عام على إنتشار جائحة كورونا

Download

عام على إنتشار جائحة كورونا

الدراسات والابحاث والتقارير
العدد 483 شباط/فبراير 2021

عام على إنتشار جائحة كورونا:

إنكماش الإقتصاد العالمي 4.3 % في 2020

تعرّض النمو الإقتصادي العالمي لصدمة شديدة في العام 2020 بسبب إنتشار جائحة كورونا والإغلاقات الشاملة المتكرِّرة في معظم الإقتصادات المتقدِّمة والصاعدة والنامية على حدّ سواء. وأدَّت الجائحة إلى خسائر ضخمة من الوفيات والإصابات المَرَضية، ودفعت بالملايين حول العالم نحو الفقر، وتسبَّبت بتقلُّص النشاط الإقتصادي والدخل وخسائر لسنوات من النمو.

بحسب التقديرات الصادرة عن البنك الدولي في تقريره «الآفاق الإقتصادية العالمية» الصادر في يناير/كانون الثاني 2021، فقد إنكمش الإقتصاد العالمي بنسبة 4.3 % خلال عام 2020. وكان الإنكماش الإقتصادي في الدول المتقدِّمة أسوأ من ذلك المسجَّل في الإقتصادات الصاعدة والأسواق النامية، حيث بلغ الإنخفاض في حجم الناتج المحلي الاجمالي في الإقتصادات المتقدِّمة 5.4 %، فيما إنكمش بنسبة 2.6 % في إقتصادات الدول الصاعدة والنامية. مع الإشارة إلى أن تراجع النشاط الإقتصادي في معظم الإقتصادات الصاعدة والنامية كان أشدَّ حدَّة مما كان متوقعاً سابقاً.

من جهة أخرى، تعثَّر الإنتعاش الإقتصادي المسجَّل في الربع الثالث من العام 2020 في الإقتصادات المتقدِّمة، وذلك بسبب الإرتفاع الكبير في الإصابات في الفيروس، الأمر الذي أدَّى إلى تباطؤ التعافي فيها ومواجهتها المزيد من التحدِّيات الصحية والإقتصادية والمالية. وبشكل عام، فاقمت جائحة كورونا بشكل كبير جداً مخاطر الديون السيادية، وديون القطاع الخاص في الإقتصادات الصاعدة والبلدان النامية تحديداً، حيث أدَّى النمو الضعيف إلى زيادة أعباء الديون وتراجع قدرة المقترضين على خدمة أعباء الديون (رسم بياني 3 و4). ويُقدِّر البنك الدولي أن تؤدِّي مشكلة الديون إلى تفاقم تباطؤ النمو العالمي المتوقَّع على مدى العقد المقبل بسبب إنخفاض الإستثمار والتوظيف والعمالة في العديد من الإقتصادات المتقدِّمة.

رسم بياني 1: تأثير جائحة كورونا على النمو الاقتصادي العالمي
والنمو المتوقع ما بعد الجائحة
المصدر: البنك الدولي
رسم بياني 2: خسائر حصَّة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي
GDP per capita) خلال عام 2020
في الدول المتقدِّمة والإقتصادات الصاعدة والنامية – نسبة الدول (%) والخسارة (سنوات)

المصدر: البنك الدولي

الإنكماش الإقتصادي

لقد أدى الإنكماش الإقتصادي إلى خسارة ضخمة في حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبالتالي خسارة كبيرة جداً في حصَّة الفرد من الناتج في جميع دول العالم. وفي هذا المجال، قدَّر البنك الدولي خسارة حصَّة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول المتقدِّمة والصاعدة والنامية بأكثر من عشر سنوات من النمو. ففي الدول المتقدِّمة، خسر 50 % منها أكثر من عشر سنوات من النمو، وخسر 33.3 % منها ما بين خمس وتسع سنوات من النمو، و16.7 % ما بين سنة وأربع سنوات من النمو. أما في الإقتصادات الصاعدة والنامية، فقد خسر 43.4 % منها أكثر من عشر سنوات من النمو، و28.3 % منها ما بين خمس وتسع سنوات من النمو، و28.3 % ما بين سنة وأربع سنوات من النمو (رسم بياني 2).

وبعد الركود الذي أصاب الإقتصاد العالمي، توقَّع البنك الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في الإقتصادات الصاعدة والبلدان النامية بنسبة 5 % في العام 2021، بعد إنكماشه 2.6 % في 2020. ومن ضمن تلك الدول، من المتوقَّع أن ينمو الإقتصاد الصيني بنسبة 7.9 % في العام 2021 بعد تسجيل نسبة نمو 2 % فقط في العام الماضي. وعليه، فبإستثناء الصين، من المتوقَّع أن تنمو الإقتصادات الصاعدة والبلدان النامية بنسبة 3.4 % في 2021 بعد إنكماشها بنسبة 5 % في 2020.

أما في الدول منخفضة الدخل، فمن المتوقَّع أن تحقق نمواً بنسبة 3.3 % في 2021، بعد إنكماش إقتصاداتها بنسبة 0.9 % في 2020. أما في الإقتصادات المتقدِّمة، فمن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة الاميركية بنسبة 3.5 % في 2021، بعد إنكماشه بمعدل 3.6 % في 2020. وفي منطقة اليورو، من المقدَّر أن ينمو ناتجها الإجمالي بنسبة 3.6 % في العام الحالي، بعد إنكماشه بنسبة 7.4 % في 2020. أما في اليابان، فمن المتوقَّع أن ينمو إقتصادها بنسبة 2.5 % في العام 2021، بعد أن شهد إنكماشاً بنسبة 5.3 % في العام الماضي.

رسم بياني 3: تأثير جائحة كورونا على الدَين العالمي (نسبة مئوية من الإيرادات الحكومية)

المصدر: البنك الدولي

 

رسم بياني 4: تأثير جائحة كورونا على الدَين العام في الإقتصادات الصاعدة والنامية
(نسبة مئوية من الإيرادات الحكومية)
المصدر: البنك الدولي
رسم بياني 5: سيناريوهات تطوُّر الناتج المحلي العالمي (نتريليون دولار)
المصدر: صندوق النقد الدولي.

إلاَّ أن تلك التوقُّعات تتَّسم بحالة مرتفعة جداً من عدم اليقين، وإحتمال تحقيق نمو بنسب أقل لا يزال قائماً. وعليه، وبالإضافة الى نسب النمو المذكورة بحسب سيناريو النمو الأساسي الوارد أعلاه، وضع البنك الدولي سيناريوهين آخرين للنمو، يستندان إلى إحتمال إستمرار إرتفاع الإصابات والتأخُّر في توزيع اللقاحات، وبالتالي إستمرار التباطؤ في عودة إطلاق النشاط الإقتصادي.

يُشير سيناريو «الأوضاع السيِّئة» إلى إحتمال تسجيل نمو عالمي محدود بـ 1.6 % في 2021 وبالتالي أن يصل حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 81.6 تريليون دولار. في حين يشير سيناريو «الأوضاع السيَّئة جداً» إلى إنكماش النمو مجدَّداً خلال العام 2021 وبنسبة 0.75 %، وأن يصل حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 79.7 تريليون دولار. مع الإشارة إلى أن منحى النمو خلال الفترة 2010-2019 يشير إلى أنه كان من المفترض أن يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي 86.4 تريليون دولار في نهاية عام 2020 بدلاً من 80.3 تريليون دولار المحقَّق، أي أن الخسارة العالمية المُسجَّلة خلال العام المذكور هي 6.1 تريليون دولار.

يستند النمو المتوقَّع بنسبة 4.0 % إلى فرضية أن التوزيع الأولي للقاحات فيروس كوفيد-19 سيُصبح واسع الإنتشار خلال العام الحالي. إلا أنَّ التعافي قد يكون ضعيفاً ما لم يتحرَّك صانعو السياسات بشكل حاسم لكبح جماح الجائحة، وإعطاء الدعم اللازم لتعزيز الإستثمار بشكل أساسي. وهكذا، وإلى أن تصبح اللقاحات متاحة على نطاق دولي واسع، يظل إنتعاش الأسواق والتعافي الإقتصادي مرهونين بإستمرار الدعم المقدَّم من السياسات المالية والنقدية، كما ويظل إستمرار الدعم النقدي والمالي عاملاً حيوياً في تخفيف حالة عدم اليقين السائدة، وبناء جسر نحو التعافي وضمان الإستقرار المالي.

وفي هذا السياق، يُشير صندوق النقد الدولي في تقريره «مستجدات آفاق الإقتصاد العالمي»، الصادر في يناير/كانون الثاني 2021، أن التوزيع غير المتكافئ للقاحات حول العالم ينطوي على مخاطر تؤدِّي إلى تفاقم مواطن الضعف المالي السائدة، وخاصة في الإقتصادات الصاعدة، كما ستعتمد سرعة التعافي الإقتصادي إعتماداً أساسياً على إنتاج اللقاحات وشبكات توزيعها وفرص الوصول إليها. ولكنَّه في المقابل يلفت إلى أن الأخبار المعلنة بخصوص اللقاحات المضادة للفيروس وبداية نشرها قد أدَّت إلى تعزيز الآمال في حدوث تعافٍ إقتصادي خلال عام 2021.

جدول 1: توقُّعات النمو للإقتصادات المتقدِّمة والصاعدة الأساسية (%)

  2018 2019 2020 (تقديري) 2021 (متوقَّع) 2022 (متوقَّع)
الولايات المتَّحدة 3.0 2.2 (3.6) 3.5 3.3
منطقة اليورو 1.9 1.3 (7.4) 3.6 4.0
اليابان 0.6 0.3 (5.3) 2.5 2.3
الصين 6.6 6.1 2.0 7.9 5.2
روسيا 2.5 1.3 (4.0) 2.6 3.0
الهند 6.1 4.2 (9.6) 5.4 5.2
تركيا 3.0 0.9 0.5 4.5 5.0
البرازيل 1.8 1.4 (4.5) 3.0 2.5
المكسيك 2.2 (0.1) (9.0) 3.7 2.6
الأرجنتين (2.6) (2.1) (10.6) 4.9 1.9
جنوب أفريقيا 0.8 0.2 (7.8) 3.3 1.7
نيجيريا 1.9 2.2 (4.1) 1.1 1.8
المصدر: البنك الدولي.

كما أدَّت الأخبار حول البدء بإعتماد مجموعة واسعة من اللقاحات المضادة لفيروس كوفيد-19 إلى تعزيز إنتعاش صناعات مثل الطيران والسياحة والخدمات الإستهلاكية في أواخر عام 2020. مع الإشارة إلى أن السياحة كانت إحدى أكثر الصناعات تأثُّراً بالجائحة، حيث بلغ عدد السيَّاح حول العالم 351 مليوناً خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2020 مقابل 1246 مليوناً خلال الفترة عينها من العام 2019. وعليه، يكون الإنخفاض في عدد السياح قد بلغ 72 % مقابل إنخفاض في حجم التجارة العالمية بحوالي 9.5 %.

ورغم الموافقات الأخيرة على اللقاحات التي عزَّزت الأمل في حدوث تطوُّرات إيجابية حول إمكانية السيطرة على الجائحة في وقت لاحق من العام الجاري، فإن موجات العدوى المتزايدة والتحوُّرات الجديدة التي شهدها الفيروس أثارت القلق بشأن آفاق النمو. كما يُمكن للتوزيع غير المتكافئ للِّقاحات حول العالم والتعافي غير المتزامن من الأزمة عبر الدول أن يشكِّلا خطراً على تدفُّقات رؤوس الأموال إلى إقتصادات الأسواق الصاعدة، ولا سيما مع عودة الإقتصادات المتقدِّمة إلى سياساتها العادية.

 رسم بياني 6: تأثير جائحة كورونا على الإستثمار
(نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي)

المصدر: صندوق النقد الدولي.
رسم بياني 7: مؤشر أسعار السلع (2010 = 100 نقطة)

المصدر: Bloomberg.

جدول 2: تأثير جائحة كورونا على أسعار النفط ومؤشِّرات الأسعار العالمية والتوقُّعات المستقبلية

  2018 2019 2020 2021 (متوقَّع) 2022 (متوقَّع)
               سعر برميل النفط الخام (دولار)          
مزيج برنت الخفيف 71.1 64.0 42.8 48.0 49.6
دبيّ 69.1 63.1 42.6 47.3 48.9
غرب تكساس 64.8 57.0 39.7 44.9 45.8
مؤشرات الأسعار (2016 = 100)          
الطاقة 157.7 130.4 90.6 105.3 108.8
المواد الغذائية والمشروبات 101.3 98.1 98.8 103.0 103.2
المواد الزراعية الأولية 107.3 101.5 97.3 98.9 99.0
المعادن 130.3 135.1 136.1 140.2 141.1
المصدر: صندوق النقد الدولي.

النمو الإقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ظل جائحة كورونا

تسبَّبت جائحة كورونا في خسائر في الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 5.0 % في عام 2020. ومن ضمنها، بلغت خسائر المنطقة العربية نسبة 6.1 %. وأدَّت الجائحة إلى خسائر في العمالة والتوظيف في معظم دول المنطقة والتي هي أصلاً منخفضة. وتوقَّع البنك الدولي أن تؤدِّي صدمة الدخل الناجمة عن الوباء إلى زيادة عدد من يعيشون دون خطِّ الفقر في المنطقة والبالغ 5.50 دولارات يومياً بعشرات الملايين.

جدول 3: نسب النمو الإقتصادي للدول العربية في ظل جائحة كورونا والتوقُّعات المستقبلية (%)

  2018 2019 2020

(تقديري)

2021

(متوقَّع)

2022

(متوقَّع)

الأردن 1.9 2.0 (3.5) 1.8 2.0
الإمارات 1.2 1.7 (6.3) 1.0 2.4
البحرين 1.8 1.8 (5.2) 2.2 2.5
الجزائر 1.2 0.8 (6.5) 3.8 2.1
السعودية 2.4 0.3 (5.4) 2.0 2.2
السودان (2.3) (2.5) (8.3) 2.5 3.1
العراق (0.6) 4.4 (9.5) 2.0 7.3
الكويت 1.2 0.4 (7.9) 0.5 3.1
المغرب 3.1 2.5 (6.3) 4.0 3.7
تونس 2.7 1.0 (9.1) 5.8 2.0
جيبوتي 8.4 7.5 (1.0) 7.1 7.2
عُمان 0.9 (0.8) (9.4) 0.5 7.9
فلسطين 1.2 1.4 (7.9) 2.3 2.4
قطر 1.2 0.8 (2.0) 3.0 3.0
لبنان (1.9) (6.7) (19.2) (13.2) غ.م.
مصر 5.3 5.6 3.6 2.7 5.8
موريتانيا 2.1 5.9 (0.6) 3.7 4.8
متوسط 1.8 1.5 (6.1) 1.9 3.8
المصدر: البنك الدولي. (ملاحظة: تمَّ إدراج الدول في الجدول بحسب الترتيب الأبجدي. غ.م.: غير متوفِّر).

وأشارت تقديرات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المُصدِّرة للنفط قد تراجع بنسبة 5.7 % خلال العام 2020، ويعود ذلك إلى أن نمو قطاع النفط كان مقيداً بالإلتزامات كإتفاقية خفض الإنتاج لمنظمة أوبك +. في المقابل، شهدت دول المنطقة المستوردة للنفط إنكماشاً بنسبة 2.2 % خلال عام 2020، وهو ما عكس تفشِّياً محدوداً لفيروس كورونا في النصف الأول من العام المذكور، والإستفادة من أسعار النفط المنخفضة. ولكن في مقابل ذلك، فإن عودة إرتفاع وتيرة الإصابات المستجدَّة مترافقة مع أجواء عدم اليقين الجديد في السياسات أدَّت إلى تفاقم تأثير الإضطرابات المرتبطة بالوباء على النشاط الإقتصادي بشكل عام. مع الإشارة إلى أن معظم دول المنطقة أعلنت عن حزم تحفيز مالي شملت زيادات كبيرة في الإنفاق على شبكات الأمان الإجتماعي والصحي، وتخفيضات وتأجيلات في دفع الضرائب، وتمديدات في إستحقاقات القروض والضمانات للشركات. بالإضافة إلى ذلك، ساعدت إجراءات السياسات النقدية التي إتخذتها البنوك المركزية في التخفيف من الأثر السلبي للجائحة على الإقتصادات والأسواق المالية والمصارف تحديداً.

ومن المتوقَّع أن يسترجع النشاط الإقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعافيه بشكل متواضع إلى 2.1 % خلال عام 2021، وهو ما يعكس الضرر المستمر الناجم عن الجائحة، وعن إستمرار إنخفاض أسعار النفط. وبحسب البنك الدولي، يتوقَّف التعافي على إمكانية إحتواء الوباء، وإستقرار أسعار النفط، وعدم تصاعد التوتُّرات الجيوسياسية، وإفتراض طرح اللقاح في النصف الثاني من العام 2021. أما في حلول عام 2022، فيُتوقَّع أن يظل الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة أقل بنحو 8 % من الناتج المتوقَّع قبل الوباء، مع تأثير أكبر على دول المنطقة المستوردة للنفط من تلك المصدِّرة له.

وفي هذا الإطار، من المتوقَّع أن يتعافى النمو في الدول المصدِّرة للنفط إلى 1.8 % خلال العام الحالي، مدعوماً بتحسُّن الطلب على النفط والتخفيف المقرَّر لتخفيضات إنتاج النفط في أوبك+، ودعم السياسات، والإلغاء التدريجي للقيود المحلية المفروضة للحدّ من تفشِّي الجائحة. أما بالنسبة إلى دول المنطقة المستوردة للنفط، فمن المتوقَّع أن ينتعش النمو فيها إلى 3.2 % هذا العام، وذلك نتيجة لتخفيف القيود المفروضة على التنقُّل وتعافي الصادرات والطلب المحلي تدريجياً.

رسم بياني 8: مقارنة نسب النمو بين منطقة الشرق الأوسط
وشمال إفريقيا والأقاليم الجغرافية الأخرى (%)

المصدر: البنك الدولي.

ومقارنة بالأقاليم الجغرافية الأخرى، يظهر من الرسم البياني 8 أن الصدمة الإقتصادية التي تعرَّضت لها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال عام 2020 كانت أقسى من تلك المسجَّلة في كل من منطقة إفريقيا جنوب الصحراء ومنطقة أوروبا وآسيا الوسطى ومنطقة شرق آسيا والباسيفيك، ولكنها كانت أقلَّ شدَّة من تلك المسجَّلة في كل من جنوب آسيا وأميركا اللاتينية والكاريبي. كما يظهر أن التعافي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا خلال العام الحالي سوف يلي جميع الأقاليم الجغرافية الأخرى دون استثناء، بحسب سيناريو النمو الأساسي للبنك الدولي.

أما بالنسبة إلى الخسارة في النمو، فتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن 68.8 % من دول المنطقة قد خسرت أكثر من عشر سنوات من النمو بسبب الجائحة وإنخفاض أسعار النفط، فيما خسرت 18.8 % منها ما بين خمس وتسع سنوات من النمو، و12.5 % منها خسرت ما بين سنة إلى أربع سنوات من النمو. وتدل هذه الأرقام على مدى فداحة الخسارة التي تكبَّدتها المنطقة خلال عام واحد من إنتشار الجائحة، وهو ما فاق بكثير الخسائر التي شهدتها الأقاليم الجغرافبة الأخرى (رسم بياني 9).

أخيراً، يظهر أن المخاطر في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تميل إلى المنحى السلبي وترتبط بتطورات إنتشار الجائحة وتداعياتها الصحية والإجتماعية، والضغوط على أسعار النفط، وأجواء عدم اليقين والتوتُّرات الجيوسياسية في المنطقة. مع الإشارة إلى أن دولاً عدَّة في المنطقة لا تزال تسجِّل إرتفاعاً كبيراً في الإصابات، الأمر الذي فرض عليها إعادة الإغلاق وبالتالي توقُّف النشاط الإقتصادي مجدَّداً. من جهة أخرى، قد يؤدي إستمرار التراجع في أسعار النفط أو تمديد تخفيضات إنتاج النفط في مجموعة أوبك+ إلى إعاقة النمو في دول المنطقة المصدِّرة للنفط، وهو ما يُؤثِّر أيضاً على دول المنطقة المستوردة للنفط عبر إنخفاض التحويلات والإستثمار الأجنبي المباشر من البلدان المصدِّرة للنفط في المنطقة.

رسم بياني 9: خساشر حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (GDP per capita)
خلال عام 2020 بين الأقاليم الجغرافية – (نسبة الدول (%) والخسارة (سنوات

المصدر: البنك الدولي.

السياسات المعتمدة لتخفيف تداعيات أزمة جائحة كورونا

والسياسات الإضافية المطلوبة التسريع التعافي

في حين دخل الإقتصاد العالمي في مرحلة تعافٍ ولكنه ضعيف، لا يزال صانعو السياسات حول العالم يواجهون تحديات جمَّة في مجال الصحة العامة والأوضاع الإجتماعية والسياسات المالية وإدارة الدين العام وإجراءات السياسات النقدية. وللتغلُّب على تأثيرات الجائحة على الإستثمار تحديداً، يتوجَّب إعتماد إجراءات قويَّة لتعزيز بيئة الأعمال وزيادة مرونة أسواق العمل وتعزيز الشفافية والحوكمة. وفي هذا الإطار، يقترح البنك الدولي في تقريره «الآفاق الإقتصادية العالمية» الصادر في يناير/كانون الثاني 2021 على صانعي السياسات مواصلة الحفاظ على التعافي مع التحوُّل تدريجياً من دعم الدخل إلى سياسات تعزيز النمو. ويشير التقرير المذكور إلى أنه لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، إستخدمت البنوك المركزية في بعض الإقتصادات الصاعدة والبلدان النامية برامج شراء الأصول إستجابة لضغوط الأسواق المالية الناجمة عن الجائحة. وحين تمَّ توجيه البرامج المذكورة إلى معالجة إخفاقات الأسواق، ظهر أنها أسهمت في تحقيق إستقرار الأسواق المالية خلال المراحل الأولى من الأزمة. لكن في الإقتصادات التي تتوسَّع فيها عمليات شراء الأصول لتمويل عجز الموازنة، فقد يؤدِّي إلى تآكل إستقلالية البنك المركزي ويهدِّد بإضعاف العملة ويزيد المخاوف في شأن القدرة على تحمُّل أعباء الدين. أما على المدى الطويل، فمن المتوقَّع أن تساهم السياسات المعتمدة في الإقتصادات الصاعدة والبلدان النامية الهادفة إلى تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، والبنية التحتية الرقمية، والقدرة على الصمود في وجه تغيُّر المناخ، وممارسات الشركات والحوكمة، في تخفيف الضرر الإقتصادي الناجم عن تفشِّي الجائحة والحدّ من الفقر وتعزيز الرخاء الإجتماعي.

وفي حين لا تزال مخاطر الإستقرار المالي تحت السيطرة حتى الآن، يُشدِّد صندوق النقد الدولي في تقريره «مستجدات الإستقرار المالي العالمي» الصادر أيضاً في يناير/كانون الثاني 2021، على ضرورة التحرُّك الفاعل لمعالجة مواطن الضعف المالي التي كشفتها الأزمة الحالية. ويشير في هذا الإطار إلى مواجهة صنَّاع السياسات مفاضلة زمنية بين مواصلة دعم التعافي ومعالجة مواطن الضعف المالي التي كانت واضحة قبل تفشِّي الجائحة أو تلك التي ظهرت منذ بدايتها، ومنها تصاعد ديون الشركات وتفاقم الدين السيادي وتراجع الربحية في بعض النُظم المصرفية. وعليه، من الضروري معالجة مواطن الضعف تلك باستخدام السياسات الإحترازية الكلية لتجنب تعريض النمو للخطر على المدى المتوسط. وأخيراً، يقترح التقرير المذكور على صنَّاع السياسات ما يلي:

– الإستمرار في تقديم الدعم للأسواق إلى أن تترسَّخ جذور التعافي المستدام، حيث قد يهدِّد تراجع هذا الدعم تعافي الإقتصاد العالمي. كما يتوجَّب على صنَّاع السياسات أن يكونوا مستعدين لمخاطر حدوث تصحيح سوقي في ظل رهان المستثمرين على إستمرار الدعم المقدَّم من السياسات.

– ينبغي أن تضمن الإجراءات المتَّخذة فعالية الدعم المقدَّم لحين إستقرار التعافي على مسار متين، مع التأكيد على المضي قدماً بتحقيق رفع الناتج الممكن، وضمان تحقيق نمو تشاركي يعود بالنفع على الجميع، وتعجيل التحوُّل إلى نظام إقتصادي أقل إعتماداً على الكربون.

– التعاون القوي متعدِّد الأطراف، حيث تشمل هذه الجهود تعزيز التمويل المتاح لآلية «كوفاكس» لتسريع وصول اللقاحات إلى كل الدول، وضمان توزيع اللقاحات بلا قيد أو شرط، وتيسير الحصول على العلاجات بأسعار تكون في متناول الجميع. فإذا دخلت بلدان كثيرة في هذه الأزمة، لا سيما الإقتصادات النامية منخفضة الدخل، وهي مثقلة بالديون، فسوف يتعيَّن على المجتمع الدولي مواصلة العمل لضمان حصول هذه البلدان على السيولة الدولية الكافية.