون أن هذا الإستثمار في لبنان في الوقت الحالي، أمر مجد، نظراً إلى إنخفاض الأسعار من جهة، ولأن الإستثمار بالعقار لا يتمتع بمخاطر كبيرة من جهة أخرى»، مشدِّداً على «أن لدى المستثمرين إيمان، بأن لبنان سرعان ما يستعيد عافيته بعد إنتهاء الأزمة، وخصوصاً أن هناك الكثير من أصحاب العقارات في لبنان، تحتاج إلى مبالغ نقدية، ومستعدون لبيع عقاراتهم، شرط توافر السيولة النقدية (الكاش)، ولا سيما في ظل إستمرار الأزمة المالية، والشح في الحصول على الودائع من المصارف».

 ويختم صوما قائلاً: «إن لبنان منطقة مرغوبة للإستثمارات العربية، بسبب مناخه وتنوعه الثقافي، رغم كل الصعوبات التي يُواجهها في الوقت الراهن».

الخسائر في المصارف والمرافق السياحية

حبيقة:  المستثمر الذي خسر في لبنان يلزمه وقت قبل العودة

 وخصوصاً في القطاع السياحي

بالنسبة إلى الخبراء الإقتصاديين، فإن عودة الإستثمارات العربية إلى لبنان ليست سهلة، بحسب الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة، الذي يقول لمجلة «إتحاد المصارف العربية»: «إن الإستثمارات العربية، تأثّرت سلباً في لبنان، نتيجة الأزمة الراهنة، كبقية الإستثمارات اللبنانية، فالمصارف اللبنانية في غالبيتها خسرت أموالاً، كذلك الإستثمارات في القطاعات السياحية، وهناك العديد من الإستثمارات العربية في القطاع السياحي أقفلت أبوابها وتركت لبنان نهائياً»، مشيراً إلى «أن عودتها إلى لبنان ليس سهلاً، والمثال على ذلك، هو ما يحصل في الفنادق التي يملكها مستثمرون عرب، إذ تركوا لبنان، وفي قلبهم غصة، ولن يعودوا إليه، لأن خسائرهم كبيرة».

يضيف د. حبيقة: «إن المستثمر الذي خسر أموالاً في لبنان، يلزمه الكثير من الوقت قبل العودة إليه مجدداً، بل إنه سينتظر للتأكد على نحو أكثر، بأن الأوضاع الإقتصادية دّبت فيها الحياة، وإستعادت ولو جزءاً من عافيتها، وخصوصاً في القطاع السياحي، وفي ظل إنتشار جائحة كورونا، التي تركت أثراً سلبياً على القطاع في لبنان والعالم، لذلك، فالمستثمر يريد التأكد بأن الأمور عادت إلى طبيعتها سياسياً، وأمنياً، وإقتصادياً وصحياً قبل العودة إلى بلاد الأرز».

باسمة عطوي