سياسة سعر الفائدة السلبي للبنوك الأوروبية منذ 2014 حتى اليوم

Download

سياسة سعر الفائدة السلبي للبنوك الأوروبية منذ 2014 حتى اليوم

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 485 - نيسان/أبريل 2021

إعتماد البنك المركزي الأوروبي

سياسة سعر الفائدة السلبي للبنوك الأوروبية منذ 2014 حتى اليوم

مَن الخاسر ومَن المستفيد؟

أمام التداعيات السلبية التي شهدتها منطقة اليورو، نتيجة أزمة اليونان المالية في العام 2010، ومن ثم إيرلندا، وإسبانيا، وقبرص، وإيطاليا، وقبلها أزمة الرهن العقاري الأميركية، وما تحمّلته بنوك المنطقة من أصول معدومة، إعتمد البنك الأوروبي المركزي، وكما تسمح له المعايير، سياسة سعر فائدة سلبي في إتجاهين. الأول بإتجاه القروض للبنوك على المدى الطويل، والثاني بإتجاه الأموال التي تودعها البنوك لدى البنك المركزي ولكل سعر فائدة من هذين السعرين هدف.

الهدف من سعر فائدة سلبي بإتجاه القروض للبنوك، هو مساعدة المصارف على مواجهة الأزمة، ومواكبتها في سياسة الإستثمار المصرفي. أما الهدف من سعر فائدة سلبي بإتجاه أموال البنوك المودعة لدى البنك المركزي لأجل، فهو لحث البنوك على إستخدام هذه الأموال في إقراض المؤسسات والأفراد لدفع العجلة الإقتصادية في منطقة اليورو، بدلاً من إيداعها لدى البنك المركزي لآجال قصيرة مقابل الفائدة. ومن هنا قرر البنك فرض فائدة سلبية، بمعنى أن البنك المودع لدى البنك المركزي يدفع فائدة بدلاً من الحصول عليها.

أمام هذه الظاهرة المستمرة منذ نحو ثمانية أعوام، قامت شركة Deposit Solutions الألمانية، وهي إحدى شركات Fintech، بدراسة حول الموضوع، وتبيّن لهذه الشركة أن فاتورة البنوك الأوروبية بلغت حوالي 44 مليار يورو منذ العام 2014، نتيجة سياسة الفوائد السلبية، منها حوالي 8,5 مليارات في العام 2020 فقط، مقارنة بـ 6.7 مليارات في العام 2019 بحسب الدراسة ذاتها.

من بين هذه الأرقام، وفي العام 2020، تحمّلت البنوك الألمانية 2,7 مليار، والفرنسية 2,5 مليار، ما يُعادل تقريباً نسبة 60 % من مجمل 8,5 مليارات.

حصة ألمانيا وفرنسا هذه من تحمّل الأعباء، تُفسر حجم الودائع الكبيرة والإدخار المصرفي في جداول بنوك هذه الدول المالية.

رغم الأعباء الهائلة لسعر الفائدة السلبي، التي تتحمّلها البنوك الأوروبية، والتي تختلف من بلد إلى آخر، ومن بنك إلى آخر، حيث حجم البنوك وودائعها، فإن البنك المركزي مستمر في هذه الآلية، في وقت تزداد فيه أحجام الإدخار نتيجة قلّة المصاريف في زمن الكورونا، وفي المقابل نتيجة الإستمارات تقل عن نسبة الإدخار. والإستمرار على هذا النحو، سيؤدي بالبنوك في منطقة اليورو لخسائر في العائد. مع العلم، أن البنك المركزي الأوروبي، وضع إجراءات عدة للحد من تحمّل الأعباء الناجمة عن الفائدة المصرفية السلبية مثل نظام Tiering الذي يهدف إلى إعطاء بعض الودائع المصرفية من سعر فائدة تحت الصفر.

وكما لفتنا في مطلع هذا النص، إلى وجود سعري فائدة مصرفية سلبية، فإن أحد السعرين يُخفّف من ضرر الآخر. بمعنى أن البنك المركزي الأوروبي يسمح للبنوك الإقتراض منه قروضاً على المدى الطويل (TLTRO) بسعر فائدة (-1 %)، هذا السعر يلعب دور المخفف من ضرر الفائدة على إيداع البنوك أموالها لدى البنك المركزي، والمقدر بنحو (0,5 %-). فالبنوك تستدين وتسدد أقل مما إقترضت بواقع 1 %، فيما إذا أودعت أموالها لدى البنك المركزي فتدفع عليها 0,5 %.

لذلك، فإن مقولة أن الإدخار الكبير للزبائن في البنوك، نتيجة تراجع الإستهلاك والمصاريف السياحية، خلال مدة كورونا، قد تزيد من حجم الأموال داخل المصارف (هذا مسموح). لكن في المقابل، فإن البنوك التجارية ملزمة وضع فائض الأموال لدى البنك المركزي. وهذا التوفير في أموال المودعين، إذا أودعته البنوك في المركزي، فستدفع عليه.

إذاً، لا إفادة في هذه الحالة، من إرتفاع حجم أموال المدخرين بالنسبة إلى البنك الذي يأوي هذه الودائع.

وبالنسبة إلى زيادة حجم الإدخار في منطقة اليورو، خلال فترة تفشي الجائحة، فإن فرنسا من بين الدول التي وفّر المودعون فيها أرقاماً خيالية، فاق المئتي مليار من أموالهم هذه في حساباتهم الجارية في مصارف فرنسا.

إن تحمّل البنوك الفرنسية لأعباء الفائدة السلبية المعتمدة لدى البنك المركزي الأوروبي، بحجم 2.5 مليار يورو في العام 2020، يُشكل نسبة 6,4 % من نتائج البنوك المالية العملية قبل حسم الضرائب، فيما في ألمانيا تصل النسبة هذه إلى حدود الـ 17 %.

 

أمام هذا الواقع، هناك واقع مقابل، ألا وهو أن إستعادة البنوك الفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية من برنامج القروض، طويلة الأجل TLTRO التي تحصل عليها من البنك المركزي الأوروبي، على فائدة 0,5 %، أمّنت لهذه البنوك عائداً من الفائدة بحجم 8,4 مليارات يورو، حوالي 70 % منها تعود إلى البنوك الفرنسية والألمانية والإيطالية.

إنطلاقاً من هنا، نجد أن الفارق بين تحمّل أعباء الفائدة السلبية على ودائع البنوك لدى البنك المركزي، والأخرى على القروض التي تحصل عليها البنوك من البنك الأوروبي المركزي أيضاً، تختلف من بلد إلى آخر.

وعلى سبيل المثال، ومن بين الجهات الخاسرة، نجد أن فرنسا سجّلت بنوكها رصيداً سلبياً بحجم 400 – مليون يورو، وبنوك ألمانيا سجّلت رصيداً سلبياً أيضاً بواقع يفوق المليار يورو، فيما بنوك إيطاليا حققت رصيداً رابحاً بنحو مليار ونصف المليار، وإسبانيا حققت هي أيضاً رصيداً رابحاً بنحو المليار.

النتيجة، إن بنوك جنوب أوروبا إستعادت أكثر من غيرها من الفارق بين الفائدة السلبية على القروض طويلة الأجل TLTRO، والفائدة على ودائع البنوك لدى البنك المركزي.

إن إستعادة بنوك إيطاليا وإسبانيا من الفارق قد يدفعها للإقتراض من أكثر من بنك أوروبا المركزي. لكن المضي في هذا الطريق، قد لا يكون في مصلحتها، وقد تدمن عليه، وبالتالي فإن الديون ستُراكم عليها، عندما يحين سداد هذه القروض.

ويجب ألا ننسى بأن البنوك الإيطالية، تكافح في قتالها مع الأصول المعدومة، كما يجب أن لا ننسى أيضاً أن مشاكل البنوك الإسبانية بعد إندلاع أزمة اليونان، إستدعى تضافراً أوروبياً واسعاً أدى إلى إنشاء إتحاد مصرفي أوروبي يُعنى بالأزمات المصرفية.

مازن حمود

محلل إقتصادي ومالي – باريس