سباق صيني – أوروبي لقطع الطريق أمام «ليبرا فيسبوك» – العدد 472

Download

سباق صيني – أوروبي لقطع الطريق أمام «ليبرا فيسبوك» – العدد 472

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 472 آذار/مارس 2020

«فيسبوك» تريد طرح عملة إفتراضية ذات طبيعة عالمية

سباق صيني – أوروبي لقطع الطريق أمام «ليبرا فيسبوك»

تشهد أسواق العملات حالة من الترقب والجدل في ضوء التطورات التي برزت أخيراً، فقد أيد مسؤولون في الحكومة الفرنسية والألمانية، خطط البنك المركزي الأوروبي لتطوير عملة رقمية منافسة لـ«ليبرا»، التي يخطط لإطلاقها موقع التواصل الاجتماعي الشهير «فيسبوك».

وتهدف العملة، التي يخطط الأوروبيون لطرحها في الأسواق، في الأساس إلى قطع الطريق على عملة الفيسبوك المرتقبة، التي يعتقد الخبراء في المركزي الأوروبي، أنها يمكن أن تشكل خطراً على القطاع المالي الأوروبي، ما لم يتم التصدي لها أو تحييدها مبكراً، حتى إن وصل الأمر إلى منع تداولها داخل بلدان الاتحاد الأوروبي.

وفي الواقع، فإن «ليبرا» فيسبوك أثارت جدلاً بين المصرفيين وخبراء العملات الرقمية، ففي شهر حزيران (يونيو) الماضي كشفت شركة فيسبوك عن رغبتها في طرح عملة افتراضية ذات طبيعة عالمية، ما أثار حفيظة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عدها عملة منافسة بشكل مباشر للدولار.

وفي الحقيقة، فإن اسم العملة الافتراضية المقترحة من «فيسبوك» واختيار مسمى «الميزان» لها، لم يأت من فراغ أو اعتباطيا، لكنه بمنزلة رسالة للجميع بأن «ميزان» العملات الافتراضية والمعيار، الذي يحدد وضع كل عملة سيكون العملة الافتراضية الجديدة لـ«فيسبوك»، وهو ما أثار حفيظة كثير، سواء في القارة الأوروبية أو حتى الولايات المتحدة الأميركية.

وأحدث إظهار «فيسبوك» اهتمامه بعالم العملات الافتراضية، اهتماماً جديداً بالعملات الافتراضية ذاتها، فزاد الطلب، وارتفع الاتجاه العام للأسعار، وأظهر المضاربون ورجال الأعمال ورؤساء مجالس صناديق التحوط، اهتماماً ملحوظاً بالعملات الافتراضية، بعد أن أظهرت شركة فيسبوك اهتماماً بهذا العالم.

وتواكبت تلك التطورات مع تطور آخر يتعلق بإعلان الصين بأن بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) سيطلق قريباً عملة افتراضية قادرة على تدعيم السياسات الائتمانية والنقدية، وتعزز قوة اليوان وتداوله، لكن تصريحات المسؤولين الصينين كشفت أيضاً عن قلق من عملة الفيسبوك الافتراضية، إذ طالبوا بوضع العملات الافتراضية أو الرقمية تحت إشراف البنوك المركزية، بدعوى منع المخاطر المحتملة على الصرف الأجنبي، وحماية سلطة السياسة النقدية، وأوضح الصينيون مبكراً موقفهم من «ليبرا فيسبوك» قائلين إنهم سيتعاملون معها باعتبارها عملة أجنبية ستوضع في إطار إدارة النقد الأجنبي في الصين.

لكن ما يمكن وصفه بالمنافسة ثلاثية الأبعاد بين الاتحاد الأوروبي والصين و«فيسبوك»، يطرح عديداً من التساؤلات، التي لا تتعلق فقط بعالم العملات الافتراضية، لكنها ترتبط بشكل ملحوظ بصراع اقتصادي عالمي يتحول من الحرب التجارية إلى حرب العملات ثم إلى حرب العملات الافتراضية.

إلا أن واقعية المنافسة الأوروبية – الأميركية – الصينية في عالم العملات الافتراضية، مثار جدل بين كبار الاقتصاديين. فبينما يعتقد بعضهم أنها لا تتجاوز حدود المنافسة الطبيعية في مجال اقتصادي، باتت التوقعات المستقبلية بشأنها إيجابية بشكل ملحوظ، فإن آخرين يعتقدون أن الأمر أوسع نطاقاً وأكثر تعقيداً من ذلك، وأنه جزء من منافسة كونية تسعى فيها تلك القوى لرسم خطوط السيطرة الاقتصادية المستقبلية في قطاع واعد للغاية.

البروفيسور دوجلاس هربرت، رئيس سابق للجنة المالية العامة في الحكومة البريطانية، «يعتقد أن هناك سباقاً قوياً محموماً ومكتوماً حتى الآن بشأن العملات الافتراضية، وبعيداً عن موقف الرئيس ترامب السلبي من العملة الافتراضية، التي يخطط «فيسبوك» لإطلاقها، واعتقاده بأنها ستؤثر في مكانة الدولار الدولية، فهذا الموقف في الحقيقة يعكس صراعاً أيضاً بين رجل أعمال تقليدي مثل ترامب، والأجيال الشابة التي تتحكم في مفاتيح التكنولوجيا، فترامب تنحصر مفاهيمه في التعامل مع الدولار وعلاقته بالاقتصاد الأميركي. «فيسبوك» وعملتها لا تطيح بالدولار لمصلحة عملة غير أميركية، وإنما لمصلحة عملة أميركية أخرى هي ليبرا، وهذا تحديداً ما يفهمه الجانب الصيني والأوروبي، ولهذا يسعون سريعاً لإنتاج عملة افتراضية قادرة على منافسة العملة الافتراضية الأميركية الجديدة».

ويعتقد هربرت أن الجانب الأميركي أكثر ذكاء من الأوروبيين والصينيين في ما يتعلق بالعملة الافتراضية، ويستدرك قائلاً: «العملتان الرقميتان الصينية والأوروبية، ستعانيان الطبيعة البيروقراطية في عملية إنتاجهما، إذ إنهما في الواقع امتداد لليوان الصيني واليورو الأوروبي، أما «ليبرا فيسبوك» فذات شأن مختلف، فهي مدعومة بقوة الاقتصاد الأميركي، لكنها متحررة من جميع القيود الناجمة عن الانتماء لمؤسسة رسمية، ولذلك ستكون أكثر مرونة في الحركة، وربما في المراحل الأولى ستتعرض لهزات وتتلقى صفعات من قبل نظيرتها الافتراضية الصينية والأوروبية، لكنها في الأمد الطويل سيكون لها قصب السبق».

الاقتصادية 26-9/2019