سرعة العملة الرقمية البتكوين  لا تعرف حدوداً ولا حواجز

Download

سرعة العملة الرقمية البتكوين  لا تعرف حدوداً ولا حواجز

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 492 - تشرين الثاني/نوفمبر 2021

سرعة العملة الرقمية البتكوين  لا تعرف حدوداً ولا حواجز

منذ إبتكارها في العام 2009 وهي تنمو وتتوسع من بين غالبية العملات الرقمية الأخرى، متجهة نحو 70 ألف دولار وأكثر في سعر تخطى سعر كيلو الذهب (59 ألف دولار). وينظر إليها المستثمرون على أنها السلاح المتوقع ضد التضخم، وتتمتع بميزات في هذا المجال أكثر من ميزات الذهب، وهو أيضاً إستثمار ملجأ من التضخم.

رغم تقلّبها وبأحجام كبيرة نحو الهبوط، إلاّ أنها عندما تستعيد نشاطها، فتنمو بنسب خيالية، حيث تضاعف سعرها في غضون الأشهر الثلاثة الأخيرة، مقتربة من 70 ألف دولار، ولا سيما في أجواء إقتصادية عالمية تشهد موجة تضخم مرتفعة في أميركا وأوروبا وباقي بلدان العالم، التي عانت جرّاء تداعيات وباء الكوفيد، حيث عادت الأسواق.

أسعار المواد تنتعش بعد فترة إغلاق وتعطل المحرك الإقتصادي العالمي. فبدت عملة البتكوين على أنها ملجأ للمستثمرين في زمن الأزمات، وهروباً من قصف التضخم الذي قد يطال رؤوس أموالهم.

ورغم الحذر الذي أبداه المستثمرون والسلطات النقدية العالمية من هذه العملة في البداية، ومن غالبية العملات الرقمية التي تتقلب وبشكل كبير، لا تزال الصناعة المصرفية تُواصل في وضع بصماتها في العالم النقدي الرقمي، وهو الآتي بصمت، ويكسب مواقع في الأسواق العالمية، رغم منع السلطات الصينية (الصين ثاني إقتصاد في العالم)، تصنيع وإنتاج هذه العملة على أراضيها، وهي أي البتكوين، التي تم إبتكارها في عزّ الأزمة المالية العالمية في العام 2009 الناجمة عن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة.

عملة البتكوين تفرض نفسها اليوم الأقوى والأبرز (وهي كذلك) من بين العملات الرقمية الأخرى في عالم إفتراضي من المعاملات والمصارف. فهي عملة لا تخضع لرقابة السلطات المصرفية ولا لمراقبة من البنك المركزي للبلد الذي يتعامل فيها.

وبحسب مواقع العملات الرقمية، سجلت عملة البتكوين إرتفاعاً بأكثر من 20 % خلال شهرين (أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2021)، كما سجّلت تحسّناً بنسبة 450 % منذ بداية العام 2021. فلا شيء يُمكن أن يقف في وجهها أو على الأقل يُحدّ من تقدمها السريع.

– فهذه العملة وبالتحديد في الولايات المتحدة وأوروبا، آخذة بالتمدد. علماً أن السلطات في هذا المكان من العالم تطالب بتنظيم وضبط تحرك هذه العملة الرقمية، التي تخضع للمعلوماتية. فأصبحت عملة البتكوين تتمركز في ثروات مالية لمستثمرين كبار، وتُلاقي رغبة متزايدة في إقتنائها من قبل الأفراد، وتُعزز مواقعها أيضاً في مالية الشركات والمؤسسات، وتجذب عمالقة الصناعة المصرفية وعلى رأسها عمالقة الدفع مثل «ماستركارد» و«فيزاكارد».

– فعملة البتكوين تتقدم، ولا ينفع معها رفض بعض الدول التعامل فيها، ولا تتوقف بعض المؤسسات الكبرى عن إستعمالها مثل Tesla، وباتت تُنافس الذهب كإستثمار ملجأ.

إن التألق الذي تشهده هذه العملة الرقمية، يتزامن مع أسوأ ركود إقتصادي يشهده العالم منذ العام 1930. وقد بدأ المستثمرون ينظرون إليها على أنها الحماية الممكنة من منظومة مالية مهدّدة نتيجة تداعيات الأزمة الصحية الناجمة عن وباء الكوفيد، والتي إستفاد منها معدن الذهب أيضاً، وسجل قفزات جديدة، إنما باتت عملة البتكوين تنافس هذا المعدن، لأنه وبنظر المختصين يعاني رغم تألقه معوقات مثل: إرتفاع تكلفة تخزينه، وسهولة التصرف به. ويكفي أنه يتعرض لتقلب العملات العالمية، حيث ينخفض ويرتفع سعره مع تقلب سعر صرف العملات هذه. بينما عملة البتكوين موجودة ضمن منظومة معلوماتية وسهلة الوصول أينما كان، من خلال مفاتيح مشفّرة في سجل حسابات غير قابل للتلاعب فيه. وأكثر من ذلك إن عملة البتكوين مستقلة كلياً عن السلطات الحكومية والنقدية.

لكن ومع ذلك، لا يُمكننا حتى اليوم وبعد 12 عاماً على ولادتها، أن ندفع ثمن فنجان قهوة في مقهى بواسطتها، كما قالت جانيت يلن وزيرة المال الأميركية الحالية ورئيسة الإحتياطي الفدرالي السابقة.

فالذهب معترف به في كل زاوية على وجه الكرة الأرضية، فيما البتكوين لا تستند قيمتها على شيء واضح، وبعيدة كل البعد من الإعتراف بها على صعيد كافة بلدان العالم، وإن كان التعامل فيها يُسجل مستويات خيالية بين المستثمرين والأفراد، لكنها لا تزال منبوذة من قبل البنوك المركزية وغير مستحب تبنّيها في الوقت الحاضر، ولا تخضع لمبادلة العملات على شبابيك الصرّافين والبنوك، ومرفوضة من الغالبية الكبرى لدى التجار.

نقطة مشتركة واحدة ربما تجمع بين معدن الذهب وعملة البتكوين وهي أن كلا الإثنين مرغوب بالحصول عليهما، وأنه مما لا شك فيه بأن عملة البتكوين سينتهي الأمر بها لتصبح عملة فعلية مع مرور الزمن، رغم التردّد اليوم الذي نراه في بعض البلدان، ولا سيما الصين التي تُعتبر أرضاً معدنية خصبة لصك البتكوين، لتكون في جيب المستهلكين.

إن حسنة البتكوين اليوم أنه يُمكن أن ننقل مئات المليارات منها من بلد إلى آخر حول العالم بواسطة المعلوماتية، مثلما نحتاج إلى شاحنات تنقل أوراقاً نقدية.

مازن حمود/باريس

محلل إقتصادي ومالي