طريق الحرير الجديد مشروع عملاق لإيصال منتجات الصين إلى الأسواق العالمية

Download

طريق الحرير الجديد مشروع عملاق لإيصال منتجات الصين إلى الأسواق العالمية

مقابلات
العدد 478 - أيلول/سبتمبر 2020

طريق الحرير الجديد مشروع عملاق

لإيصال منتجات الصين إلى الأسواق العالمية

ليس من المبالغة القول، إن طريق الحرير الصيني الجديد بشقّيه البرّي والبحري، يُعيد حياكة العلاقة الإقتصادية والسياسية والثقافية العالمية في القرن الـ 21 لوصل ما إنقطع من علاقات بين الدول، تماماً كما تحقق عند إنطلاقه ما قبل الميلاد، وتحديداً في القرن الثاني (قبل الميلاد) حيث ربطت شبكة الطرق البرية والبحرية الصين بأوروبا والشرق الأوسط، بطول يتعدى 10 آلاف كيلومتر.

اليوم طريق الحرير الجديد بات مشروعاً عملاقاً يُعرف رسمياً بإسم «الحزام والطريق»، حيث تُشارك فيه 123 دولة، وتُريد الصين من خلاله تسريع وصول منتجاتها إلى الأسواق العالمية، بما في ذلك آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الجنوبية والوسطى، ويهدف إلى ربط الصين بالعالم عبر إستثمار مليارات الدولارات في البُنى التحتية على طول طريق الحرير التي يربطها بالقارة الأوروبية، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية، ويشمل ذلك بناء مرافىء وطرق وسكك حديدية ومناطق صناعية، مع ما يترافق مع ذلك من  التداخلات في المشهد السياسي والإقتصادي العالمي الذي سيُولده هذا الطريق .

 ومن المفيد التذكير في هذا السياق، أنه أُثيرت مبادرة «الحزام والطريق» المتطورة في الصين للمرة الأولى من الرئيس الصيني شي جين بينغ في العام 2013، وأطلقتها الحكومة الصينية رسمياً في مارس/ آذار 2015 بإسم «الرؤية والتحرك» بغية الدفع بالتشارك في بناء الحزام الإقتصادي لطريق الحرير وطريق الحرير البحري للقرن الحادي والعشرين.

ورغم أنّ الصين قد لا تجد صعوبة كبيرة في تمويل طموحات طريق الحرير، وهي تخطو خطوات ثابتة لتحقيق هذا الهدف في أماكن عدة ومنها منطقتنا العربية (الإتفاقيات الإستثمارية التي وقعتها مع المملكة العربية السعودية الشريك الأكبر للصين في منطقتنا لإعادة إحياء هذا الطريق، بالإضافة إلى تعاونها مع مصر)، فمن المرجَّح أن تواجه الصين مقاومة سياسية لإعاقة تنفيذ هذه الطريق، وخصوصاً في ما يتعلق بالطريق البحري، فضلاً عن علاقاتها المتوترة مع كل من جارتيها الهند وباكستان واللتين تُعدان من الشركاء الأساسيين لتنفيذ هذا المشروع، بالاضافة إلى الخوف الجيوسياسي الدولي، وبخاصة لدى الولايات المتحدة الأميركية، التي ترى في المبادرة محاولة صينية للسيطرة الإقتصادية والسياسية في آسيا وأوروبا وأفريقيا، إذ يعتبر أحد الباحثين أن الغرب سيطر على العالم من خلال الهيمنة السياسية، ثم تحكّم بإقتصاده، أما الصين فإنها تعمل بالطريقة المعكوسة، فهي تُحاول أن تُسيطر على العالم بأدقّ تفاصيله الإقتصادية أولاً، لتتحكّم به بعد ذلك سياسياً.

«كل ما سبق يعني أن الصين تُريد أن تقول للعالم من خلال إعادة إحياء طريق الحرير، أن أثمان العزلة أكبر بألف مرة من متاعب التكيّف، وأنها تريد أن تتبادل مع العالم أجمع المصالح والخبرات، أي التعليم وفرص العمل وتحرير الطاقات والإنخراط في صناعة العالم الجديد، وهذا هو مضمون خطاب الرئيس الصيني شي جين بينغ  الذي زار في النصف الثاني من شهر كانون الثاني/ يناير 2016، بعض دول الشرق الأوسط ومنها، إيران، والمملكة العربية السعودية ومصر، وقد قال في خطابه في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة: «إن التبادلات بين الصين ومنطقة الشرق الأوسط تجاوزت حواجز المكان والزمان، ولإستمرارية هذه العلاقات الوطيدة بين الجانبين، تُشارك الصين بشكل أكثر إيجابية في شؤون منطقة الشرق الأوسط، وهي تأمل في أن يؤدي ذلك إلى جعل أصدقائها القدامى أكثر قرباً منها، وإلى تعزيز الثقة مع أصدقائها الجدد».

إنطلاقاً من كل ذلك من المفيد البحث عن أهمية هذا الطريق عالمياً دولياً وعربياً ولبنانياً أيضاً، وكيف يُمكن الولوج عبره الى طرق عيش أفضل، وخصوصاً أن هناك شكوكاً غربية حول الأهداف الجيوسياسية للصين من خلال تنفيذها طريق الحرير البري والبحري الجديد، فهل يُمكن أن يكتمل هذا المشروع ويصل إلى نهاياته السعيدة في ظل عدم الحماس الغربي والأميركي له وقدرتهما على إعاقته؟

يُجيب وزير المال اللبناني السابق الدكتور جورج قرم بالقول:«إن تنفيذ طريق الحرير البحري والبري الجديد ممكن، لأن هناك دولاً موافقة على هذا المشروع، ومن بينها  دول أوروبية وأهمها إيطاليا، وهذا يعني تقدّمه، وأعتقد أن الدول العربية ولبنان من ضمنها لن تمانع في المشاركة في هذا المشروع، وهذا ما رأيناه في المملكة العربية السعودية حيث إن التعاون الإقتصادي وثيق بين المملكة والصين».

ويضيف قرم: «هناك مستويات عدة للتعاون بين الصين والدول التي تمر بها الطريق، والأمر ليس أبيض أو أسود، ففي ما يتعلق بلبنان مثلاً، إقترحت الصين منذ نحو 10 سنوات أن يتحوّل معرض طرابلس الدولي إلى منطقة صناعية على البحر، لكن هذا الأمر لم يتم بسبب العقبات التي واجهته ومنها الولايات المتحدة الأميركية التي وضعت معوقات أمام المشاريع الصينية».

ويتابع قرم: «يشهد الإقتصاد العالمي المزيد من النشاط والنمو الإقتصادي، ففي أفريقيا المبادلات بين الصين والدول الافريقية تتزايد عاماً بعد عام، وهناك تحركات مضادة للوجود الصيني من مصادر أميركية في كثير من الأحيان، فحين تقوم شركات أوروبية وأميركية بإستثمارات في أفريقيا تُهلّل لها الصحافة الغربية، وتصف الفوائد الجمّة للإستثمارت الغربية في هذه الدول، أما الإستثمارات الصينية في هذه الدول، فهي عرضة للهجوم من قبل الدول الغربية، وتُصبح معادية للشعوب، إنها لعبة الأمم».

من جهته يرى الخبير الإقتصادي الدكتور محمد سليم وهبه (أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية) أنه «من الطبيعي أن يكون لطريق الحرير التي تجمع حدوداً إقتصادية جديدة بين الصين وأوروبا والهند وأفريقيا، مخاطر عديدة، أولها المخاطر السيادية للولايات المتحدة الاميركية، والتي برزت في إجتماعات بابوا في غينيا الجديدة لقادة منتدى التعاون الإقتصادي لمنطقة آسيا الباسيفيك (أبيك) في 18/11/2018، حيث ضغطت الولايات المتحدة لعدم التوصّل الى بيان مشترك موحد. والإستراتيجية الصينية التي تقدم الإقتصاد على السياسة حقّقت خطوات متقدمة على صعيد إنجاز الطريق، واضعة في ذلك ثابتة تاريخية تعود الى عام 3000 قبل الميلاد، لترسيخ الفكرة وتثبيتها، حتى ولو كانت التسمية تعود إلى طريق الحرير في العام 1877م، حيث كانت تربط بين الصين والجزء الجنوبي والغربي لآسيا الوسطى والهند».

ويضيف وهبه: «هذه الرؤية الإستراتيجية المتجددة برزت إلى العلن في 13 أيار 1996 في خيمة أُقيمت في صحراء إيران، حيث ضمّت وفوداً من 40 دولة، بينها الصين وروسيا ورؤساء دول آسيا الوسطى، تركمانستان وأوزبكستان وقازاقستان، وقرغيزستان، وتركيا وباكستان وأفغانستان وأرمينيا وجورجيا وإيران. وبعد عمل ممنهج وصامت، بعد 17 عاماً، أعلنت الصين في العام 2013 بناء شبكة مواصلات برية وسكك الحديد وبحرية، بالإضافة الى شبكة أنابيب النفط والغاز، وخطوط الطاقة الكهربائية والإتصالات الحديثة والإنترنت، ليتم تعزيز إتصالات الصين بالقارتين الأوروبية والإفريقية عبر آسيا. والبُعد الإستراتيجي هي في الطرق البرية والبحرية، وفي البنية التحتية المالية والإلكترونية التي يُفترض أن تُشكل القاعدة الأساسية لهذه الطريق، لتكون الصين هي المحور المقبل المسيطر سياسياً على مقدّرات العالم. فطرق الحرير البرية الثلاث، التي تربط الصين بروسيا الإتحادية إلى أوروبا والبحر الأبيض المتوسط، وإلى المحيط الهندي، ترسم خيوطاً عنكبوتية يصعب تقطيعها، حيث يتصل بهذه الخطوط عدد من الممرّات منها ما يتصل بشبه القارة الهندية وأفريقيا، ليتحوّل شكل الصراعات وقواعدها ويُوائم التغيّرات على صعيد تنازع السلطات في نظام عالمي جديد مع ما يوافق النظريات التجريبية الجديدة في نجاحها وفشلها، ولتدفع دائماً الدول الضعيفة كما كان الواقع فاتورة التغيير».

ويتابع وهبه: «قام البنك الدولي بنقد الإستراتيجية بإعتبارها ستزيد من حجم الديون للبلدان الغارقة في الديون والمستفيدة من مشاريع البنى التحتية على طريق الحرير، إلى درجة تُثير قلق صندوق النقد الدولي، والإعتراض باق رغم أن الصين قامت بإلغاء الديون لبعض الدول كتحفيز لها للإرتباط بالمشروع. وقامت معاهد الأبحاث بوضع دراسات أثارت بها مخاطر جوهرية لأوضاع ثمانية بلدان مثقلة بالديون هي منغوليا، ولاوس، وجزر المالديف، ومونتينيجرو، وباكستان، وجيبوتي، وطاجيكستان، وقرغيزستان، واللافت أن صندوق النقد الدولي يسمح لنفسه بمنح باكستان التي تواجه خطر الإفلاس، مساعدة لتُبقي وضعها على حاله، ولا يُسمح لها بالحصول على التمويل من الصين لإقامة مشروع إنتاجي يقضي بالربط بين الصين وميناء جوادر بقيمة 54 مليار دولار، خوفاً من تراكم الدين، مع تبرير ذلك بأن باكستان كانت ستُجبر على السعي إلى تحقيق فائض تجاري مرتفع بهدف سدادها للقرض، في حين أن إحتياطاتها من النقد الأجنبي بدأت بالنفاد».

ويشدّد وهبه على «إمكانية تحقيق الهدف، طالما أن التمويل موجود، والوقت لصالح الصين ولا سيما مع تفشّي الجائحة وخروج الصين منها متعافية، فالقدرات المالية والتي إستجمعتها الصين بصمت خلال عقود سيُمكّنها من إنجاز الطريق الواحدة والحزام الواحد، وقد خصصت نحو 124 مليار دولار لتكون طريق الحرير طريقاً للسلام ولَمِّ الشمل والتجارة الحرة، وبه وضعت الصين أُسُساً للمساعدة والتمويل والإشراف على التنفيذ، معتمدة على معايير الشفافية والجودة، مع الإشارة الى أن بنك الصين، أتاح تمويلاً إئتمانياً بحوالي 115.9 مليار دولار للدول الواقعة على طول الحزام والطريق، في نهاية حزيران/ يونيو 2018، حيث يحظى ثلثا أكبر موانئ في العالم بتمويل صيني. فالصراع حول مشروع الصين بإحداث طريق الحرير بصورة جديدة، يتطابق مع مفهوم العولمة الذي رسمته الرأسمالية والتي أتت جائحة كورونا لتضعفه، لكن النمط الدولي لن يُمكنه التخلي عن النمط الذي وضعته منظمة التجارة الدولية، وهذه الطريق، وفي هذا الوقت، يُضيف إعتبارات التعاون الإقتصادي والتجاري والثقافي والسياحي والإتصال والتواصل الإقليمي والدولي التجاري والمالي، وهذه المكوّنات هي الأساس للسيطرة على العالم. ومن الطبيعي أن تُصبح هذه الطريق المحاولة النمطية لبسط النفوذ الإقتصادي الصيني عبر تطوير التجارة لتعزيز السيطرة السياسية».

يُوافق الخبير الإقتصادي الدكتور لويس حبيقة على كلام وهبه لجهة تنفيذ الطريق، ويرى أنه «كلّما مارس الأميركيون والأوروبيون ضغوطاً على الصين، كلّما أصرّت على تنفيذ مشروع طريق الحرير البحري والبري الجديد. فالصراع الصيني- الأميركي كبير وضخم، وأعتقد أن الأوروبيين سيكونون أكثر ليناً في التعامل مع الصين».

ويضيف حبيقة: «إن العلاقة التجارية بين الصين والدول العربية نتيجة هذه الطريق ستكون أقوى، وخصوصاً في  مصر، ولا سيما أن تعداد الشعب المصري كبير، ولو كانوا لا يملكون القدرة الشرائية لسكان المملكة العربية السعودية، دخول الصين في كل أفريقيا. وأعتقد أن مصر ستكون جزءاً أساسياً من العلاقات العربية – الصينية. نتيجة هذه الطريق ستستفيد أسواق  عربية في الصين وفي آسيا، كذلك الأمر للصادرات

والإستثمارات الصينية في الدول العربية وعبر الدول العربية إلى أفريقيا، وأعتقد أن ما ينقص الصينيين في الدول العربية هي «الحرارة في العلاقات الإستثمارية»، فعلاقاتهم الإستثمارية لا تزال باردة ولا تُجاريها علاقات في التبادل الثقافي والإجتماعي والتربية والصحة كما هي العلاقات بين الدول العربية والأوروبية مثلاً. والعلاقة متوترة بين باكستان والهند، ومؤخراً بين الهند والصين، كل ذلك يُشير إلى أن طريقة التعامل بين الدول الآسيوية لا تزال عنيفة، ولم تتطور على شاكلة العلاقات بين الدول الأوروبية  والأميركية والتي يحكمها النضج والحكمة والبُعد عن الحروب، رغم كل الإختلافات في ما بينها، فالصين تتعامل مع الدول وفقاً لمبدأ المصالح وحسابات الربح والخسارة وهذا ما يجعل علاقاتها مع الدول التي تستثمر فيها جافة، بينما العلاقات مع الدول الغربية تمتاز بأبعاد إجتماعية وثقافية وتربوية، والصين ليست جمعية خيرية، هذا صحيح، ولكن الدول التي تتعامل معها ليست دولاً ساذجة، ويُمكنها أن تحفظ مصالحها من خلال العقود التي تُوقع، والأكيد أن هذه الدول وجدت ضالتها في المشاريع الإستثمارية الصينية وإلا لما كانت فضّلتها على الدول الغربية».

أهداف وأفخاخ

أوردت صحيفة «نيويورك تايمز» في إحدى مقالاتها أن الإنتاج الصناعي الصيني الفائض يُعد أحد أهم الدوافع التي تقف خلف المبادرة، ما يُولّد السؤال عن إنعكاس هذا المشروع على الإقتصادين الصيني والعالمي اللذين يعانيان ركوداً كبيراً نتيجة جائحة كورونا.

 في هذا الاطار يشرح وهبه: «البُعد الإقتصادي والمالي لإستراتيجية طريق الحرير، ستُؤثر قطعاً على تدافع الأوليات، فالعلاقات التجارية التي ترتبط بعقود تجارية مع أكثر دول العالم تجعل من الصين المهيمن الأول عل صعيد تبادلي، وقد شيدت الصين نحو 50 منطقة إقتصادية في نحو 65 دولة، فضلاً عن إستثمار 220 مليار دولار بين عامي 2016-2017، من أجل تشييد 2200 ممر جديد في الغرب، وكازاخستان، والتيبت والنيبال، وتمويل خطوط للسكة الحديد لقطار فائق السرعة في أوروبا الوسطى التي تربط بين بلغراد وبودابست. كما بلغ متوسط الإستثمار المباشر السنوي للصين في أفريقيا ما يقرب من 3 مليارات دولار ما بين 2015 و2017. مع الإشارة إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين وفرنسا بلغ في 2016 نحو 47.5 مليار دولار، منها 25 مليار دولار هي صادرات صينية إلى فرنسا، مقابل مستوردات بقيمة 22.5 مليار دولار، وقُدّر حجم التبادل التجاري بين الصين وأميركا في العام 1979 بـ2.7 مليار دولار وصل في عام 2010 إلى نحو 500 مليار دولار أي أنه تضاعف بأكثر من 193 مرة، وتنوي الصين إنفاق 4 ترليونات دولار خلال العقدين الحاليّ والمقبل ليكون مشروع الطريق والحزام من أكبر المشاريع الإستراتيجية التي أُقيمت على المستوى العالمي».

 ويضيف وهبه: «صحيح أن أزمة الكورونا أثّرت في بدايتها مالياً وإقتصادياً على الصين، وبالتحديد على هونغ كونغ، المدينة التي تُعدّ من أبرز المراكز المالية حول العالم، وأخّرت خطة الصين لوصل دول ببعضها بعضاً عبر الحزام الإقتصادي بعد الإنغلاق الذاتي، ولكن السيطرة الإجمالية للوباء من قبل الصين وضعته في مقدم الدول بعد التخبّط الذي تعانيه القارتان الأوروبية والأميركية إقتصادياً، صحياً وإجتماعياً، مع إعتبار أن الصين تشكل ثلث التصنيع على مستوى العالم، وهي أكبر مصدر للسلع في العالم. وعندما ظهر الفيروس التاجي للمرة الأولى في الصين، إنخفض حجم الإنتاج الصناعي والمبيعات والإستثمار بمقدار 13.5 %  في أول شهرين من العام، مقارنة بالفترة نفسها من العام 2019. ومع إنكماش الإقتصاد العالمي يُتوقع أن ينمو الإقتصاد الصيني بنحو 3 % ليلعب دوراً هاماً في إنقاذ الإقتصاد العالمي من براثن الركود».

من جهة أخرى يرى منتقدو المشروع أنه يعمل على تعزيز مواقع ونفوذ الشركات المتمركزة في الصين بشكل أساسي، وينصبُ في الوقت ذاته «أفخاخاً من الديون» للبلدان التي تستفيد من قروض تمنحها المصارف الصينية،  فكيف يُمكن تفادي هذه الافخاح؟ يجيب  وهبه «إن الصراع على ريادة العالم هو مصدر المخاوف، وما يُقلق الولايات المتحدة، هو أن سيل الأموال الصينية سيُخفّض من شأن المعايير العالمية لدى المؤسسات المالية الموجودة حالياً، مثل البنك الدولي، وخصوصاً إذا ما كان سيتم إنتقاء الشركات الصينية لتقوم بإستخدام الأموال، أو دعم مشاريع معيّنة ذات أهداف سياسية أو مهددة للبيئة بشكل غير مسؤول.

وقد عرقلت الولايات المتحدة محاولات الصين بدء المفاوضات في شأن الإتفاقيات للتجارة، لتُعارضها مع إتفاقية التجارة الحرة في آسيا والهادي التي تطرحها واشنطن حالياً، والتي لا تضم الصين. كما ضغطت الولايات المتحدة أيضاً على الدول الآسيوية الكبرى كي لا تدخل بنك البنية التحتية الآسيوي، الذي أسّسته الصين في تشرين الأول/ أوكتوبر 2018 مع 20 بلداً آخر كبديل للبنك الدولي الذي تُهيمن عليه الولايات المتحدة، وبنك التنمية الآسيوي الذي تقوده اليابان».

ويتابع وهبه: «قد يكون هناك أفخاخ تعاقدية، ولكن البلدان الأقل نمواً بنظرنا تجد لها مصلحة في التمويل بسبب إحتياجاتها الماسة للبُنى التحتية، وفي المقابل وبالنسبة إلى الصين، فإن المخاطر تستحق المجازفة، فهي تسعى إلى منافذ لتصريف إنتاجها الفائض من الطاقة الصناعية كما أنه يحتاج إلى طرق وموانئ وخطوط أنابيب لنقل الإمدادات من المواد الخام. فربطُ منطقة أوراسيا سيسمح بربط سوق يغطي نحو 65 % من السكان في العالم و75 % من موارد الطاقة و40 % من الناتج القومي المحلي في العالم.

وكمنهج تقوم الصين في كثير من الأحيان بإدارة البنى التحتية التي تُشيّدها من خلال عقود لمدة 20 عاماً أو 30 عاماً. وما حدث لسريلانكا يُؤشر لمنهج يُمكن إعتماده، حيث إقترضت 1.4 مليار دولار لتطوير أحد موانئها، لكنها إضطرت أواخر العام 2017 إلى منح الصين السيطرة الكاملة على المرفأ لمدة 99 عاماً لعدم قدرتها على السداد. وهو ما قامت به في اليونان التي عرضت ميناءها الرئيسي للبيع نظراً إلى حاجتها لدفع 245 مليار دولار للبنك المركزي الأوروبي. وقد إستحوذت شركة «كوسكو» الصينية للشحن البحري على الميناء في العام 2016 بنسبة 51 %  من الأسهم مقابل 316 مليون دولار، فضلا عن إستحواذ 16 %  إضافية من الأسهم خلال السنوات الخمس المقبلة مقابل 99 مليون دولار. وللمقارنة وبعد أول عام من تشغيل الصين للميناء، إرتفعت العائدات من محطة الحاويات لوحدها بنسبة 53,1 % على أساس سنوي، بفضل إرتفاع حجم الحاويات بنسبة 70,6 %.

منذ بداية العام 2018 إبتدأ العد العكسي في إعادة التوازن لريادة العالم، وترتسم نتائج المشاريع التي إنطلقت بتسميات متعددة، منها بعنوان خطوط الغاز والطاقة، ومنها بعنوان الممرّات التجارية، وقد بان غبار الصراعات الدموية التي إنطلقت من العراق الى ليبيا وسوريا واليمن، والتي ومنذ العام 2011 إمتدت لتشمل في مدخلاتها الدول العظمى في حرب تجريبية عالمية تدور رحاها في الشرق الاوسط».

هل الطريق تُنقذ لبنان؟

ماذا عن لبنان؟ وهل يُمكن أن تُشكل هذه الطريق أحد سبل إنقاذه من المأزق الإقتصادي والمالي الذي يتخبّط فيه؟

يجيب قرم: «لو قبلت الحكومة اللبنانية العرض الذي تقدمت به الصين منذ 10 سنوات لتحويل معرض طرابلس الدولي إلى منطقة صناعية، كنّا إستفدنا كثيراً، ولبنان بحاجة إلى الإستثمارات الأجنبية، ولبنان يجب أن يكون حيادياً في التعامل معها، فالإستثمار الصيني مثل الإستثمار الغربي له شروط، وعلى كل دولة أن تدرس بتمعّن العروض المقدّمة لها، فإما أن تقبل وإما أن ترفض، ولكن علينا أن نخرج من عواطفنا  في الحكم حول التعامل مع الصين، والقطاع المصرفي اللبناني اليوم، يا للأسف، هو مشلول، ولا يملك إمكانات تمويلية والمصارف عليها حل مشكلة الودائع للزبائن أولاً».

من جهته يرى حبيقة «أن لبنان من المفترض أن يُقيم علاقات مع الشرق والغرب وفقاً لمصالحه، والعلاقات مع الشرق يجب أن تتطور (الصين والهند واليابان) في الوقت الذي تبقى علاقاتنا مع الغرب قوية ومتينة ثقافية وتربوية وإجتماعية ، ويُمكن للبنان أن يُوسع علاقاته مع الشرق من خلال زيادة المشاريع العمرانية والإستثمارية».

ويعتبر وهبه  «أن لبنان يشكل  بموقعه الجيوسياسي، مركز جذب للعديد من الدول الراغبة بموطئ قدم على المتوسط، بداية من فرنسا مروراً بالولايات المتحدة وروسيا، وليس إنتهاءً بالصين، هذه الأخيرة التي ترى لبنان في ظل الأوضاع السياسية التي تعانيها المنطقة، المكان المناسب ليكون مركزاً كبيراً لمشروعها الحزام والطريق على المتوسط، فسوريا تعاني أزمة مستمرة منذ أكثر من تسع سنوات، وهي غير قادرة حالياً على تلبية الشروط الصينية، كذلك الأمر ينطبق على (إسرائيل) التي كان من المقرر أن يكون ميناء حيفا مركزاً حيوياً لها، ولكن بسبب الفيتو الأميركي المستجد والرافض لأي تعاون «إسرائيلي – صيني» حيث تُرجم ذلك بزيارة سريعة لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، رفع فيها البطاقة الحمراء في وجه مشاريع صينية عملاقة في كيان الإحتلال، مما ضيّق الخيارات أمام بيجينغ، وجعل من لبنان وجهة مناسبة».

 ويضيف وهبه: «بالنسبة إلى لبنان في إطار تبادل المصالح، ومن خلال أزمته المالية، وفي إطار الحصار المالي والإقتصادي والنقدي، قد تكون الإستثمارات الصينية هي المنقذ، وخصوصاً أن الصين تملك 1600 مليار دولار من إحتياطي العملات الأجنبية، وقد أوضح الصينيون إهتمامهم بلبنان عبر عرض الخطط والمشاريع الإنمائيّة في قطاعات عديدة تصل قيمة الإستثمارات فيها الى أكثر من 12 مليار دولار، ما يعني أنها تتجاوز مجموع ما يُمكن أن يؤمنه مؤتمر «سيدر». وتشمل تنفيذ 9 مشاريع كبيرة، تبدأ أولاً بسكك الحديد، حيث يلتزم الصينيون ببناء شبكة متكاملة تربط مجمل المناطق في لبنان، ويتكامل ذلك مع عرض لتأهيل مرفأ بحري وإدارته. على صعيد الكهرباء، ينوي الصينيون بناء معامل لإنتاج الكهرباء بالفيول أو الغاز، كذلك منشآت إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، نهر الليطاني يدخل أيضاً في صلب الإهتمام الصيني، عبر تنظيف مجرى النهر ومعالجة التلوث الذي جعل مياه النهر ومجراه مكاناً غير قابل للحياة، وتحويله إلى مصدر للإنماء وتطوير الإنتاج الزراعي. أما بالنسبة إلى ملف النفايات، فيقترح الصينيون تقديم حلول متطورة للأزمة المتفاقمة، عبر بناء معامل الفرز والمعالجة وإعادة التدوير، لوقف الإستنزاف والتلوّث. من دون أن يدفع لبنان أي مقابل BOT. بالنسبة إلى الصين الأمر واضح، وحساباتها إقتصادية وعملانية، بعيدة عن السياسة، أو التورط في محاور سياسية متصارعة. إلا أن الضغوط الأميركية والإقليمية تجعل من هذا الخيار أمراً صعب المنال».

 ويختم وهبه: «لا شك في أن الولايات المتحدة ترى في التوجه اللبناني نحو الشرق هو خسارة كبيرة لها في شرق المتوسط، فهي تضغط لكي لا يتم تحقيق التوجه نحو الشرق، وعليها لذلك تقديم البدائل المالية والداعمة، والإستمرار بالضغط والحصار والعقوبات والتجويع، فلا حل للبنان سوى في السير شرقاً والذي لا يمنع من إقامة علاقات دولية وسياسية واقتصادية مع الغرب».

طريق الحرير.. طرق الحرير…

وفق بعض المراجع، فإن الرجل الذي يُنسب إليه فضل إقامة طرق الحرير، هو الجنرال زانغ كيان الذي فتح الطريق الأولى بين الصين والغرب في القرن الثاني قبل الميلاد، عندما أرسله الامبراطور وو دي (119 قبل الميلاد) لزيارة عدد من الشعوب المجاورة للصين. وهكذا شقّ زانغ كيان أولى الطرق الممتدة من الصين حتى آسيا الوسطى. وبعد ذلك إمتدت الطرق إلى بلاد فارس وسوريا ووصلت إلى روما في أوروبا، وبدأت الحركة التجارية بين الصين والعالم. وكان الحرير الصيني السلعة الرئيسة المطلوبة بشدّة في هذه التجارة، ومن الحرير الصيني إكتسبت هذه الطرق إسمها وشهرتها.

باسمة عطوي