شبح الـ Deflation يدق أبواب ألمانيا ويهدد البنك المركزي الأوروبي

Download

شبح الـ Deflation يدق أبواب ألمانيا ويهدد البنك المركزي الأوروبي

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 478 - أيلول/سبتمبر 2020

شبح الـ Deflation يدق أبواب ألمانيا

ويهدد البنك المركزي الأوروبي

ظاهرة هبوط الأسعار في ألمانيا هذا الصيف، أثارت علامات إستفهام وتساؤلات حول قدرة هذا الإقتصاد الأول في منطقة اليورو على مواجهة هذه الظاهرة التي هددت اليابان على مدى ثلاثة عقود، نجا منها الإتحاد الأوروبي بعد أزمة الرهن العقاري الأميركية التي إندلعت في العام 2008.

وهذه المرة عادت ظاهرة هبوط الأسعار لتدق أبواب أكبر إقتصاد في منطقة اليورو، وذلك كأحد تداعيات وباء كوفيد 19 على إقتصادات المنطقة. ولهذه الظاهرة، إذا إستقرت لفترة في إقتصاد ما، تداعيات كثيرة محلياً على صعيد الإستهلاك، وعالمياً كنظرة الشركاء لألمانيا والمستثمرين في إقتصادها.

واقع الحال، إن وباء كورونا وكما وزع رعبه على إقتصادات كثيرة حول العالم، حاولت ألمانيا أن تواجهه من خلال دعم السوق الإستهلاكية مطلع صيف 2020، بعد تداعيات إستمرت طوال فترة الربيع، وعملت السلطات على تخفيض ضريبة القيمة المضافة TVA، لفترة مرحلية لتدعم القدرة الشرائية التي فضّلت البقاء في جيب المواطن نتيجة الحجر والخوف من التسوق أيضاً. وإتضح أن معدل التضخم في ألمانيا سجل نسبة سلبية في آب/ أغسطس، قياساً بتموز/ يوليو، وأسعار الطاقة هبطت بنحو 6 %، فيما سجلت أسعار السلع الغذائية تحسناً بنسبة 0.7 %، لكن تبقى أدنى بكثير من نسبة إرتفاع في أسعار هذه المواد سجلها شهر حزيران/ يونيو وبواقع 4 %.

إنطلاقاً من هنا، بدأت ملامح تراجع الأسعار تظهر على الوضع الإقتصادي – الألماني والذي يُعتبر قدوة إقتصادات اليورو عادة. والملامح هذه برزت مع تراجع مؤشر IPCH الذي يُعتبر مقياس حركة الأسعار على الإستهلاك، ويعتمده البنك المركزي الأوروبي BCE في حساباته لمقياس حكة التضخم في منطقة اليورو.

فالإقتصاد الألماني سجل حركة أسعار مناقضة للمسعى الحكومي من أجل تشجيع حركة الإستهلاك والتي دخلت حيّز التطبيق في أول تموز/ يولي

و من خلال تخفيض الضريبة على القيمة المضافة TVA، وسجلت حركة الأسعار نهاية تموز/ يوليو معدلاً سلبياً، وتراجعت بنسبة 0.1 -% بعدما عرفت الأسعار إرتفاعاً في حزيران/ يونيو بنسبة 0.9 %، واستمر التراجع في شهر آب/ أغسطس بشكل مماثل للشهر الذي سبقه.

هذه الظاهرة عندما تضرب إقتصاداً ما، ينتج عنها تداعيات كثيرة، وسببها عادة تراجع القدرة الإستهلاكية، الأمر الذي يتسبّب بأمور سلبية للإقتصاد، أبرز ما فيها تباطؤ حركة الإنتاج والتصنيع بإنتظار تصريف البضائع في الأسواق، وهذا بدوره قد يدفع أصحاب الشركات المصنِّعة والمنتجة إلى تسريح عدد من الموظفين، مع تراجع لحجم المبيعات، كما يؤثر على حركة التجارة ولا سيما الإستيراد من السلع الضرورية. المستهلك بدوره قد يلعب دوراً في تفاقم هبوط الاسعار عندما يرى أن ثمن السلع ينخفض، فعندئذ سيُفضّل الإنتظار معتقداً أن الأسعار ستنخفض أكثر ليشتري عند مستوى منخفض. وهكذا تتمدد تداعيات هبوط الأسعار وتؤثر سلباً على السوق الداخلية، وعلى السمعة العالمية لإقتصاد هذا البلد.

البنك المركزي الأوروبي وبعد أزمة العقارات الأميركية، ودخول منطقة اليورو في أزمة مالية أشعلتها اليونان أدت أيضاً إلى حركة أسعار سلبية للسلع في المنطقة، وعمل على مراحل من أجل تخفيض سعر الفائدة للبنوك، وطالبها بالمقابل القيام بتخفيض الفائدة للمستهلك والمستثمر من أجل تشجيع القروض الإستهلاكية، وبالتالي دفع عجلة الشراء لإنتشال نسبة التضخم السلبية من المنطقة.

نسبة التضخم مؤتمن عليها البنك المركزي الأوروبي كأي بنك مركزي في العالم، ويحاول دائماً الإبقاء على سعر وسطي للفائدة بين دول المنطقة قريب من 2 %.

وفي حال ألمانيا التي تُعتبر القائد الأعلى للقوى الإقتصادية في اليورو، فقد تؤثر سلباً على سياسة البنك المركزي ومسعاه للحفاظ على مستوى تضخم عند 2 % أو أقل بقليل. فالبنك الأوروبي يتدخل في حال تعدّت نسبة التضخم المعدل الوسطي وفي حال تدنّت عنه بكثير.

الخوف من ظاهرة الـ Deflation يكمن في حال إستمرت هذه الظاهرة لأشهر، فيصبح من الصعب على البنك المركزي مواجهتها، وفي الحالة الألمانية ليس في مقدور البنك المركزي الألماني العمل على وقف تدحرج الأسعار لوحده، فهناك بنك مركزي أوروبي هو صاحب القرار منذ تأسست منطقة اليورو، وهو الذي يتصرف بخفض الفائدة أو رفعها.

وفي حالة إرتفاع الأسعار Deflation يعمل البنك المركزي على رفع الفائدة لمواجهة هذه الظاهرة في حال تخطت المعدل الوسطي، وذلك من خلال جعل القروض عالية الثمن، وأيضاً لإغراء الزبائن لإيداع جزء من الأموال في الإدخار لتبريد حركة الإستهلاك التي تدفع بالأسعار إلى الأعلى مع زيادة الطلب.

وفي حالة الـ Deflation يضطر البنك المركزي إلى خفض الفائدة وجعل القروض رخيصة لإغراء المستهلكين على الشراء، وتالياً رفع الأسعار تدريجياً، ودفع عجلة الشركات من جديد، وتفادي كساد السلع وتسريح العمال من الشركات.

هذه الظاهرة ضربت اليابان منذ أزمة المال الآسيوية في التسعينيات من القرن الماضي، وظلت تعاني منها حتى أيامنا هذه. أما ظاهرة Disinflation، فهي تعني تباطؤاً في إرتفاع الأسعار، لكن يبقى في المستوى الإيجابي على عكس ظاهرة الـ Deflation التي تصل إلى ما دون الصفر.

فألمانيا المهددة برؤية أسعارها سلبية هذه الأيام بسبب كورونا، عرفت إنخفاضاً تاريخياً لناتجها المحلي الإجمالي في الفصل الثاني من العام 2020 زاد على 10 %، ويُعتبر الركود الأقوى الذي لم تشهده البلاد منذ فترة ما بعد الحرب، وهذا الإنخفاض كان سبباً مباشراً لتراجع الأسعار إلى ما دون الصفر، رغم علامات الإنتعاش التي تظهر على الإقتصاد من حين لآخر. وللمقارنة وفي عزّ الأزمة العقارية الأميركية، وعشية فقاعة أزمة المال في منطقة اليورو، سجّل الإقتصاد الألماني إنكماشاً بنسبة 4.7 % في الفصل الأول من العام 2009، فيما تداعيات كورونا وصلت إلى أكثر من ضعفي ذلك في العام 2020. فظاهرة إنخفاض الأسعار اليوم في منطقة العملة الموحدة قد يُغذيها إرتفاع اليورو الذي وعد البنك المركزي الأوروبي العمل على إستقراره.

الإقتصاد الألماني يقوم بالدرجة الأولى على التصدير، إضافة إلى قطاع الإستهلاك الداخلي. فالصادرات تاثرت بسبب الوباء العالمي والحركة الإستهلاكية أيضاً.

من هنا قررت برلين مطلع الصيف تخصيص حزمة مالية بواقع 130 ملياراً من اليوروهات موجهة لدعم حركة الإستهلاك تشمل الضريبة على القيمة المضافة TVA فقط، وتخصيص 300 يورو لكل طفل في عائلة، كما ستستفيد ألمانيا من البرنامج الإنقاذي الأوروبي بواقع 750 مليار يورو الذي تقرر في بروكسل في تموز/ يوليو الماضي ودعمته ألمانيا بشكل كبير.

فهل ستستطيع ألمانيا بفضل هذه المليارات إقناع الألمان على تحرير جيوبهم والسخاء في المشتريات لتنقذ أكبر إقتصاد في منطقة اليورو من رعب تراجع الأسعار الذي يُصيب الكبار والصغار؟؟l

مازن حمود

محلل مالي وإقتصادي/باريس